السبت 8 أغسطس 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
وليد طوغان

إمبراطورية المال الحرام

 طوال تاريخها، أسست جماعة الإخوان الإرهابيّة «كيانات اقتصادية»، اختلفت طبيعتها تبعًا للظروف السياسية فى كل مرحلة، وفي كل الأحوال؛ كانت «التبرُّعات» قاعدته الأساسيّة. ونشر فكرة «الاقتصاد الإسلامي» أبرز وسائله. أول كيانات فى الإرهابية كانت شركة للمعاملات المالية، حتى أصبح كيانا مُتشعّبًا، يضمُّ عدد كبير من الأنشطة التُجاريّة في العديد من دول العالم.



دائمًا ما تحوم الشبهات حول استثمارات الجماعة من بداية اندلاع الخلافات وتبادل الاتهامات بسرقة التبرعات منذ السنوات الأولى لإنشاء الجماعة؛ إلى تورّط قيادات إخوانية في وقائع غسيل أموال، وتمويل مخططات إرهابيّة، وضرب الاقتصاد القومي. وبعد سقوط حكم الإخوان بمصر في 2013؛ تم الكشف عن توسُّع الجماعة في أنشطتها التُجارية؛ حيث أنشأ قيادات إخوانية العديد من شركات «الأوفشور» ، المصطلح الذى يُطلق على الشركات التي تؤسس فى دولة، وتُمارس نشاطها بدولة أخرى. حسابات سرية توسّع قيادات الجماعة منذ عام 2007، في تأسيس شركات، وضخ استثمارات بالخارج، وفتح حسابات سريّة ببنوك أجنبيّة. وقصدوا من ذلك تحقيق عدة أهداف؛ أولها استخدامها لتهريب أموالهم إليها عند تعرّضهم لضربات أمنية مثلما حدث بعد سقوطهم في 2013. والثاني إيجاد ملاذات آمنة لهم في حالة الهروب للخارج، فضلا عن ضمان توافر مصادر لتمويل مخططاتها، و استخدام تلك الاستثمارات كورقة ضغط سياسية على مراكز صناعة القرار في تلك الدول، وتوطيد العلاقات مع مسئوليها؛ وإنشاء قواعد جديدة لها ببعض الدول، ودعم حركات الإسلام السياسي المنتمية لفكر الجماعة.   وكان من أبرز الدول التي شملت أنشطة تُجاريّة إخوانية: قطر، تركيا، بريطانيا، كندا، قبرص، سويسرا، بنما، ليبيريا، جزر البهاما، ماليزيا، وإندونيسيا. وشملت تلك الأنشطة قطاعات الصرافة، الزراعة والإنتاج الحيواني، الأقمشة والملابس، والزجاج، والسلع المُعمّرة، وغيرها. وإضافة لهذه الدول؛ اتجهت الجماعة منذ سنوات إلى بعض دول إفريقيا، لإنشاء ملاذ جديد. بعد المساحة التي لعبت الجماعة عليها بعد سقوط نظام حسنى مبارك في 2011؛ صوّبت أنظارها نحو دول عربية وإفريقية، لإنشاء قواعد جديدة لها، واستثمار الظروف المحلية والإقليمية والعالمية وقتها، في ضخ استثمارات جديدة ببعض الدول، مثل: ليبيا، السودان، تونس، جنوب إفريقيا، فضلًا عن الصومال، وكينيا. واستطاعت الجماعة تمرير استثمارات ضخمة إلى تلك الدول، ومحاولة التحكُّم في توجهاتها السياسية الخارجيّة؛ فضلًا عن توفير مساحة كافية من الحرية لتحرّكات أفراد الجماعة والمرتبطين بها هناك خصوصًا مع نجاح الجماعة في توطيد علاقاتها مع بعض مسئولي تلك الدول. محمد البوزيدي، مدير مركز الأمة للدراسات في ليبيا، كشف وفق  تقارير صحفية أن استثمارات الإخوان في ليببا تبلغ نحو 460 مليار دولار؛ موضّحًا أن عناصر الجماعة ، يديرون مصرف ليبيا المركزي، ومحفظة ليبيا-إفريقيا للاستثمار، وصندوق الإنماء الاجتماعي والاقتصادي؛ فضلًا عن إدارة سلسلة من الاستثمارات عبر المصرف الليبي الخارجي، والشركة الليبية للاستثمار الخارجي، وشركة الاستثمارات النفطية. وفى جنوب إفريقيا تعتبر الجماعة الداعم والممول الأساسي لحركة الشباب الإسلامي، التي أسست عام 1970، من مجموعة من رجال الأعمال والمهنيين. وبدا التوغُّل الاقتصادي للجماعة داخل جنوب إفريقيا في أوضح صوره عند زيارة محمود حسين، أمين عام الجماعة الهارب، بصحبة يحيي حامد، وزير الاستثمار الإخواني السابق، في يناير 2014. شركات المعاملات تا يخيًا وبعد فترة قليلة من تأسيس جماعة الإخوان؛ سعى مؤسسها حسن البنا،  إلى إنشاء أذرع اقتصادية لها؛ فاعتمدت الجماعة في نظامها المالي بأول الأمر على التبرعات المالية والعينية، واشتراكات الأعضاء، قبل أن تُشرع في ممارسة أنشطة تُجاريّة خاصة بها. ويشير الباحث حمادة محمود في كتاب «حسن البنا وجماعة الإخوان المسلمين بين الدين والسياسة 1928 ـ 1949»، إلى أن النشاط الاقتصادي للجماعة بدأ في عام 1936، بعرض الشعبة الاقتصادية بالجماعة لمنتجاتها الصناعية والزراعية بـ «المعرض الزراعي الصناعي»، موضّحًا أن الانطلاقة الاقتصادية الكبرى للإخوان كانت في عام 1938، بإنشاء شركة معاملات إسلامية. وأراد «البنا» من هذه الشركة؛ استغلال العاطفة الدينية لدى شريحة كبيرة من المواطنين في جذب موارد مالية للجماعة؛ فهي أول مصرف مصري يروّج لفكرة المعاملات المالية على أساس الشريعة الإسلاميّة، وهي الفكرة التي توسّعت فيها الجماعة والمرتبطين بها في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضى من خلال المصارف الإسلامية، وشركات توظيف الأموال، التي كانت لها تأثيرًا اجتماعيًا كبيرًا داخل المجتمع المصري. هذه الشركات هيّأت لتأسيس أنشطة تُجاريّة أخرى تحت مظلتها، بلغت حينها نحو 16 مشروعًا تُجاريًا، شملت التجارة في البقالة، والأقمشة، والطرابيش، ونقل البضائع، ومصانع إنتاج الجير والمنتجات النحاسية، والمنسوجات، والحبال، فضلًا عن إنشاء شركات للطباعة والصحافة والإعلانات، والشركة العربية للمناجم والمحاجر، لاستخراج الرخام، و الحصول على توكيلات شركات عالمية، أبرزها «بروك واي» الأمريكية للسيارات. وتضاعف رأس مال شركة المعاملات خلال سبع سنوات بشكل يدعو للريبة؛ ويضع علامات استفهام حول طبيعة رأس مالها؛ فلم يتجاوز رأس مال الشركة عند الإنشاء أربعة آلاف جنيه، بينما بلغ 40 ألفًا بعد ثلاثة أعوام فقط "1941"، وإلى 50 ألفًا في عام 1945. ولكن قلعة الإخوان الاقتصادية الناشئة تصدّعت مع قرار حل الجماعة، والتحفُّظ على أموالها، في ديسمبر 1948، وفقًا للأمر العسكري رقم 63 لسنة 1948. انفتاح السادات نجحت إدارة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر خلال حقبتي الخمسينات والستينات في تحجيم أنشطة الجماعة الإرهابية، والتضييق عليهم؛ ولكن مع المساحة التي وفّرها لهم الرئيس الراحل أنور السادات؛ استطاع الإخوان العودة مرة أخرى، واستثمار سياسة الانفتاح الاقتصادي، التي انتهجتها الدولة في السبعينات، في إعادة بناء أذرع اقتصاديّة، ولكن باستراتيجية جديدة. واعتمد الإخوان مجددًا على تبرعات الأعضاء، والمتعاطفين معهم، والاستفادة من رؤوس أموال أعضائها العائدين أو المقيمين بدول الخليج. كما أعادوا تدوير فكرة «الاقتصاد الإسلامي»، بإنشاء مصارف، وبنوك، وشركات توظيف إسلاميّة، التي قوبلت بإجراءات حكوميّة حاسمة، لتأثيرها السلبي على الاقتصاد الوطني، وخشية خلق لوبي اقتصادي يكون له أثر كبير في تمكين الجماعة سياسيًا واجتماعيًا. أمام الملاحقات الأمنية؛ اضطرت الجماعة إلى وضع استراتيجية اقتصاديّة جديدة؛ ارتكزت على دعم رجال أعمال بعينهم داخل الجماعة مثل خيرت الشاطر، وحسن مالك، ونبيل مقبل، ويوسف ندا، وأسعد شيخة، وغيرهم؛ في إدارة أنشطة تُجاريّة، على أن تعود الأرباح للجماعة مرة أخرى على شكل تبرُّعات. وشرعت الجماعة في تنفيذ استراتيجيتها الجديدة، وأصبح رجل الأعمال نبيل مُقبل مسئولًا عن اقتصاد الجماعة؛ فأسس عدة شركات للمقاولات، قبل أن يطفو على السطح خيرت الشاطر، الرجل الأخطر في الجماعة، ويقفز على مكانة «مُقبل»، ويأخذ مكانه بالجماعة، ويتولى مسئولية تدوير أموال الجماعة مع رجال أعمال آخرين، أبرزهم حسن مالك. في منتصف الثمانينيات؛ خطى «الشاطر» أولى خطواته في عالم المال والأعمال. وبعد فترة قصيرة؛ التقى زميل الدراسة حسن مالك، رجل الأعمال الإخواني، وقررا الدخول في شراكة، أسفرت عن تأسيس أربع شركات، هي: «سلسبيل» للبرمجيات، «الفجر» لإنتاج الخيوط، «المستقبل» لبيع السلع المُعمّرة، و«رواج» للتصدير والاستيراد؛ فضلًا عن اتجاه قيادات الإخوان في تلك الفترة إلى الاستثمار في التعليم، وتأسيس المدارس الخاصة. وحسن مالك، هو نجل عز الدين مالك، أحد قيادات الجماعة، وامتلك الوالد مصنعًا للغزل والنسيج، ومحلات لتجارة الأقمشة، ومنها ولج «حسن» إلى عالم التجارة؛ حيث افتتح معارض للسلع المُعمّرة، وتوكيلات للعباءات، وأول من عمل في مجال البرمجيات والحاسبات في مصر، وكان من أبرز شركاته «بيت العباية الشرقي»، و«الفريدة»، و«سرار» للملابس الرجالي، و«استقبال» للأثاث الحديث. غسيل أموال بعد نحو ثلاث سنوات من شراكة «شاطر» و«مالك» التُجاريّة؛ أثير حول تلك الأنشطة شبهات، الأمر الذي دفع أجهزة الأمن ، في عام 1992، إلى مداهمة مقر شركة البرمجيات، ومصادرة محتوياتها، في القضية المعروفة باسم «سلسبيل». لكن الجماعة استمرت فى مخططها وضربت قيادات الجماعة بتحذيرات السلطة عرض الحائط، واستأنفوا خطتهم الاقتصادية؛ فوجّهت لهم السلطة ضربة جديدة، في ديسمبر 2006، بعد أن أحال الرئيس الأسبق حسني مبارك بصفته الحاكم العسكري للبلاد، كلًا من خيرت الشاطر، وحسن مالك ضمن 40 من قيادات جماعة الإخوان المسلمين ورجال أعمال، من بينهم يوسف ندا، الموجود بالخارج ، إلى المحاكمة العسكرية. وفي 2008؛ أصدرت المحكمة العسكرية أحكامًا بسجن ومصادرة أموال 25 قيادي إخواني، كان من نصيب «شاطر» و«مالك» الحبس سبع سنوات لكل واحد منهما، ومصادرة جميع ممتلكاتهما؛ ولكن أفرج عنهما بعد أحداث يناير 2011. وتحفّظت الدولة في هذه القضية على أصول 12 شركة مملوكة للجماعة، برأس مال يزيد عن ثلاث مليارات جنيه، بعد تورطها في وقائع غسيل أموال؛ ولكن الحظر رُفع عن تلك الشركات بعد يناير 2011. وأخذت الجماعة على عاتقها التوسُّع خارج الدولة المصرية، بإنشاء شركات مملوكة لأفراد، تستعين بها في تدوير أموالها، متخذة منها ستار لإدارة أنشطتها غير المشروعة. وأسندت الجماعة جميع الاستشارات المالية لعبد الحميد الغزالي، المستشار المالي للجماعة، وطرح الإخوان جزءا من أموالهم في بورصتي دبي والكويت هربًا من الأمن المصري. بينما فضّلت بعض الشركات العمل في الداخل بعد تسويات مع الحكومة مثل شركتي «غزلان»، و«المدائن» للمقاولات. ولم تكتفِ الجماعة بالتوسع الجغرافي، ولكن شمل هذا التوسُّع طبيعة الأنشطة التُجارية؛ التي تضمّنت إنشاء مطاعم وجبات جاهزة. وتمكنت تلك المجموعة من ضم ست شركات رئيسية منها شركة استيراد وتوزيع، ومصنع لحفظ الأطعمة، فضلًا عن الاستحواذ على سلسلة مطاعم حتى صارت تملك 42 فرعًا داخل مصر، إضافة إلى فروع لها في السودان وليبيا والإمارات والبحرين والسعودية وجيبوتي. وكشفت تحريات أمنية حول أنشطة الجماعة الاقتصادية، عن أن خيرت الشاطر، وحسن مالك، دخلا في شراكة مع مؤسسات أجنبية في ماليزيا، وإندونسيا، وتركيا، وقطر، في مجالات تجارية مختلفة، أبرزها الأثاث المنزلي، والمفروشات، والملابس، والبرمجيات. كما توصّلت التحريات إلى قيام قيادات بالجماعة بوقائع غسيل أموال، من بينها الكشف عن حساب مفتوح بأحد البنوك موازِ لحساب شركة «زاد» المملوكة لخيرت الشاطر، باسم الشركة الدولية المصرية، جرى استخدامه في عمليات غسيل أموال؛ فضلًا عن اكتشاف تحويل من شركة «أي جي أس» المملوكة للقيادي نفسه، إلى بنك بكندا، بقيمة مليون ونص المليون دولار. ويمكن القول إن إطلاق سراح «شاطر» و«مالك» بعد تنحى الرئيس مُبارك؛ مثّل عودة جديدة لأذرع الإخوان الاقتصادية، التي بدأت تستفحل مع صعودهم للحكم في يونيو 2012؛ فبعدها أسس «مالك» جمعية «تواصل» للتنسيق بين رجال الأعمال ومؤسسة الرئاسة، التي جاءت بعد تأسيسه لجمعية «ابدأ» فور خروجه من السجن عام 2011. هنا بدأت الجماعة تتجه للاستثمار في قطاعات استراتيجية كبرى مثل صناعات الحديد والإسمنت، ومواد البناء، وظهر «مالك» بجوار الرئيس المعزول محمد مرسي في جولات خارجية، ضمن وفد من رجال الأعمال تحت قيادته، حتى بات مرشحًا لتولي حقبة وزارة الاستثمار، ولكن الوقت لم يمهل الجماعة؛ فسقطت في يونيو 2013. وقدّر خبراء إجمالي استثمارات الإخوان داخل مصر قبل 2011، بما يتجاوز 12 مليار جنيه، ونحو 300 منشأة، وأكثر من 70 مدرسة ومستشفى؛ فضلًا عن حجم استثماراتهم بالخارج، و أن تلك الاستثمارات الخارجية تتوزع على عدد من الدول تشمل تركيا، وماليزيا، وإنجلترا، والصين، وإندونيسيا، وقطر، واليابان، وسويسرا، وأمريكا. ومن بين البنوك التي يمتلكها قيادات الجماعة بالخارج؛ «بنك التقوى» بجزر الباهاما الذي أسسه القيادي الإخواني يوسف ندا، والمتهم بدعم الإرهاب، بجانب عدة شركات الـ «أوفشور» بالجزيرة نفسها، فضلًا عن «بنك أكيدا الدولي» لـ إدريس نصر الدين.

لا يوجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق