الأربعاء 1 أبريل 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
وليد طوغان
جناية «اليسار» على «حقوق الإنسان»

جناية «اليسار» على «حقوق الإنسان»

رُغم حساسية البعض، لا يمكن الفصل بين حقوق الإنسان والسياسة، ولا يمكن الحديث عن نشأة وتطور مفاهيم حقوق الإنسان كذلك بمعزل عن السياسة. ورُغم إيمانى بتأثير كليهما فى الآخر؛ فإننى أيضًا أومن أن الشعرة الرقيقة الفاصلة بينهما إذا تقطعت أفسد كلاهما الآخر أيضًا وهو ما يجعلنا نلقى نظرة على حكاية حقوق الإنسان فى مصر، وكيف انحرفت عن مسارها.



الثابت فى التاريخ المصرى أن الحركة الحقوقية قد خرجت من رحم السياسة؛ حيث دعا إليها وأنشأها قيادات اليسار والتيار القومى فى منتصف الثمانينيات، وهنا يجب التوقف قليلًا والتأمل لنسأل السؤال المهم. كيف لتيارات سياسية تعتنق الأفكار الماركسية تصبح بين عشية وضحاها تيارات تؤمن بالعمل الحقوقى الذى يعتبر الفرد حجر الزاوية فى بناء المجتمع، لاسيما وأن كارل ماركس نفسه كانت وجهة نظرة ورؤيته مغايرة إجمالًا لمفهوم حقوق الإنسان؟! فهى من منظومة لا تتحقق من خلال المساواة أمام القانون وإنما من خلال تحرير الإنسان من المجتمعات البرجوازية، وما تتمتع به الملكية الخاصة من حصانة قانونية؟! قال ماركس فى مقال نشره سنة 1843: «لا يتعدى أى حق من الحقوق المفترضة للإنسان حدود الإنسان الأنانى، فتلك الحرية المزعومة تنظر إلى الإنسان وكأنما هو مخلوق منعزل، وليس جزءًا من طبقة أو مجتمع، وحق الملكية لا يضمن سوى الحق فى السعى وراء المصلحة الذاتية دون اعتبار للآخرين، وحقوق الإنسان تكفل حرية الاعتقاد واختيار الدين، فى حين أن ما يحتاجه الإنسان هو التحرر من الدين، وهى تؤكد على الحق فى اقتناء الممتلكات فى حين أن ما يحتاجه الإنسان هو التحرر من الممتلكات".  ومعنى ذلك، أن حقوق الإنسان تكرّس حق الملكية الخاصة، وهذا ما كرّس  ماركس حياته  ليحاربه، إذن يجب علينا أن نقتنع أن عتاة الماركيسية الذين دعوا لتأسيس حركة حقوقية تؤمن بالفرد وحرياته وحقوقه يخالفون جوهر عقيدتهم. أما الجيل المؤسّس للحركة الحقوقية فى مصر من أصحاب النزعات القومية فلا يمكن فهم دوافعهم فى تحولهم المفاجئ للإيمان بالحقوق الفردية. إذ على حسب علمى المتواضع يغلب الفكر القومى الأممية على حساب الحريات الفردية، وتستمر تلك السلسلة لنجد أنفسنا أمام نشطاء حقوقيين ينتمون إلى التروتسيكية والأناركية ليعود السؤال مجددًا: كيف لمنظمة حقوقية لا يعترف أصحابها من الأساس بفكرة السُّلطة ويرونها أكذوبة كبرى أن يتقدموا بنداءات أو بلاغات لتلك السُّلطة لتحسين أوضاع حقوق الإنسان؟.. وما مدى خطورة أن يتم اتخاذ العمل الحقوقى كغطاء لأعمال وأنشطة سياسية تستهدف طبقًا لعقيدتهم إسقاط النظام من أجل تنصيب البروليتاريا فى الحُكم؟.  قد يقول قائل وما الضرر الذى أصاب الحركة الحقوقية المصرية بتأسيسها على يد تيارات يسارية وقومية، وما العيب فى أن يكون الناشط الحقوقى ينتمى إلى مرجعية سياسية تروتيسكية أو أناركية؟. الإجابة ببساطة أن هؤلاء الحقوقيين وقعوا فى فخ أمراض السياسة بكل اشكالها من انحياز لفصيلهم السياسى، وحلت الشللية محل التشبيك القائم على توحيد الجهود والأهداف المجردة من أجل تحسين حالة حقوق الإنسان، وسادت لغة التعصب فى معظم تقاريرهم الحقوقية وشاع استخدام مصطلحات سياسية لا تعرفها الأدبيات الحقوقية.  وكانت ولاتزال الصراعات والخلافات الشخصية سائدة بين العاملين فى الحركة الحقوقية على حساب المهنية والاحتراف، وكما كانت الحركة اليسارية ولإيمانها المطلق بفكرة الأممية سارت الحركة الحقوقية لنشطاء التيار اليسارى فى الاتجاه ذاته لبناء تحالفات دولية مع منظمات دولية من فلول اليسار فى أوروبا.  وبالطبع، لا يمكن إغفال آفة تركيز منظمات اليسار على الحقوق المدنية والسياسية على حساب الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، والسبب معلوم بطبيعة الحال؛ حيث الحقوق المدنية والسياسية هى من وجهة نظرهم تمثل الطريق المستقيم لإسقاط الأنظمة السياسية، وهى الخطوة الأولى لإقامة حلمهم المنشود فى تأسيس دولة البروليتاريا!. ورُغم ظهور جيل جديد من الحقوقيين فى مصر لا ينتمى سياسيّا لتلك المجموعات؛ فإن هذه المنظمات لم تعطَ الفرصة لتقوم بدور مهنى يلتزم بالمرجعية الحقوقية المجردة؛ لأنها كانت دائمًا فى مرمى نيران تلك المنظمات اليسارية التى كانت تتهمها دائمًا بأنها موالية للسُّلطة وأنها عميلة للنظام!، وهى التهمة الجاهزة دائمًا للمختلفين مع تيار اليسار المتطرف الذى اعتاد العمل فى تنظيمات سرية. لذلك عصفت كثير من هذه المنظمات الحكومية بأهمية ودور الآليات الوطنية فى حماية وتحسين حالة حقوق الإنسان فى مصر، ويمكن فى هذا الصدد رصد مظاهر إصرار تلك المنظمات اليسارية على التحالف الدائم مع جماعة الإخوان وهى الجماعة الإرهابية التى تتخذ موقفًا محافظًا من فكرة حقوق الإنسان، لكن هذه المنظمات اعتبرت أن الإخوان هم شركاؤهم فى الفوضى التى تسبق هدم السُّلطة القائمة، بما يعنى أن اتفقوا ضمنيّا على العمل المشترك لإسقاط النظام، فجماعة الإخوان تسعى لإسقاط النظام لإقامة دولة الإخوان واليسار يسعى لإقامة دولة البروليتاريا، وهو تحالف كان يتسم دائمًا بعدم الشرف؛ لأن الوسيلة كانت دائمًا غير شريفة وأيضا كانت الغاية بعيدًا عن شرف العمل الحقوقى.

 

لا يوجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق