الأحد 23 فبراير 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
وليد طوغان
 ربيع العراق الذى تحوَّل لـ«كابوس»

ربيع العراق الذى تحوَّل لـ«كابوس»

لم تكن ريح البشارة الديمقراطية للعالم العربى التى حملت اسم "الربيع العربى" مع انطلاق انتفاضاته وثوراته وهوجاته- التى لم تكن واحدة وأعاق بعضها بعضًا أكثر مما ساعده- وليدة هذا التاريخ عام 2011. ربما بدأت إرهاصاته وهواجسه وترددت أيضًا مقولة "ربيع عربى محتمل" أكثر ديمقراطية ومواطنة، وأقل سُلطوية وشمولية مع سقوط نظام صدام حسين، النظام الأكثر صلابة وتخشبًا وعنفًا وممانعة، وربما الأكثر تسليحًا حينها بين أنظمة العالم العربى.



 سقوط صدام صدر الرعب لآخرين من الأنظمة الحاكمة فأجرت بعض الإصلاحات الجزئية، دستورية وانتخابية بإشراف قضائى كامل، كما شهدت مصر سنة 2005 وتحولت المملكة المغربية لملكية دستورية بعد هذا التاريخ، وتم إشراك المعارضة فى إدارة ومتابعة عجلة الحُكم فى بعض الدول حينها. كان العراق مبشرًا وواعدًا بعد سقوط النظام البعثى، وانقضاء حُكم صدام حسين ووعوده الأيديولوجية، ولم تجد كثير من النخب العربية، وبخاصة النيوليبراليين وبعض الحقوقيين- حينها- حرجًا فى الحديث عن الاستقلال الثانى بالمواطنة من الاستبداد بعد الاستقلال الأول بالوطن من المحتل فى خمسينيات القرن الماضى.  كانت مداولات كثيرين على باب الحرية الموصد، تطرقه بقوة وبضغط دولى وحرج إقليمى انهار سدّه المتحد بعد سقوط أحد أركانه، ولكن ما مرّت الشهور تلو الشهور، والسنوات تلو السنوات، إلّا وسقط الوعد العراقى الجديد، وصار اليقين بخيبة وعوده وفشل نموذجه يتأكد مع مرور الوقت، وليست الاحتجاجات التى تشهدها المدن العراقية الآن إلّا دليلًا ثانيًا عليها، بعد التطاحن والتمييز الطائفى الذى أنتج سنة 2004 أقوى فروع القاعدة- فى بلاد الرافدين، التى أنشأت ما سمى دولة العراق الإسلامية، وكانت عاصمتها الأنبار، بين عامَى 2006 و2007، ثم أنتجت داعش بعد عام 2011 لتتمدد فى سوريا وتحطم حدود سايكس بيكو وتتحول لأكبر تهديد إرهابى عالمى حسب تصريح مجلس الأمن فى سبتمبر سنة 2014. عراق ما بعد صدام فى البداية توقع البعض أن يغير العراق الجديد المنطقة إيجابيّا، وظهرت عناوين جديدة للنظام أو العلاقات الإقليمية، فتحدثت إدارة بوش الابن فى مارس سنة 2004 وقدمت مشروعها عن "الشرق الأوسط الكبير" لمجموعة الثمانى الكبار، الذى يضم كل البلدان العربية إضافة إلى تركيا، إسرائيل، إيران، أفغانستان وباكستان ويضمن ويدعم  إصلاحًا سياسيّا واقتصاديّا بها. كما ظهرت عام 2005 دعوة ووعد كونداليزا رايس وزيرة الخارجية فى هذه الإدارة لفوضى خلاقة ترعى التنوع والتعددية والإصلاح السياسى والاقتصادى، وزادت رسوخًا وإيمانًا بها دعوات ومقولات جورج بوش الأب فى عهد ابنه عن "النظام العالمى الجديد" المدافع والدافع للديمقراطية والتغيير الديمقراطى، بعد انتهاء الحرب الباردة، وغيرها مما يمهد لعالم وشرق أوسط أكثر ديمقراطية، يبدأ من العراق؛ حيث تتم هندسة جديدة لدولة عربية قادرة على أن تكون نموذجًا مُلهمًا بتغييرات إصلاحية وجذرية فى بنية النظام والأنظمة العربية وعقليتها، مع انطلاق الحرب الدولية على العراق سنة 2003 بقيادة الولايات المتحدة وبريطانيا وعدد من الحلفاء والتى عرفت بـ "حرب تحرير العراق" وإسقاط نظام صدام حسين. جاءت التجربة العراقية بعد عام 2003 بعد عقود من الاستبداد السياسى وركزت على موضوع الحريات تحديدًا دون موضوع المؤسسات وفلسفة الإدارة والحذر من مخاوف السقوط المدوى، وصدر- حماية للحريات فقط-  قانون ادارة الدولة للمرحلة الانتقالية لسنة 2004 ودستور 2005، ولكن منطق المحاصصة الذى يبقى التقسيم والتحفز الطائفى، فضلًا عن إدارة الانتصار بالمظلومية التاريخية عند بعض الجماعات الموالية لـ إيران، التى سيطرت على المشهد العراقى من عام 2003 حتى الآن، استنفرت جهاديات مضادة لها أرهقت التجربة والمسار. يمكننا القول، أنها تكاد تتحول لبديهية أنه بعد سقوط بنية الطغيان يتخلق فراغ وتصعد ثارات وطموحات، تتقد من احتراب الماضى مع الحاضر، وصراع القوى الماثلة وثاراتها التاريخية القريبة والبعيدة، ويتحول الأمل بعد السقوط أو مع قربه لمشهد من الاحتراب الأهلى العنيف، كما نشاهد الآن فى ليبيا وشاهدناه فى العراق، وشهدته سوريا. هناك أسباب أخرى عديدة منها: توظيف الطائفية وتقنينها حيث كان الاحتقان الطائفى ضد الشيعة- ذات الأغلبية فى العراق- وتصفية ومقتل عدد من أبرز رموزهم ومراجعهم، ومنع احتفالاتهم من أبرز سمات السياسة الاستبدادية للنظام البعثى، وأجبرت نخبها الكثيرة على المهجر لطهران أو الغرب. ورُغم الإطار القانونى والدستورى الديمقراطى؛ فإن الممارسة السياسية شابتها الكثير من الأمراض والأخطاء، فالممارسة السياسية مرهونة بالقوى السياسية وبطبيعتها ومصدر وجودها وبالقيم الاجتماعية والسياسية والثقافية التى تحكم تصرفاتها، وتتأزم الديمقراطية كإجراءات دائمًا فى غياب الثقافة الديمقراطية الضامنة لها وعدم اللعب بها.    ثم قام دستور 2005 على المحاصصة فى السُّلطة، كما أتاحت لكثير من أصوليى المهجر بعد العودة الانتصارية تلك أن ينجرفوا وراء ثاراتهم، وليست سياسات التمييز الطائفى التى مارسها نورى المالكى وبعض قيادات حزب الدعوة والحشد الشعبى إلّا علامة وحيدة على ذلك، كما انجرف بعض هؤلاء وشهواتهم بعد أن امتلكوا كل شىء، فانتشر الفساد ووقائعه وجرائمه، وهكذا يهتف العراقيون فى انتفاضاتهم المجددة كل عام، والمستمرة منذ شهور رُغم القمع الشديد التى تتعرض له. وكانت طبيعة المجتمع العراقى والهوية العراقية عوامل أدت إلى دخول العراق مزيد من المعارك والصراعات يضم العراق ما بين 60 إلى 70 طائفة وعِرقًا، ولكن البعض اندهش هؤلاء- بمعلوماتهم النادرة- عند سماع قصة ومأساة الأيزيديين لأول مرّة، بعد سيطرة داعش على ملاذهم التاريخى فى جبل سنجار. ليس موضع اهتمامنا هنا بحالة التنوع هذه ولا رصدها، ولكن ما يعنينا علاقة هذا التنوع بالهوية العراقية الحديثة نسبيا، منذ نشأت دولة العراق الحديثة فى العقود الأولى من القرن العشرين، حيث لم يستقر اسم العراق كهوية موحدة على دولة ووطن إلّا بعد تنصيب الملك فيصل ملكًا عليه فى مارس سنة 1921. فالعراق كان يطلق فى المراجع العربية الجغرافية القديمة على منطقة جنوب العراق تحديدًا، وتسمى بلاده الحالية بلاد ما وراء النهرين، والاسم محدث، لم يعرف فى مراجع التاريخ القديم، وإن قيل أصله فارسيّا بمعنى الأراضى المنخفضة. لكن لا ينفى ذلك تأكيدنا على قوة العراق كهوية ثقافية، ولكن الضعف فيها كامن وظاهر كهوية ورابطة سياسية جامعة، لهويات فرعية عديدة داخله، ولعله تمكن قراءة مسائل راهنة كالمسألة الكردية وحلم مهاباد القديم، وكردستان الحلم، والحُكم الذاتى لأربيل، وكذلك مسائل التدخلات الإيرانية فى العراق، أو الصراعات الطائفية أو مسألة الأيزيديين وغيرهم وسياسات التهجير التى تمت بعد عام 2003 وقبله من هذا المدخل التفسيرى لضعف الهوية السياسية العراقية نفسه. وهذا الضعف للرابطة السياسية فى العراق وظفها صدام حسين بعد انقلابه  على أحمد حسن البكر وتسلمه الحُكم رسميّا فى عام 1979؛ حيث رأى بعد فترة استيعاب للمعارضين وإفراجه عن آلاف المعتقلين، أنه لا بُدّ من القمع فى مجتمع يتميز بالانقسام والاختلاف والتنوع الشديد الطائفى والاثنى، وبدأ بمرافقيه فى حزب البعث ممن انحازوا للنظام البعثى فى سوريا وحافظ الأسد ضده، حين أعلن أسماءهم وقام بإعدامهم خارج قاعة الحزب فى الوقت نفسه، وكانت تلك الواقعة الغرائبية الفظيعة فى 22يوليو سنة 1979. ثم جاء عامل التدخلات الإيرانية التى ملأت الفراغ إلى التسبب فى مزيد من الأزمات فى العراق كانت إيران الملجأ والملاذ الآمن لعدد من القيادات الشيعية والمرجعية التى فرّت من أمام بطش صدام حسين، ورُغم خوض الأخير الحرب مع نظام الثورة الإسلامية سنة 1980؛ فإن المفارقة أن هذه الحرب لم تنتج مشاعر مضادة للوجود الإيرانى فى العراق بعد سقوط النظام الذى حاربها، بل نجحت إيران فى ملء الفراغ السياسى والدعم الكامل لأوليائها وحلفائها فى العراق، كما نجحت فى تشكيل السياسة العراقية بعد صدام مع ضعف وتخبط الدور الأمريكى منذ البداية، ثم غرقه فى مستنقع مواجهة الإرهاب الذى بدأ نشاطه مبكرًا فى العراق الذى فرت إليه فلول القاعدة بعد سقوط أفغانستان، ونجح فى توحيد صفوفه بقيادة الزرقاوى عام 2004 وواصل صعوده الذى أرهق الاستقرار السياسى والآمن، كما زاد من عمق الانقسام الطائفى فى المجتمع العراقى، بحُكم التخوين المتبادل. ربيع الفشل إنها الذهنية العربية والعقل العربى الواحد التى تجمع بين فشل النموذج العراقى المبشر به ربيعًا بعد عام 2003 وبين الربيع العربى الذى كان الكلمة الأكثر رواجًا فى اللغات العالمية بعد عام 2011. فقد تحوَّل الأول لأكثر طائفية وإرهابًا وليس أكثر ديمقراطية كما تحوَّل الثانى من حلم التونسى بوعزيزى المواطن البسيط بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية إلى كابوس أو ربيع أصولى ثم داعشى عنيف لم يُرعب فقط العرب ولكن أرهب وأرعب العالم كله. تشابهٌ كبيرٌ يمكن أن نجده بين المسارين، من رغبة بعض الجماعات وإصرارها على سرقة الثورات، وعدم استعداد نبلائها ومثاليتها لواقع وخرائط ما بعدها، واكتفائها بالحلم، فضلًا عن التدخلات التى هزمت كثيرًا من الثورات من خارجها مثل الثورة السورية والليبية بعد السقوط. ويمكننا أن نضيف لما سبق ما سمّاه أستاذنا وصديقنا الراحل المفكر د. محمد السيد سعيد "فجوة الالتزام"، فكل الثورات العربية بدأت بوعود كبيرة منذ عرفنا الثورات وعرفنا الانتقالات والأيديولوجيات العربية المعاصرة، قومجية وإسلامية وتحريرية وتحرُّرية، ولكن دائمًا ما كانت فجوة الالتزام بين المعلن والمبشر به وبين الواقع وأطماعه وواقعه ووقائعه كبيرة تصدمنا بالحقيقة فى النهاية.. ويبقى الحديث شجونًا لا ينتهى.