الأربعاء 1 أبريل 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
وليد طوغان

لماذا نعشق الضَّحك؟!

بين المصريين والضَّحك حالةٌ خاصة جدّا، فالأخير يُمثل ركنًا أساسيّا فى كل جوانب حياتهم، حتى باتت كلمة "ابن نكتة" مرتبطة بالمصريين كصفة تدل على خفة دمهم.



لا تقتصر على فئة أو طبقة دون غيرها، بل إن هذه الصفة أصبحت مَلمحًا رئيسيّا فى حياة المصريين.. وخذ مَثلا من السينما المصرية التى عبّرت - ولا تزال - عن خفة دم المصريين وعشقهم للضَّحك والكوميديا، فالباشا سليمان نجيب فى فيلم "غزل البنات" دمه خفيف وظريف جدّا بتعليقاته السّاخرة ونفخته الكدّابة فى مقابل المُدرس الفقرى والفقير نجيب الريحانى أستاذ حمَام، وهو ما جعل شلالات الكوميديا تنفجر بينهما رُغم اختلاف الظروف والمعايش!.

 

الشاهد أن المصريين يستعينون بالضَّحك والكوميديا فى حياتهم اليومية، وربما يتخذونها شعارًا ومبدءًا فى حياتهم، فتجدهم- لذلك- يقتربون ويحبون المُضحكين والمُبتسمين، وبالمقابل يبتعدون ويلفظون العابثين ويصفونهم بـ "الكِشريين"

وإذا كان  الضَّحك - كما هو معروف فى الدراسات النفسية - يُطيل العُمر ويجعل حياتك سعيدة، بل يجعلك قادرًا على مواجهة الأزمات والصّعاب، والعكس صحيح، فالحُزن والكآبة تقصف العُمر وتجعل الحياة لونها أسود من سواد ليل شتائى حالك، فإنى أزعم أن المصريين بالفطرة والتاريخ الطويل الذى عاشوه قد طبقوا هذه الفكرة تمامًا، لذلك تجد الضَّحك هو سيد أى صحبة أو جلسة على المَقهى، وفى جلسات الأصدقاء، ولا تخلو الجلسات الخاصة أو قعدات المزاج من الضَّحك ، ودائمًا يحظى الشخصُ أبو دم خفيف أو المَرح بمكانة خاصة فى تلك القعدات التى تبدو وكأنها استراحة بعد يوم عمل مُرهق، فى حين يَفرُّ منها الشخصُ الكئيب، حتى فى العمل لا يختفى الضَّحك أيضًا، ونجد عَشرات المواقف التى يُعبر عنها المصريون بالضَّحك والسُّخرية.

وقد صار الضَّحكُ والسُّخرية صديقَين  للمصريين فى أوقاتهم العادية والحلوة، وكذلك فى الأزمات والمحن، ولنتذكر كم السُّخرية التى خرجت بعد عام 67 وطالت الجميع، وكأن المصريين فى وقت الأزمة  حاولوا أن يعالجوا أزماتهم بالضَّحك والسُّخرية من أنفسهم، وعلى حالهم أيضًا.

إننا نحتاج إلى دراسات متخصصة ترصد العلاقة القوية بين المصريين والضَّحك، وتحليل أسبابها؛ خصوصًا فى وقت الأزمة، كما نحتاج إلى معرفة سِرّ غرام المصريين بالنكتة سلاحهم السّرى سياسيّا واجتماعيّا وسِر غرامهم- أيضًا- بالسُّخرية الجنسية التى تمثل واحدةً من الاهتمامات الرئيسية فى أجندة الضَّحك المصرية.

لا يوجد شعب دمه خفيف وآخر دمه تقيل أو يُلطش، ولا ارتباط بين السُّخرية والضَّحك والمُستوى المادى، ربما تكون الجينات التى ورثها المصريون من أجدادهم هى سِرّ ارتباطهم بالضَّحك، وربما كان سِرّ غرامهم به مرتبطا بمئات الجنسيات التى تعاملوا معها طوال تاريخهم وقدرتهم على استيعاب روحهم وأفكارهم وانصهارهم معهم.. مع الاحتفاظ بالشخصية المصرية التى تعتمد على الانفتاح على الآخرين حتى وُصِفَ ابنُ البلد بأنه "مدقدَق وحِرك ودمه خفيف". 

وربما يكون السبب فى هذه الحالة هو أن المصريين عباقرة فى التعالى على مشكلاتهم وأزماتهم التى لا تنتهى بالسُّخرية منها، لعلهم يهزمونها.. والغريب أن هذا الموقف - أقصد السُّخرية والضَّحك - يكون حاضرًا فى الموت أيضًا ليمزج  المصرى بين الحياة والموت وكأنه يعتقد أنه قادر على مواجهة أى شىء حتى ولو كان الموت بسلاحه الرئيسى، وهو الضَّحك، معتمدًا فى ذلك على السُّخرية والنكتة التى لا تتوقف أبدًا فى مصر.

وكل تاريخ السينما المصرية وفى القلب منها الأفلام الكوميدية، عَبَّرَتْ عن هذه الملامح، ورصدت رحلة المصريين مع الضَّحك والسُّخرية، وعبَّر عنهم خير تعبير عشرات من نجوم الكوميديانات والمؤلفين، من أول شالوم المصرى والريحانى والكسّار وإسماعيل يس، مرورًا بعادل إمام وسعيد صالح وسمير غانم، وانتهاءً بهنيدى وأحمد حلمى وأحمد فهمى.. ولا تنسى أبو السعود الأبيارى وبديع خيرى وفطين عبدالوهاب.  

وما يلفت الانتباه، أن المصريين يعشقون هؤلاء النجوم ويُقدّرونهم؛ لأنهم- فى رأيهم - يُعبّرون عن حياتهم ومشكلاتهم  بالطريقة نفسها التى يواجهون بها هم المشكلات نفسها، وهى  السُّخرية والضَّحك من أى شىء، وكل شىء.

فى الختام أقولك آخر نكتة سمعتها قبل كتابة هذا المقال، لعلك تُصدّق كلامى، أن الضَّحك والسُّخرية والنكتة لن تنتهى أو تتوقف مع هذا الشعب العظيم كوميديًّا:  

• بيقولك تلاتة قاعدين على قهوة واحد بيقول للتاني: تصدق إن شُرب سيجارة واحدة بتقلل من عمر الإنسان 11دقيقة!!

فالتانى رد عليه وقاله: وتصدّق إن الضَّحك بيزود فى عمر الإنسان 15 دقيقة!!..

فقام الشخص التالت قالهم:  حلو أوى.. طيب ما ندخن ونضحك، ونحصل على 4 دقايق مجانًا!!.  

 

لا يوجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق