الأحد 28 فبراير 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
تحيا المواطنة
الكنيسة الشعبية.. حاملة روح مصر

نشأت تحت نير الاحتلال الرومانى

الكنيسة الشعبية.. حاملة روح مصر

الكنيسة القبطية هى مؤسَّسَة مصر الشعبية التى نشأت تحت نير الاحتلال الرومانى، وضمت فى عضويتها المصريين البسطاء الذين آمنوا ببشارة المسيحية على يد القديس مرقس الرسول، واستمدت تراثها وثقافتها وثقلها من الشعب الذى أقبل عليها بحثا عن الخلاص من المحتل، فكانت مؤسَّسَة مستقلة منذ ولادتها، وآمن بها مصريون تأثروا بتراثهم القديم.



عندما جاء القديس مرقس الرسول إلى الإسكندرية فى القرن الأول الميلادى كان هناك عدة مجتمعات وقتئذ، اليهود والإغريق والرومان والمصريون

 

كان اليهود  قد سمعوا عن دعوة السيد المسيح، أمّا الإغريق فقد استولوا على مصر سنة 330 قبل الميلاد، وبنى قائدهم الإسكندر الأكبر الإسكندرية، وكان لهم آلهتهم وعباداتهم ومعابدهم، فى حين كان للرومان الحُكم والسيادة وفلسفتهم التى تقوم على عبادة الإمبراطور. 

الكاتدرائية المرقسية
الكاتدرائية المرقسية

 

 

وظل المصريون سكان البلد الأصليون بمَعزل عن الغرباء متمسكين بالفكر الدينى القديم، ويعيشون على ذكرى ملوكهم ومعبوداتهم القديمة، وحاول الغزاة على مَرّ العصور الاندماج معهم، ولم يصادف ذلك قبولًا من المصريين الذين بقوا على هويتهم وتراثهم وذاتيتهم الثقافية.

وفى مدينة الإسكندرية كانت تكثر العقائد والديانات، والمبانى الضخمة، والأسواق والملاهى المزدحمة، والمتاحف والمدارس، المدينة الكبيرة خاض فيها القديس مرقس الرسول مترجلًا من مكان لآخر، وكان أول من آمن بدعوته إسكافى يُدعَى إنيانوس، تحوّل بيته إلى أول كنيسة، وصار البطريرك الثانى على الكنيسة القبطية بعد استشهاد القديس مرقس على يد الوثنيين بشوارع الإسكندرية. 

 

دير الأنبا بيشوى بوادى النطرون
دير الأنبا بيشوى بوادى النطرون

 

مدرسة الإسكندرية 

أنشأ القديس مرقس الرسول "مدرسة الإسكندرية" لتدريس العلوم اللاهوتية والرد على الفلسفات والآراء الوثنية، واعتمدت فى البداية على أسلوب "السؤال والجواب"، وعُيّن العلّامة يسطس ناظرًا لها. 

وقد كانت مدرسة الإسكندرية "المسيحية" تقف فى مواجهة مدرسة الإسكندرية الأخرى التى أنشأها الإغريق، وتضم الفلاسفة وأصحاب الفكر الوثنى، وإن تفوقت عليها- كما يقول المؤرخون- فى تنظيمها؛ حيث كانت ذات طبيعة عامة تفتح أبوابها أمام الناس كافة، بصرف النظر عن أى اختلافات فى الدين أو النوع أو المستوى الاجتماعى، فى حين أن مدرسة الإسكندرية الأخرى كانت ذات طابع نخبوى، تستضيف من تستهويهم الثقافات والفنون والفلسفات التى كانت سائدة وقتئذ. 

وتوسّعت مدرسة الإسكندرية المسيحية فى دراسة الطب والجغرافيا والفلسفة وغيرها، جنبًا إلى جنب مع الدراسات اللاهوتية، وصارت مَقصدًا للعلماء ورجال الكنيسة فى العالم بأسره. 

 

القديس مار مرقس
القديس مار مرقس

 

شهداء ورهبان

 واجهت الكنيسة القبطية حملة اضطهاد ممنهَجة على يد الرومان فى القرون الأولى، ثم تحوّل إلى اضطهاد مذهبى بعد ذلك على يد الدولة البيزنطية ولم تتخلص منه الكنيسة إلا بعد دخول الإسلام مصر.

أمّا اضطهاد العصور الأولى؛ فهو اضطهاد الرومان للمسيحيين المصريين، وتعددت أسبابه، فقد وقفت المسيحية فى وجه الوثنية بتقديمها مفهوم "الإله الحقيقى" فى مواجهة تعدّد الآلهة وعبادة الإمبراطور، وحملت المسيحيين على ممارسة حياة "روحية" لا تعرف الاحتفالات الوثنية، وأهم ما يحمله الاستشهاد، ولا يقف أمامه كثير من المؤرخين، إن مصر والكنيسة كانتا فى حالة امتزاج فى القرون الأولى، فمن كان يستشهد من أجل الإيمان كان أيضًا يواجه المحتل أو المستعمر الذى يفرض عليه العبادة الوثنية. 

ويروى الدكتور وليم سليمان قلادة فى رائعته "مدرسة حب الوطن"، أن حاكمًا سَبّ أرضَ مصر أثناء تعذيب أحد الشهداء، فقال له وهو يكابد الآلام المبرحة "لا تَسُب أرض مصر".

وكان تاريخ القرون الأولى فى المسيحية يستند على قدمين، أحدهما الاستشهاد، والثانى الرهبنة. وإذا كان الاستشهاد قد عَمّ كل أرجاء الإمبراطورية الرومانية؛ فإن الرهبنة القبطية هى إبداع مصرى خالص لم يره أو يعرفه مكان آخر قبلها، ومنها انتقلت إلى العالم بأسره، وخرج من مدن مصر وقراها آباء الرهبنة العظام، مثل القديسين الأنبا أنطونيوس، والأنبا بولا، والأنبا مكاريوس، والأنبا باخوميوس، وصار مفهوم الرهبنة وثيق الصلة بالمسيحية المصرية، ولاتزال تحوى أديرة مصر من شمال البلاد إلى جنوبها كنوزًا ثقافية مهمة، سواء فى شكل إبداعات فنية أو مخطوطات أو كتب نفيسة. 

مقر البابوات 

الكنيسة القبطية لا تتبع كنيسة أخرى خارج حدود مصر، ورُغْمَ أنها منذ ستينيات القرن العشرين امتدت إلى كل قارات العالم؛ فإن رئاستها الدينية لاتزال فى مصر، ومن هنا يكتسب المَقر البابوى أهميته، كونه رمزًا دينيّا مصريّا خالصًا. 

ومنذ عدة شهور أصدر مركز الدراسات القبطية بمكتبة الإسكندرية كتابًا تذكاريّا بعنوان: "المَقر البابوى للكنيسة القبطية الأرثوذكسية عبر التاريخ"، بمناسبة اليوبيل الذهبى لافتتاحه بدير الخندق (1968-2018)، وتاريخ عام 1968 هو السَّنة التى جرى فيها افتتاح الكاتدرائية المرقسية بالعباسية.. والكتاب حرَّره الدكتور لؤى محمود سعيد، وقدّم له كل من البابا تواضروس الثانى والدكتور مصطفى الفقى، وشارك فيه 8 باحثين قدّموا 9 أبحاث تتبّعت انتقال المَقر البابوى من الإسكندرية إلى القاهرة، بما فى ذلك من تراث تاريخى وفنى ومعمارى وحضارى.

وقدّم القمص يوسف الحومى، بحثًا تاريخيّا بعنوان: "كنائس المَقر البابوى داخل مدينة الإسكندرية (من القرن الأول حتى القرن الحادى عشر)"، تناول فيه تنقلات المَقر البطريركى فى عشرة أماكن مختلفة داخل مدينة الإسكندرية، يليه بحث تاريخى للباحثة لورين غبور، عن "تنقلات المَقر البطريركى للكنيسة القبطية الأرثوذكسية خارج الإسكندرية"، وهى 7 أماكن رئيسة، وتناولت الباحثة ظروف الانتقال.

وقدّمت الباحثة بالمركز ملسيا منصور، بحثًا تاريخيّا بعنوان: "أماكن تكريس البطاركة فى القاهرة وفقًا لمخطوط تاريخ البطاركة المنسوب لساويرس بن المقفع"، وهى 4 أماكن رئيسة حسبما توصّلت الباحثة، كما قدّم الأستاذ ضياء جابر، بحثًا لغويّا بعنوان: "ألقاب البطريرك القبطى عبر العصور"، متناولًا نشأة الألقاب وتطورها، كما شاركت الباحثة زينب على، بورقة بحثية تحمل عنوان: "أشكال وأنواع كرسى البطريرك القبطى فى العمارة والفن"، وشارك الدكتور عزت حبيب صليب، مدير عام ترميم الآثار القبطية بوزارة الآثار بموضوع بحثى عن: "القديس مار مرقس الرسول فى الفن المسيحي".

ويقع الكتاب فى نحو 300 صفحة من القطع المتوسط بطبعة ملونة تحمل من الصور والخرائط والوثائق أميزها وأندرها، وتَعرض الكنائس القبطية التى تنشأ فى بقاع كثيرة من العالم ذات الأيقونات (الصور الدينية) تُعَبر عن الفن القبطى بمختلف أبعاده ودلالاته الفنية والدينية والفلسفية.. وهكذا؛ فإن الروح المصرية تظل تسرى فى وجدان الكنيسة القبطية، كونها مؤسَّسَة شعبية مصرية صميمة.

لا يوجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق