الثلاثاء 3 أغسطس 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
تحيا المواطنة
التقويم الزراعى المصرى رمز المواطنة

يبدأ بظهور نجم سوبدت قبل الأديان:

التقويم الزراعى المصرى رمز المواطنة

حين دخل القديس مرقس إلى مصر فى منتصف القرن الأول الميلادى كان هذا تأكيدًا لمكانة مصر العظيمة، التى استقبلت المسيح طفلًا لجأ وأمّه إليها طلبًا للأمان، ومن قبلهما جاء إبراهيم ويوسف، ووُلد على أرضها موسى- عليهم جميعًا السلام-، ومن بعدهم.



أوصى النبى محمد- عليه أفضل الصلاة والسلام- بأهلها جميعا خيرًا؛ حيث قال: "إِذَا افْتَتَحْتُمْ مِصْرًا فَاسْتَوْصُوا بِالْقِبْطِ خَيْرًا فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً وَرَحِمًا"، والقبط هنا هم كل أهل مصر، فكلمة قبط من كلمة أجبة التى تعنى أرض الضفتين.

يحسب للكنيسة المصرية أنها اتبعت مبدأ القومية المصرية، ولم تسِر خلف روما؛ حيث استخدمت كل ما هو مصرى قديم فى تعاملاتها؛ كونها من صُلب هذا المجتمع، فقد استخدمت اللغة القبطية التى تمثل النطق المصرى للحروف اليونانية، وكأنه صدى صوت اللغة المصرية القديمة، مما ساعد على بقاء اللغة المصرية القديمة بمترادفاتها، كما استخدمت التقويم المصرى الشمسى الزراعى الذى كان يعتمد على تقسيم السَّنة إلى ثلاثة فصول: "برت" وهو ما قد يقابل البذر أو الشتاء، و"اخت" أى الفيضان، و"شمو" أى الحصاد. 

يبدأ هذا التقويم بظهور نجم سوبدت (نجم الشّعرى اليَمانيّة)، ويقسّمه المصرى إلى 12 شهرًا، كل منها 30 يومًا، وقد أسمَى المصرى السَّنة "رنبت"، وكانت ترتبط بدايتها بالفيضان الذى كان يمثل دموع إيزيس التى سكبتها حزنًا على أخيها وزوجها أوزيريس، كما ورد فى نصوص هابو: "إنه عيد إيزيس سوبدت مع بزوغ النجم، وهو أول أيام السَّنة".

ذكر تقسيم الشهور وتحديد ظهور نجم الشعرَى اليمانية باليوم التاسع من الشهر الثالث من فصل شمو، وتسمى السَّنة مضافًا إليها أيام النسىء "رنبت نفرت" أى السنة الجميلة التى كان يضاف إليها أيام النسىء الخمسة، وذلك عوضًا عن السنة التى كان المصرى يكرهها دون الأيام الخمسة، وأطلق عليها اسم "رنبت جابت" أى السَّنة العرجاء.

وكانت الشهور والفصول كما يلى:

فصل الفيضان

- الشهر الأول "توت"، وهو تحريف لاسم المعبود المصرى جحوتى، وفى الأمثال العامية يقال (توت رى ولا فوت) لأنه يتم خلاله رى الأرض الزراعية.

- الشهر الثانى "بابه"، وهو مشتق من الكلمة المصرية با إيبت، وهو العيد الأشهَر لآمون الذى ينتقل فيه من الكرنك إلى الأقصر، وفيه نقول (زرع بابه غلب النهابة) ويعنى أن الزراعة فى هذا الشهر تعنى ثراء المحصول. - الشهر الثالث "هاتور"، من اسم المعبودة المصرية حتحور، ربة الجمال، وفيه نقول (هاتور أبو الذهب المنثور) لتميز شكل القمح بسنابله.

- الشهر الرابع "كيهك"، من تعبير " كا حر كا" أى رُوح على رُوح، ونقول (كيهك صباحك مساك) لتساوى الليل والنهار فى ساعاته، وفى هذا الشهر يحتفل بميلاد السيد المسيح يوم التاسع والعشرين من "كيهك"، وليس يوم السابع من يناير الذى يقبل تجاوزًا كونه أصبح رمزًا لمحبة المصريين، واعتباره عيدًا قوميّا للمصريين كافة، مثله مثل مولد النبى الكريم محمد- عليه الصلاة والسلام.

فصل البذر

- الشهر الخامس "طوبة"، من الكلمة المصرية "شف بوتة"، ثم طوبة، ويترجمها البعض بجمال الحنطة (طوبة تخلى الشابة كركوبة).

-  الشهر السادس "أمشير"، من "با إن مخر" وهو أحد صفات المعبود "ست"، ونقول فى المثل الشائع (أمشير أبو الزعابيب الكثير) تعبيرًا عن العواصف التى تميز هذه الفترة من السَّنة.

- الشهر السابع "برمهات"، من  "با إن أمنحوتب"، وينسب إلى احتفال للملك أمنحوتب الأول الذى اعتبر فى مصاف الأرباب لدى عمال دير المدينة بغرب الأقصر، ويقال فى العامية (فى برمهات روح الغيط وهات) نسبة إلى اكتمال المحصول.

- الشهر الثامن" برمودة" من اسم المعبودة المصرية "رننوتت" التى كانت ربة الحصاد، وتمثل على هيئة الحية، وهنا دقة المصرى فى التعبير عن اكتمال الزرع، إذ أنه مع اكتماله تخرج حيات صغيرة من الأرض، ولذا كان التعبير عن "رننوتت" مرتبطًا بالبذر، ويقول المثل العامى (برمودة دق العمودة).

فصل الحصاد 

- لشهر التاسع "بشنس"، من اسم المعبود "خنسو ابن أمون" وموت فى ثالوث طيبة، ويقال فى الأمثال العامية (بشنس يكنس الأرض كنس)؛ لأن الحصاد يتم تمامًا، وفى الرابع والعشرين من هذا الشهر تحتفل الكنيسة بدخول السيد المسيح إلى مصر.

- الشهر العاشر "بؤونة"،  من "با انت" وهو اسم عيد الوادى، وفيه ينتقل أمون من الشرق إلى الغرب لزيارة الأسلاف، وفيه يجف الشجر، ونقول فيه (بؤونة الحجر تنشف الميّه على الشجر).

- الشهر الحادى عشر "أبيب"، وربما يُنسَب إلى المعبودة "أبيب"، إحدى المعبودات المحليات فى الكرنك، ويقول المثل العامى (أبيب تسمع للميه دبيب)، نسبة إلى اقتراب الفيضان.

- الشهر الثانى عشر "مسرى"، من التعبير "مسى رع" ويعنى ميلاد الشمس، ونقول فيه (مسرى تسمع للميه عسرة) تعبيرًا عن بدء الفيضان.

وبجانب اللغة القبطية والتقويم الزراعى فقد مثلت الكنيسة المصرية رمزًا للمقاومة والوطنية ضد كل الحكام الرومان، بل وقفت كذلك ضد البيزنطيين مع المسلمين، بحسب كتابات حنا النقيوسى، من أن طغيان هرقل وكيرس كان السبب الأكبر فى وقوف مسيحيى مصر بجانب العرب.

هذه هى الكنيسة التى خرجت من صُلب مصر واختلط دماءُ شهدائها بدماء المسلمين منذ الفتح الإسلامى فى القرن السابع، وحتى يومنا هذا يدًا بيَد، عاشت مصر بأقباطها من المسيحيين والمسلمين رمزين للإخاء والمواطنة.  

 

لا يوجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق