الأحد 19 سبتمبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
تحيا المواطنة

عبقرية الوحدة الوطنية فى السينما المصرية

عادل إمام وعمر الشريف فى فيلم حسن ومرقص
عادل إمام وعمر الشريف فى فيلم حسن ومرقص

من واقع يتشكل نسيجه الاجتماعى من مسلمين وأقباط، ظهرت الأفلام السينمائية التى تروى قصص أبطالها الرئيسيين الأقباط، أسوة بالقصص السينمائية التى تسرد حكايات المسلمين.



وفى أفلام أخرى يتلاحم المسلمون مع أقرانهم المسيحيين للمشاركة فى الأعياد الدينية والمناسبات الخاصة، وهو ما يتجلى بوضوح فى أفلام بعينها، مثل: "ضحك ولعب وجد وحب" للمخرج طارق التلمسانى عام 1993، وأيضًا فيلم "البوسطجى" لحسين كمال عام 1968، و"للحب قصة أخيرة" 1985 ثم "سيداتى آنساتى" لرأفت الميهى 1990، و"التحويلة" للمخرجة أمالى بهنسى.

فى عام 1965 أخرج حسن الإمام "الراهبة"، و"شفيقة القبطية" 1963، و"بديعة مصابنى" 1975، وقبل ذلك قدّم يوسف شاهين القصة التاريخية بين عيسى العوّام ولويزا فى فيلم "الناصر صلاح الدين" عام 1963.

 

أفيش فيلم «البوسطجى»
أفيش فيلم «البوسطجى»

 

 وفى العَقدين الماضيين تتضح حقيقة النسيج الاجتماعى المصرى فى فيلم: "بحب السيما"، و"جنة الشياطين"، و"لا مؤاخذة"، و"حسن ومرقص"، ثم "يوم وليلة" الذى تم إنتاجه عام 2019.

ويتفاوت ظهور الهُويَّة القبطية أو إخفاؤها لاعتبارات اجتماعية عامّة من فيلم لآخر، ففى بعضها لا يؤكد السيناريو على هُويَّة الأبطال، وإن كانت أسماؤهم تشير للهُويّتين معًا، كما فى فيلم "البوسطجى": "جميلة" و"خليل" و"مريم" و"وصيفة"، فى حين كان النص الأدبى الأصلى للأديب يحيى حقى فى رواية "دماء وطين" قد أشار إلى هُويَّة جميلة وأسرتها، بل تستحلف "جميلة" عَمَّها بالنَّبى مَرّتين فى المَشهد 66 من السيناريو المنشور: "ياللا والنّبى يا عمّتى نروح"، وتكرر مرّة أخرى: "والنّبى يا عمّة.. عشان خاطرى". 

كما خلت جدران بيت المعلم سلامة، كما يشير السيناريو المكتوب، من أى إشارة إلى الهُويَّة الدينية للأسرة، وأيضًا لـ«خليل»، ولكن الأسماء على لسان "خليل" تتحمّل التأويل، فهو فى المَشهد 69 يشير إلى أن "نجيب أفندى واصف جوز أختى إللى فى إسكندرية كان مواعدنى بوظيفة"، وواصف اسم قبطى بقدر ما هو اسم مسلم فى صعيد مصر.

وفى أفلام أخرى تتم الإشارة إلى الهُويَّة القبطية بكل وضوح، مثل "شفيقة القبطية"، و"بديعة مصابنى" (وهى أسماء حقيقية تاريخية)، ومثل الخالة دُميانة فى "للحب قصة أخيرة"، و"ماما تريز" صاحبة المنزل فى "سيداتى آنساتى"، وهناك بالطبع إشارة واضحة إلى ديانة كل من "مها" و"فريد" فى فيلم "ضحك ولعب وجد وحب"، من خلال اللوحات المُعَلقة على جدران منزل الفتاة، وكان عيسى العوّام قبطيّا مصريّا فى فيلم "الناصر صلاح الدين"، بالإضافة إلى الأماكن التى تدور فيها أحداث أفلام أخرى، مثل "الراهبة".

فى فيلم "لا مؤاخذة" إنتاج 2014 فإننا أمام صبيا قبطيا يلتحق بفصل فى مدرسة إعدادية كل مَن فيه مسلمون، ورغم التعصب الملحوظ؛ فإن التلاميذ يؤيدونه فى معركته الأخيرة ضد زميله المسلم الذى يستغل عضلاته بافتراء واضح.

 

من فيلم «الناصر صلاح الدين»
من فيلم «الناصر صلاح الدين»

 

كما ظهرت شخصيات قبطية عديدة فى أفلام مصرية تشير إلى الوحدة الوطنية فى مصر، مثل فيلم "بين القصرين"، وأيضًا "الجزاء" لـ«عبدالرحمن الخميسى»، الذى تدور أحداثه إبان ثورة الشعب ضد الإنجليز فى عام 1919، والشخصية نفسها فى فيلم "الزواج على الطريقة الحديثة" للمخرج كمال كريم، وأيضًا شخصية الجنود الأقباط الذين يدفعون حياتهم من أجل أوطانهم فى الحروب ضد إسرائيل فى أفلام "الرصاصة لاتزال فى جيبى" و"أبناء الصمت" و"العمر لحظة" وغيرها. 

وتُظهر الكثير من القصص أن هذه الوحدة الوطنية ضاربة فى عُمق التاريخ، ويجسّدها فيلم "الناصر صلاح الدين" الذى أظهَر أن الحملة القادمة من أوروبا باسم الصليب لم تمنع عيسى العوّام من الدفاع عن وطنه ضد الغزاة، مَهما كانت هُويّتهم الدينية.

وفى مَشهد يشير إلى التاريخ الحديث التأمَ فيه أبناءُ الهلال والصليب فى مواجهة جنود الاحتلال الإنجليزى، سقط فهمى أحمد عبدالجواد وزملاؤه الأقباط شهداءً برصاص جنود الحتلال فى فيلم "بين القصرين"، الذى قاد فيه رجل أزهرى وقس مظاهرة وطنية تنادى بالوحدة الوطنية، وفى التاريخ الأكثر حداثة تُظهر الأفلام السابقة التى تحدثت عن حرب أكتوبر المجيدة اشتراك المسلمين والأقباط معًا فى تحرير الأرض واسترداد الكرامة.

ويدافع ضابط مسلمٌ عن سجين قبطى تم اعتقاله بالخطأ فى فيلم "التحويلة" للمخرجة أمالى بهنسى 1996، ودفع كل منهما ثمَن موقفه عندما أطلق أحد الجنود النيران على الاثنين، وانسالت دماؤهما فى نفس المجرى تعبيرًا عن قوة التلاحم.

 

الوحدة الوطنية فى فيلم «بين القصرين»
الوحدة الوطنية فى فيلم «بين القصرين»

 

وقدمت السينما قصص الحب بين الأقباط شأنهم شأن المسلمين، وبنفس المفردات، ولعل فيلمَى "شفيقة القبطية" و"الراهبة" أبرز مثالين على ذلك، وفى حين تدور أحداث الفيلم الأول فى مصر خلال الربع الأول من القرن العشرين، تدور أحداث الثانى فى لبنان، ولكن بلهجة عاميّة مصريّة. 

وليس هناك علاقة بين قصة فيلم "شفيقة القبطية"، والرواية التى نشرها جليل البندارى قبل عامَين من عرضه، فحسب مقال نشره محمد السيد شوشة فى مجلة "دنيا الفن" عام 1962 فإن "البندارى" استوحَى الفيلم من قصة كتبها "شوشة" عن راقصة اسمها "توحيدة" مزَج "البندارى" أحداثًا عاشتها فى الفيلم، لكن السيناريو الذى كتبه محمد مصطفى سامى، اختلف تمامًا عن الواقع وعن النص الأدبى.

وقد سرَد الفيلمُ قصة قبطية فى المقام الأول، وأغلب أبطالها العشاق وغيرهم من الأقباط، دون أى إشارة إلى أن قصة حب قد اشتعلت بين شخصيتين من ديانتين مختلفتين كما ورد فى النص الأدبى، وهو نفس ما حدث فى فيلم "الراهبة" لنفس المخرج ولنفس كاتب السيناريو، وقد جسّدت فيه هند رستم شخصية راقصة، ومن المرجّح أن تكون القصة مقتبسة من رواية فرنسية كعادة النصوص التى يكتبها محمد مصطفى سامى لـ«حسن الإمام».

وفى الفيلمَين؛ خصوصًا الأخير، صَوَّر حسن الإمام شعائر الرهبنة بالتفصيل، وهناك فيلم ثالث للمخرج نفسه كتبه أيضًا محمد مصطفى سامى، حول نفس قصص الحب يحمل اسم الفنانة الشهيرة "بديعة مصابنى"، وهى امرأة لبنانية جاءت إلى مصر  للعمل فى فرقة نجيب الريحانى، ثم تتزوج منه ويصنع منها نجمة ذات شهرة عريضة، لكنها بعد انفصالهما كزوجَين أسّسَت فرقتها الخاصة التى انهارت على يد الراقصة الجديدة ببا عز الدين، ما دفع "بديعة" للعودة إلى لبنان بعد أن أصابها الفقر وضيق الحال.

وفى مذكرات حسن الإمام التى نشرتها مجلة "الشبكة" يَذكر أن أحمد الحاروفى، وهو متعهد حفلات قديم قام بشراء مذكرات بديعة مصابنى، وعرضها عليها وكان متحمسًا لإخراجها جدّا، وبالفعل أسند دور البطولة إلى نادية الجندى ثم إلى نادية لطفى، بعد أن دب خلاف بين الأولى والمنتج.

وكما كان هناك صليب على صدر هدى فى "الراهبة"، يظهر أيضًا على صدر "بديعة مصابنى" فى مشهد انفصالها عن الريحانى فى وجود القس الذى كان يحاول الإصلاح بينهما وفشل، والمعروف أن الأقباط المصريين لا يتم بينهم الطلاق بهذه السهولة، ولكن لأن بديعة لبنانية فإنه يتم بناءً على طلب أحد الطرفين أو كليهما.

ولعل المشهد الأخير من فيلم "حسن ومرقص" جاء مُعبرًا عن التآلف الشديد بين أسرتين مسيحية ومسلمة، رب الأولى قس اضطر للتخفى فى هُويَّة أخرى، والثانى شيخ مسجد مسلم تخفّى أيضًا، وتتماسك الأسرتان معًا فى مواجهة المتطرفين، وتمتزج دماؤهما مثلما حدث من قبل فى أكثر من فيلم منها "التحويلة".

وبرزت الأماكن المقدسة الإسلامية والقبطية فى تلك الأفلام، بما لها من قدسية عالية لدَى الطرفين، سواء فى مصر أو فى لبنان، ويتضح هذا من علاقة هدى فى فيلم "الراهبة" بتمثال السيدة العذراء فوق الجبل، وهى أيضًا تقوم بمسح أرضية الكنيسة دليل على إجلالها للمكان الذى وهبت له كل حياتها، وتبدو معالم الكنيسة مهيبة بأجواء الرهبة والخشوع خلال أحداث الفيلم، وقد امتزج ظهور الكنائس من الداخل والخارج بموسيقى كنسية مهيبة ذات دلالات خاصة فى كل من "شفيقة القبطية " و "الراهبة".

فى الأفلام المصرية التى يتحاب فيها شابٌ مسلمٌ وفتاةٌ مسيحيةٌ تكون الأحداث حريصة تمامًا على ألا تقع الفتاة فى الخطيئة، لكن تحدث فى بعض القصص التى صَوّرتها السينما بين عاشقين من نفس الديانة، ولا يكون أمام الاثنين سوى الزواج، ولم تكن الهُويَّة القبطية ظاهرة فى فيلم "البوسطجى" الذى سبق الإشارة إليه، والذى أخطأت فيه "جميلة" مع "خليل".

وفى فيلم "ضحك ولعب وجد وحب" رأينا قبطيَّيْن "مها وفريد" والأولى تلميذة تقع فى حب الثانى، ما أدى لسقوطها فى الخطيئة، وكان من المحال أن يتزوجا نظرًا لصغر سنّهما، وعندما تضيق السُّبُل بفريد يلجأ إلى "عائشة"، حبيبة الطلاب، وعاشقة "أدهم" كى تجد حلًا، وفى البداية تستضيف مها فى بيتها ثم تطلب والدتها لتحاورها وتكشف لها الموقف، وتستدعى عائشة "إش إش" طبيبًا ليقوم بإجهاض الفتاة، وحسب نهاية الفيلم ومن خلال بضعة سطور مكتوبة على الشاشة نعرف أن فريد تزوج من مها بعد تخرجه، وإنه تم تجنيده فى الجيش واستشهد فى حرب أكتوبر، والفيلم مأخوذ عن تجربة ذاتية للمخرج طارق التلمسانى، أملاها على كاتب السيناريو مجدى أحمد على، أى أننا أمام شخصيات حقيقية مثل "بديعة مصابنى" و "شفيقة القبطية"، وإن كانت السينما قد قامت بتغيير الملامح كما شاء لها.

ومن أغرب العلاقات ما رأيناه فى فيلم"يوم وليلة"، الذى يروى خروج طالبة محجبة فى أحد المعاهد مع زميلها المسيحى - دون تعبير عن هويته- ليتنزها طوال ساعات النهار دون أن يتبادلا كلمة غزَل واحدة، وتُظهر الأحداث شقيقة هذا الشاب التى هى امرأة مُعَلقة دون طلاق، وتعمل موظفة، فى صورة مشابهة لامرأة مسيجية فى فيلم "واحد صفر" إخراج كاملة أبو ذكرى، إنتاج 2009، والذى تهدد فيه المرأة بتغيير ملتها كى تحصل على الطلاق.

 ويعنى ما سبق أن المصريين يتوحدون فى مشاكلهم العامّة، وإن كان لكل منهم مشكلته الخاصة بشكل منفرد.

 ولم تكن الدراما التليفزيونية أقل شجاعة وثراءً فى تناوُل موضوع الوحدة الوطنية، وخلال السنوات الأخيرة بدت الدراما مرآة لما نعيشه، مع الوضع فى الاعتبار اختلاف مَشاهد الدراما التليفزيونية عن مَشاهد السينما؛ لأنه فى الأولى فرد من سياق عائلى اجتمع لمشاهدة أحداث المسلسل، مثلما تجتمع عائلات البيت الواحد لمُشاهدة المباريات، ومن بين هذه المسلسلات: "أهل الهوَى"، و"الشوارع الخلفية"، و"الراقصون على النار"، و"العائلة"، و"بنت من شبرا"، وسوف نتوقف هنا عند مسلسل "دوران شبرا" إخراج خالد الحجر، ففى أحد البيوت القديمة بحى شبرا الذى يعيش سكانه على نفس الوتيرة منذ عشرات السنين، يكبر سكان البيت ويتزوجون وينجبون، ويفكر الأبناء فى السَّفر لإحضار المال، ومصيرهم العودة، ومصير الخارجين عن القانون منهم الرجوع إلى البيت أيضًا، وتتباين مستويات دخولهم لكنهم جميعًا ينتمون إلى الطبقة المتوسطة، وخلال الحلقات الأولى يموت الجار "عزيز"، وهو قبطى لديه أسرة، ويصف المسلسل عادات المصريين فى مثل هذا الموقف، فالنساء المسلمات يقمن بالواجب ثم يذهب بنا المَشهد إلى الكنيسة لتصوير كيف تكون المراسم، فى حين يتبادل السكان العون، كلٌّ حسب مقدرته، وفى الحلقات التالية نرى كيف يواجه الجميع ظروف الحياة، فهم يعيشونها بما عليها، وتتآلف المشاعر، ومثلما حضر  البعض الجنازة القبطية فإنهم يحضرون معًا حفل زفاف أحدهم، إنهم وحدة واحدة، ويتعاملون معًا من خلال العِشرة التى ربطت بينهم، وتؤكد كلمات أغنية المقدمة والنهاية على معنى الوحدة الوطنية والتماسك، وينتهى المسلسل بإحدى الشخصيات التى تذهب مع زوجها للولادة فى المستشفى، وفى الشارع المزدحم يحمل عنها الزوج الحقيبة، ثم ينزلان إلى محطة مترو مسرّة كأنما يقول  المسلسل إن الحكاية التى رأيناها فى بيت "شبراوى" موجودة كذلك فى شارع شبرا، وأن وراء كل هذا الكيان البشرى مئات من الحكايات المماثلة بين الأقباط والمسلمين.   

لا يوجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق