الأحد 28 فبراير 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
مرابط مصر
الخيول والسينما.. تمجيد للفروسية

الخيول والسينما.. تمجيد للفروسية

يعكس ظهور الخيول فى تاريخ السينما المصرية التغييرات الحادة التى حدثت فى اهتمامات المجتمع المصرى، ثقافة الفروسية فى المقام الأول، كما تعكس التغييرات التى حدثت فى التكاليف الإنتاجية التى تلت سنوات الأربعينيات والخمسينيات، وارتبط وجود الخيل فى الأفلام بالعيشة الهنية وأجواء المرح والسعادة كما ظهرت فى الفيلم الأشهَر (غزل البنات).    



مكانة الخيول فى السينما

لعلنا نذكر المفارقة العجيبة مع الحصان "لايكا" فى فيلم (لعبة الست)، عندما ذهب العامل إلى السباق وراهن عليه، وكان يجب على العامل فى الأساس أن يشترى لصاحب العمل علبة سجائر بهذا الاسم، وعندما ربح المال وعاد به إلى مديره أثار دهشته، وقام الأخير بترقيته بشكل تدريجى.

وفى فيلم (ورد الغرام) ترعرع الحب على شرف الحصان "طيار"، فالأب يمتلك اسطبلًا للخيول- دليل رفعة الجاه- والابنة تحب الخيول، ولمّا عرف الشاب الذى يرمى شباكه عليها ذلك تظاهر بحب الخيل، وزار الاسطبل، ورمى بكلام الحب على الطرفين: "الحصان وصاحبته"، وهنا كان عشق تربية الخيول أمرًا بالغ الأهمية والحب يتأجج.

 وفيما بعد فى فيلم (ماليش غيرك)؛ فإن العلاقة تتوطد بين صديقين قديمين من خلال غرام كل منهما بالخيول.

وفى فيلم (غرام الأسياد) لرمسيس نجيب؛ فإن لدى الأسرة المقتدرة اسطبلًا وسائسًا وأسرته يقومون برعاية الخيول، وقد حوّل الفيلم ملكية السيارات التى كانت فى فيلم (سابرينا) إلى خيول، ما يعكس مدى جاذبية هذه الهواية والمهنة (السائس والعربجى) لدى المصريين عمومًا، فكم من أفلام دارت أحداثها فى أماكن يعيش فيها البشر مع الخيول فى مكان مغلق واحد، وإذا كانت سباقات الخيول قد تضاءلت مع منتصف الستينيات؛ فإن مهنة "الحوذية" ظلت موجودة فى المجتمع حتى فترة قريبة.

وفى السبعينيات كان "الحوذى" الذى يغنى للحصان شخصية بارزة فى عدة أفلام، منها (مولد يادنيا) لحسين كمال، و(العربجى) إخراج أحمد فؤاد.

أفلام الصحراء

لدينا نوعان من الأفلام الصحراوية، أولها التاريخية ومنها الفيلم الدينى، والنوع الثانى هو الأفلام المعاصرة التى أخرجها إبراهيم لاما، ثم نيازى مصطفى،ومن أبرزها (رابحة) و(سمراء سيناء) و(راوية) و(غرام بثينة).

وكرّس كل من الرجلين حياته لهذا العالم، وكانت للجياد بطولات موازية للفرسان أيّا كانت أسماؤهم، على اعتبار أن السيف والجواد جناحا الفارس الأساسيان.. الفرَس يحمل صاحبه ويطير به فى الأفق، وهو حاضر فى الغزوات والمعارك.

وفى حكاية عنترة بن شداد فهو الفارس الذى يقاتل فوق الحصان رُغم أنه عبد، على اعتبار أن الفرسان هم الأسياد وحدهم، وعادة ما يكون الفرَس بنى اللون،  وقد تكون الخيول قليلة العدد، مجرد رهط فى الصحراء العربية مثلما شاهدنا فى الكثير من أفلام السينما الأمريكية.

التاريخ الإسلامى

أمّا أفلام التاريخ الإسلامى؛ فإن الكثير من أبطالها كانوا من الفرسان، ومنهم "بيجاد" فى فيلم (الشيماء)، الذى حين يعفو عنه الرسول (ص) فإنه ينطلق وسط الصحراء صاعدًا التلال بحصان يصل إلى حد اللهاث والصهيل المرتفع، ثم يتوقف وسط  الجبل ناطقًا بالشهادتين. 

ولدينا الكثير من الأفلام التاريخية التى اعتمدت المعارك فيها على الفرسان والجياد رُغم غلبة سلاح المشاة، لكن الفيصل كان مهارة الفارس فى القتال بالسيف ومن فوق حصانه، ومنها فيلم (وا إسلاماه)، كما شاهدنا أفلامًا مثل (خالد بن الوليد) الذى كان يشارك فيها الحرب بحصانه فى قتال الأعداء.

وفى السينما لم يكن هناك فاصل بين الفارس والحصان، على اعتبار أن أكثر من قاموا بالدور تدربوا بشكل جيد، ومنهم "بدر لاما"، و"سراج منير"، و"فريد شوقى"، أمّا أحمد مظهر الضابط المتخصص فى سلاح الفرسان فقد رأيناه دومًا فى هذا الدور من فيلم لآخر، مثل (الناصر صلاح الدين") و(الشيماء)، والعديد من المسلسلات التاريخية.

الغريب أن المُشاهدين لم ينتبهوا إلى أن عمر الشريف هو الفارس الأمهر فى السينما المصرية، وظهر فى فيلم (شيطان الصحراء) إخراج يوسف شاهين، ولا يمكن الإحساس بمدى أهمية الحصان من دون معرفة قدرة راكبه، وكى يخبرنا المخرج أن الفارس هنا هو عمر الشريف، تعمّد أن يقوم بتصوير الجواد وهو ينطلق من مكان قريب إلى أبعد مسافة فى مَشهد واحد، ويبدو الحصان هنا سريعًا كالسهم المنطلق أو المرتد، ومن أجل إثبات أن الممثل هو الفارس فإنه يرتد إلينا من بعيد حتى نرى وجهه، وذلك بالطبع يظهر لنا قوة الحصان وسرعته وانطلاقه.

وتبدو العلاقة مختلفة تمامًا فى الأفلام بين مُلاك الجياد من الأثرياء والفرسان فى الأفلام التاريخية، فالمقاتل يقوم بتربية الحصان لأغراض الفروسية، وأبرزها القتال كما فى أفلام: (وا إسلاماه) و(أنا الشرق) و(الناصر صلاح الدين)، لكن الحصان العربى موجود فى الأفلام المصرية منذ عام 1927، أى مع السنة الأولى لميلاد الأفلام الروائية الطويلة، ومنها (قبلة فى الصحراء) إخراج إبراهيم لاما الذى أشرنا إلى أنه أول وأكثر المغرمين بالفرسان والجياد، وهو الذى قدّم فيلمًا عن صلاح الدين الأيوبى عام 1942، وشاهدنا فى الفيلم التاريحي (شجرة الدر) 1935 لأحمد جلال، امتلاء الصحراء بالجياد المشاركة فى الحرب، ما يعكس إمكان توفير الإنتاج أكبر عدد من الجياد فى تلك السنوات، وقد تنافس المخرجون دومًا لعمل الأفلام الصحراوية، وكان الفرسان أبطال أفلام صلاح أبو سيف فى (مغامرات عنتر وعبلة)، ثم (الصقر)، وفيما بعد فى فيلم (فجر الإسلام) و(القادسية)، وبدا عدد الخيول المصرية فى الفيلم الأول قليلًا للغاية بعد أن تضاءلت ظاهرة تربيتها، كما قدّم يوسف شاهين فيلمه (شيطان الصحراء) 1954 الذى تنافس فيه الخيّالة فى السباقات من أجل مواجهة الطاغية.  فى هذه الأفلام كانت المَشاهد المؤلمة حسب معنى القصص هى سقوط الفارس فى المعركة، فإذا لم يتمكن من النهوض السريع؛ فإن ذلك يعنى أنه قد هُزم، أمّا بقاء الحصان راكضًا فيعنى النصر، مثلما سيفعل صلاح الدين الأيوبى حين يقف بحصانه شامخًا بعد انتصار جيوشه.

الفارسة الأبرز 

كانت شويكار أبرز من ركب الحصان بعد كوكا فى كل أدوارها كفتاة صحراوية؛ خصوصًا (الفارس الأسود)، ثم ليلى مراد، وبالنسبة لشويكار ظهرت كفارسة فى فيلم (فيفا زلاطا).

وفى القرن الحالى كان مصطفى  شعبان هو الأبرز فى فيلم (أحلام عمرنا) 2005 الذى يدور حول تربية الجياد فى المزارع، يليه أحمد السقا الذى لم يستفد كثيرًا من مهاراته فى ركوب الخيل.

والحصان هو الحيوان الوحيد الذى غنت السينما من أجله وحُبّا فيه فى عشرات الأفلام، وتكاد تكون هذه سمة تتفرد بها السينما المصرية، ومن حُسن الحظ أن السينما الغنائية كانت بالغة الازدهار فى الفترة التى كانت فيها الخيول تعيش فى بيوت المصريين، وقلوبهم, واسطبلاتهم، وقراهم، وسباقاتهم، والفيلم الأشهَر (غزل البنات) يبدأ بالتلميذة ليلى وهى تركب حصانها متقدمة زميلاتها وكل منهن فوق حصانها، وتتغنى للخيل وتمازحه، وتطلب منه أن يتمخطر ويتمايل، ولا شك أن هذه الحالة المزاجية تعنى جمال الحياة والسعادة والبهجة، وأن هذا هو حال كل البنات وهن على أحصنتهن وليلى تردد متحدثة إلى الخيل: "اتمخطرى واتمايالى ياخيل، وارقصى ويّا عرايس الليل".

وقد عادت المطربة الرقيقة بعد 3 سنوات لتغنى مع حبيبها للحصان طيار، وهما يرددان: "الحب دا طيار، حب ياخدها هزار، جت رجله المكار".

وفى تلك الفترة كانت هدى سلطان تقدم الأوبريت الإذاعى "الجوز الخيل والعربية، سوق يا أسطى لحد الصبحية". 

مولد يا دنيا

وبعد عشرين عامًا، فى السبعينيات فإن الذى راح يغنى، "السايس" صاحب الحصان فى فيلم (مولد يا دنيا) لحسين كمال، فهذا هو صاحب الحصان يتباكى فى الاسطبل على أيام مجد الجياد، بأغنية "يا صبر طيب".

وفى فيلم (غرام فى الكرنك) 1969 يركب مجموعة من الشباب "الحناطير" فى شوارع مدينة الأقصر، ويغنون للمدينة ومعالمها، ومن بينها الحصان الذى تركز الكاميرا على ساقيه، وكان يبدو كأنه يرقص فرحًا على أنغام الأغنية.

لا يوجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق