الأربعاء 14 أبريل 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

عميدة مجاهدات سيناء.. الجدة فرحانة تتذكر

حصلت على خريطة مطار الجورة ونقلتها للأجهزة المصرية

المجاهدة فرحانة تتحدث للكتاب الذهبى
المجاهدة فرحانة تتحدث للكتاب الذهبى

بطولات أهالي سيناء، جزء من بطولات شعب مصر، القاهر للتحديات، وإن كان لأهالي سيناء أن يفخروا بما حققه الأجداد من بطولات، على مر التاريخ، في معارك دولتنا وجيشنا في البوابة الشرقية، فإن المرأة السيناوية، سطرت بحروف من ذهب صفحات في التاريخ، ما يستحق أن يروى.



في وقت تضرب فيه نساء مصر، من الأبناء والأحفاد، المثل لبطولات جديدة في معارك «التنمية والتعمير»". 

الحاجة فرحانة حسين سالم (93 عامًا) الملقبة بشيخة المجاهدات السيناويات (كما يلقبها البدو من قبيلة الريشات بمنطقة الشيخ زويد)، إحدى عظيمات مصر، التي جاهدت نصرة للوطن، فما قامت به من أعمال فخر لأبنائها وأحفادها، وكل وبنات جيلها والأجيال القادمة.

وعلى الرغم من كونها امرأة بدوية لها أبناؤها، التي كانت تعولهم، لم يسعفها الحظ أن تلتحق بالمدارس، إلا أن جينات الوطنية في الشخصية المصرية، دفعتها لأن تنتفض عقب نكسة 1967، واحتلال إسرائيل لسيناء، لم تقبل كرامتها أن تعيش راضية تحت احتلال الغزاة.

 

 

تتذكر بطولتها لصالح الوطن
تتذكر بطولتها لصالح الوطن

هذا النموذج الملهم- أطال الله عمرها- كان لنا معها هذا اللقاء، لتتذكر البطولات، وتقدم خلاصة خبرتها ونصيحتها لشبابنا، ليواصلوا دورهم في مواجهة التحديات، تقول الجدة "فرحانة": "نشأت بدوية بدائية لم أتلق التعليم.. فكنت أقوم برعي الأغنام في الصحراء، في أمن وسلام، حتى وطأت أقدام الاحتلال الإسرائيلي سيناء، عندها ضاق صدري، واشتد غضبي، فلا يمكن قبول الاحتلال على أرضي.

تضيف الحاجة "فرحانة": "رغم العادات والتقاليد التي تحكم المرأة في الحياة البدوية، قررت تحويل المسار للانضمام للمقاومة، كامرأة ضد الاحتلال، فاستغللت عملي في تجارة الملابس؛ لتكون جواز المرور، لنقل المعلومات إلى الجهات المختصة، وبتشجيع العديد من مجاهدي سيناء، الذين تصدوا للاحتلال منذ اللحظة الأولى.. حيث تدربت معهم على كيفية زرع القنابل وتفجيرها عن بُعد.. إلى جانب توصيل المعلومات والتعامل بالإشارة، من خلال البرامج الإذاعية، التي كانت تبث إرسالها لتطمين الأهل في سيناء، وكانت كل كلمة تُذاع لها مدلولها لديّ". 

تستطرد الجدة "فرحانة": "كان هدف المجاهدين من تنفيذ عمليات المقاومة ضد الاحتلال، التأكيد على نجاحنا في الوصول للعدو، وبث الأمل في نفوس المواطنين والمجاهدين".

وتشير الجدة "فرحانة"، إلى أنها اتخذت تجارة الملابس ستارًا لنقل المعلومات، والتنقل بين معسكرات العدو عن طريق الصليب الأحمر، وكانت تتنقل وسط المجاهدين، وتسافر بين سيناء والقاهرة، بحجة التجارة.. بينما كانت تتلقى تدريبها عن كيفية نقل وتوصيل المعلومات عن العدو، وبعد 6 أشهر كاملة عادت بعد التدريب المكثف لتبدأ رحلة النضال ضد المحتل.

وتقول الجدة "فرحانة": "لم يكن الأمر سهلًا، لقد تعرضت للعديد من الأقاويل والشائعات، نظرًا لتركي أطفالي لدى شقيقتي أثناء التهجير في مديرية التحرير.. حيث كنت أسافر إلى سيناء بحجة تجارة الملابس، وقد شجعني قائد المقاومة الشيخ حسين عرادة، بعد أن علم برغبتي، وتلقيت تدريبات على يد المهندس عطية سالم، أحد كبار المجاهدين، وكانت مهمتي اختراق المعسكرات الإسرائيلية، ومعرفة المعلومات وتصوير خرائط المكان والأسلحة والمعدات، وتوصيلها لأحد ضباط المخابرات.

 

تضيف: "كُنت أبذل كل جهدي من أجل توصيل كل المعلومات.. على الرغم من عدم معرفتي القراءة والكتابة.. إلا أنني أصررت على النجاح في أداء المهمة في حب الوطن، ورفضًا للاحتلال.. فكنت أنقش البيانات والأرقام على الرمل، ثم أقوم برسمها على قطع من القماش بالخيوط، وبعدها أقوم بتوصيلها بجلبابي البدوي المتميز، بكثرة ألوانه وزركشاته، ولم يشك فيها أحد".

كما استعانت بخبرتها كراعية أغنام لكي تصبح عينًا لرجال القوات، الذين يعملون خلف خطوط العدو في سيناء، وكانت دليلًا لهم أثناء سيرهم في الصحراء.

وتقول إنها كانت تسير بالساعات الطويلة في الصحراء "في عز حرارة الشمس"، حاملة "بؤجة"، قماش تدعي بيعها، حتى تحقق هدفها في إرشاد القوات ونقل المعلومات، وأنها استطاعت بالفعل الحصول على خريطة مطار الجورة، الذي خطط لبنائه اليهود وقدمتها للمخابرات.

 كما تمكنت من تصوير أحد أهم القواعد الإسرائيلية في منطقة "ياميت"، وكنت المرأة الوحيدة، التي استطاعت دخول القاعدة ونقلت معلوماتها إلى المخابرات المصرية، واستهدفت الكثير من سيارات الجيش الإسرائيلي بالعبوات الناسفة، وفجرت قطار العريش الذي كان محملًا بالبضائع والذخيرة للجيش الإسرائيلي. 

ومع الأجيال الجديدة
ومع الأجيال الجديدة

 

وتحدثت الجدة "فرحانة"، عن الكثير من العمليات الفدائية، التي قامت بها، العمليات التي تعكس حالة من الوطنية وعشق تراب هذا البلد، وتعبّر عن قوة وصمود ونضال المرأة المصرية، في خدمة الوطن، ومقاومة الاحتلال الإسرائيلي لسيناء، وهناك عمليات أخرى كثيرة، تمكنت من تنفيذها، بالتعاون مع زملائها المجاهدين، أو قدمت معلوماتها إلى رجال القوات المسلحة، الذين كانوا يعملون خلف خطوط العدو في سيناء للتعامل معها.. مما كبّد العدو الكثير من الخسائر في الأفراد والمعدات، مشيرة إلى أنها استخدمت الإذاعة المصرية، التي كانت تبث إرسالها إلى أهالي سيناء، تحت الاحتلال، في إرسال رسائل إلى الإخوان المجاهدين، وكانت تعني أنها نجحت في تنفيذ عمليتها بنجاح فيتم توزيع الحلوى ابتهاجًا بنجاح العملية.

 كما كانت تحمل إشارة إلى المجاهدين للقيام بعمليات أخرى ناجحة؛ لتضاف إلى بطولات أبناء سيناء.

تقول: "ظللت أعمل إلى أن افتضح أمري ووشى بي الواشون، وعلمت القوات الإسرائيلية بنشاطي، وتم إلقاء القبض عليّ واحتجازي؛ حيث عرض الضابط الإسرائيلي إطلاق سراحي، وتلبية جميع مطالبي، مقابل معلومة واحدة عن مكان "عطية سالم"، قائد المجموعة، ولكني أفهمتهم أني لا أعلم شيئاً، ولا أعرف أي مجموعة.. وقد أطلقوا سراحي بعد أن طلبوا مني العمل معهم والسفر إلى القاهرة؛ لتجنيد آخرين للعمل مع قوات الاحتلال، فتظاهرت بالموافقة، إلى أن تركوني، وسافرت إلى القاهرة ولم أعد إلى سيناء إلا بعد تحريرها، ولا أزال أقيم بها، مع أحد أبنائها وأحفادها، في شقة متواضعة في ضاحية السلام بالعريش.

ومنح الرئيس الراحل محمد أنور السادات، بعد حرب أكتوبر 1973 الحاجة "فرحانة"، وسام الشجاعة من الدرجة الأولى، ونوط الجمهورية، تقديرًا لما قدمته من خدمات جليلة، فداءً لأرض مصر الحبيبة، وعن ذلك تقول: "لا أنتظر أي تكريم، وما قمت به هو واجب وطني".

وتشير الحاجة "فرحانة" إلى أنها كانت تسعد بكل ما تقوم به، وأنها كانت تشعر بالفخر عند نجاح أي عملية لها، أو كلما حقق الجيش المصري الانتصار.

وسألناها بماذا تنصحين الجيل الجديد من الشباب؟ قالت: "أنصحهم بالانتماء إلى وطنهم، والثقة في جيش مصر، الذي حقق الانتصار ولا يزال يحمي الوطن، وأحذرهم من خداع الشائعات المغرضة، التي تستهدف هدم مصر، وأن يدعم الشباب قيادته وجيشه، ويعمل على حماية الوطن من الأعداء.

ومن جانبه.. يحكي عبد المنعم إبراهيم (الابن الأوسط لشيخة المجاهدات، الذي يعمل مديرًا لمركز التدريب على علوم الحاسب الآلي بمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار في محافظة شمال سيناء)، أحد المواقف التي دلت على ذكاء الأم، حينما كان طفلًا صغيرًا.. حيث كانت ترسم المعلومات والصور على قطع قماش، ثم تُحيكها في أطراف ثوبها، حتى لا يشك فيها أحد، وأنها كانت تحمله على كتفها أثناء التنقل، وأثناء المرور على أي كمين إسرائيلي أو دورية تقوم بقرصي حتى أبكي، فينشغل الجميع ببكائي، ويتركوننا نمر- دون تفتيش- حتى لا ينكشف الأمر.

وأعلن عن شعوره بكل فخر، بما قامت به الأم في سبيل وطنها، وفي مقاومة الاحتلال.. مشيرًا إلى أنها كانت تغيب عنا كثيرًا، وكان كل ما نعرفه أنا وإخوتي، أنها تبيع الأقمشة في سيناء، ولم نعلم بدورها وما قامت به إلا بعد انتصارات أكتوبر 1973 وما تناقلته الصحف والمجلات بعد ذلك".

وأضاف: أنه طوال السنوات الماضية، يزداد فخرنا وتقديرنا لوالدتنا، التي ضربت خير الأمثال لبطولة المرأة السيناوية وجهادها في مقاومة الاحتلال؛ حيث كانت جنبًا إلى جنب مع الرجل في طريق الوطنية، وحصل أكثر من 750 مجاهدًا ومجاهدة على الأنواط والأوسمة العسكرية من الرئيس الراحل محمد أنور السادات، تقديرًا لجهادهم وبطولاتهم، ومساهمتهم في مقاومة الاحتلال وتحقيق النصر.

وقد كرّمها الرئيس الراحل محمد أنور السادات، كما كرّمتها القوات المسلحة ومحافظة شمال سيناء والعديد من الجهات داخليًا وخارجيًا.. إلى جانب مؤسسات ومنظمات المجتمع المدني والمجلس القومي للمرأة، والكثير من مجموعات الشباب والهيئات المصرية والعربية.

لا يوجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق