الجمعة 4 ديسمبر 2020
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

«جين البطولة والفداء».. من الآباء إلى الأبناء .. واجعـــــــله الـــوارث مــنا

لم تورّث مصر لأبنائها ذهبًا مكدسًا أو معادن ثمينة بلا حدود، لكن ورّثتهم ما هو أثمن وأهم، ألا وهو البطولة والفداء والقدرة على البَذل والعطاء والتضحية فى مواجهة الأخطار والمُلمات الكبرى..



يظن الكثيرون أن البطولة قاصرة على الشهداء.. وهذا وَهْمٌ شائعٌ، فبطولة الأحياء لا تقل عن بطولة الشهداء، فمن يُعَمّر ويُنمّى ويَستصلح الأرضَ ليس أقل منزلة ممن بذل حياته دفاعًا عن تراب وطنه، فالجميع يعمل لمصلحة الوطن، ولا فضل لأحد على الآخر إلا بالجهد، وهذا ليس حكرًا لأحد.. 

وليس صحيحًا ما يقوله المَثل الشعبى المبتذل: الرجالة ماتت فى حرب أكتوبر... فرجال مصر بقدرتهم على التضحية والمنازلة ومجابهة الموت موجودون قبل حرب أكتوبر وبَعدها وفى كل وقت حتى قيام الساعة.. المصرى يصارع الأخطار فى كل مكان وزمان، لا فضل لقديم على لاحق فى هذا المضمار.. وإن كان للأجداد والآباء فضل فى هذا الأمر فهو فضل توريثهم ونقل جيناتهم إلى الأبناء والأحفاد..

لذا لم تغلق صفحات التاريخ أبوابَها أمامَ بطولات المصريين المستمرة، فإذا كانت صفحات الخلود قد عَرفت على سبيل المثال الشهيد إبراهيم الرفاعى من أبطال تحرير سيناء فها هو الشهيد أحمد المنسى يُعيد سيرة الرفاعى فى تحرير سيناء، لكن هذه من المَرّة من الجماعات الإرهابية... وفى هذه السطور استعراض لأبرز بطولات المصريين قديمًا وحديثًا.

 

شفيق مترى.. 11 عامًا متواصلة على الجبهة

لا ينسَى أحد بطولات اللواء أ.ح / شفيق مترى سدراك لواء حربى المشارك فى حروب 1956 و1967 وحرب أكتوبر 1973، اشترك فى معركة أبو عجيلة عام 1967 قائدًا لفرقة من المشاة، وقد أظهر فيها من البسالة هو وبقية الرجال ما جعل من معركة أبوعجيلة أيقونة للصمود والبطولة، وفى حرب "الاستنزاف"؛ حيث تقدّمت المدرعات الإسرائيلية صوب مدينة بور فؤاد بهدف احتلالها يوم 1 يوليو، 1967، فتصدّى لها مع قوة من الصاعقة المصرية بنجاح فيما عُرف بمعركة رأس العش. أمضى اللواء شفيق أكثر من 11 عامًا متواصلة فى جبهة القتال ونال وسام نجمة سيناء من الطبقة الأولى، وهو النموذج الرائع للقائد الملتحم بجنوده قبل ضباطه وخلال حرب الاستنزاف قبيل العبور العظيم عبَر برجاله إلى سيناء من بورسعيد والدفرسوار وجنوب البلاح والفردان؛ حيث قاتل العدو فى معارك الكمائن. ويوم السادس من أكتوبر1973 قاد اللواء أحد ألوية المشاة التابعة للفرقة 16 مشاة بالقطاع الأوسط فى سيناء وحقق أمجد المعارك الهجومية ثم معارك تحصين موجات الهجوم الإسرائيلى المضاد قبل أن يستشهد فى اليوم الرابع للحرب الذى يوافق يوم 9 أكتوبر 1973 وهو يتقدم قواته لمسافة كيلو متر كامل فى عمق سيناء عندما أصيبت سيارته بدانة مدفع إسرائيلى قبل وصوله إلى منطقة الممرات فى عمق الممرات؛ ليلقى ربّه شهيدًا.

 

المقدم محمد هارون أثناء تكريمه على بطولاته من وزير الدفاع السابق
المقدم محمد هارون أثناء تكريمه على بطولاته من وزير الدفاع السابق

 

 

محمد هارون.. أمير الشهداء

في السابعة صباح الأول من يوليو 2015، هاجم الإرهابيون عدة اكنمة أمنية، في توقيت متزامن، سعيًا من أهل الشر ومن يحركهم ويمولهم من المخابرات المعادية، لرفع الراية السوداء لدقيقة واحدة على شبر من الأرض المصرية، لالتقاط الصور وإيهام العالم أنهم تمكنوا من موطأ قدم في سيناء.

 

لم يدرك الإرهابيون الذين حشدوا كافة طاقتهم، لأكبر وأخطر عملية إرهابية، أن جنود مصر البواسل في انتظارهم، أبطال من نسل أبطال، قادرون على ردع العدوان، والدفاع عن الأرض حتى آخر قطرة دماء، عقيدتهم النصر أو الشهادة.

بين هؤلاء أبطال كمين الرفاعي، وغيرهم من الأكمنة الباسلة هزمت المخطط، وسطر أبطال جيش مصر بحروف من ذهب بطولاتهم، وهناك في سيناء دوريات المداهمات التي تلاحق جردان الأرهاب، أحدهم هؤلاء الأبطال هو أمير الشهداء، المقدم محمد هارون، ذلك الذي من فرط بسالته، أطلق الإرهابيون على كميته اسم "كامين هارون"، لقوته وبطولاته المتواصلة، في اصطيادهم.

حقق انجازات متواصلة، وقنص العديد من الإرهابيين، كان قائدًا فذاً يتقدم جنوده في حملات المداهمات، كما قاتل ببسالة لردع الهجمات.

فشلت هجمة الإرهابيين، وتساقطوا قتلى، لعدة ساعات قبل أن تصل قوات الدعم التي حاول الإرهابيون قطع طريق وصولها بالمفخخات، فشل مخطط أهل الشر.

واصل البطل هارون عطاءه، وحملات اصطياد الإرهابيين، وظل الجبناء ينتظرون فرصه للنيل منه، كان يواصل بطولاته بمنطقة الجورة، يتقدم جنوده عندما انفجرت عبوة ناسفة نوعية في الثاني عشر من نوفمبر 2015، ليلقى ربه شهيدًا، ناطقًا بشهادة "اشهد أن لا إله إلا الله محمدًا رسول الله".

سيظل حي عند ربه في جنات النعيم، صاربًا مثلًا في البطولة ليلحق بكتيبة شهداء الوطن اجداد وأباء وأحفاد.

 

 

إبراهيم عبدالتواب.. بطل معركة كبريت

تُعَد معركة كبريت الشهيرة ملحمة تفوق حدود العسكرية وقوانينها بطولة وفداءً بفضل المقدم إبراهيم عبدالتواب ضابط قوات مسلحة مصرى وأحد أبطال وشهداء حرب أكتوبر عام 1973 الصامد للحصار هو ووحدته 114 يومًا دون طعام، وكان شعاره "لا تراجع ولا استسلام"..  فى 6 أكتوبر عام 1973 أسندت لكتيبته مهمة اقتحام البحيرات المُرة الصغرى ثم التحرك شرقًا حتى طريق الممرات للاستيلاء على المدخل الغربى لممر متلا، الذى جعله العدو أحد حصونه فى سيناء ومركزًا لعملياته على المحور الأوسط بسيناء، ومع بداية الحرب فى الساعة الثانية بعد الظهر بدأت الكتيبة 603 التى كان يقودها المقدم إبراهيم عبدالتواب فى اقتحام البحيرة المُرة الصغرى تحت تغطية نيران المدفعية والقصف الجوى لقواتنا، وتم عبور الكتيبة بنجاح فى فترة زمنية وجيزة.. وبَعد ذلك بدأ تنفيذ الشق الثانى من المهمة وهو السيطرة على مَمر متلا؛ وذلك حتى يتمكن سلاح المهندسين العسكريين المصريين من مَد الكبارى والمَعديات بين ضفتَى القناة وعبور المدرعات ومنع العدو من تعزيز قواته، وفى هذا الوقت وقبل عبور القوات من على الكبارى والمَعديات بنصف ساعة وردت للقيادة العامة المصرية معلومات مفادها تجميع العدو لقواته تجاه كبريت للقيام بعملية نوعية لاختراق عميق للقوات المصرية وفصل الجيش الثانى الميدانى عن الجيش الثالث الميدانى.. ولم يكن مخططا منذ البداية الاستيلاء على نقطة كبريت؛ لأنها محصنة تحصينًا شديدًا، وتم تكليف البطل إبراهيم عبدالتواب باقتحام موقع كبريت والاستيلاء عليه باستغلال المدفعية والدبابات لاقتحام الموقع من الشرق والجنوب مع قوة سَرية المشاة وقامت باقى وحدات الكتيبة بعملية عزل وحصار لجميع جهات الموقع لمنع دخول أى احتياطات للعدو إلى الحصن، وخاض إبراهيم عبدالتواب ورجاله معركة شرسة مع العدو الذى كانت قواته ومُعداته تفوق قوة وعدد أفراد الكتبية 603 ما جعل قائد الجيش الثالث آنذاك اللواء عبدالمنعم واصل يصدر أوامره بانسحاب الكتيبة 603 إلى رأس كوبرى الفرقة السابعة مشاة التى كان يقودها آنذاك العميد أحمد بدوى والتمركز فى رأس كوبرى هذه الفرقة، لكن البطل إبراهيم عبدالتواب رفض الانسحاب وظل هو ورجاله يقاتلون لمُدة يومين رُغم قصف طيران العدو واشتباك قواته معهم فى قتال ضارٍ، فاستولى على نقطة كبريت وكبّد العدو خسائر فادحة فى الأرواح والمعدات ورفع العَلم المصرى، وفى يوم 14 يناير عام 1974 اكتشف البطل إبراهيم عبدالتواب نقطة الملاحظة الإسرائيلية التى تقوم بتوجيه الضرب عليه وأثناء قيامه بتوجيه سَرية الهاون لضرب هذه النقطة أصابته شظية دانة سقطت بجانبه فاستشهد البطل.  

 

 

 

فؤاد ذكرى.. أسد البحار

أمّا «أسد البحار». فهو الفريق أول فؤاد ذكرى، الذى تولى رئاسة شعبة العمليات البحرية عام 1963، ثم بعد حرب يونيو 1967 أصبح قائدًا للقوات البحرية، هذه القوات التى سطرت مَلحمة لا أروع منها، حين تصدت للمدمرة إيلات، ثم الهجوم على ميناء إيلات فى عام 1969، ثم الهجوم الثانى على الميناء فى فبراير عام 1970، والعملية الثالثة للهجوم على إيلات فى مايو عام 1970. وفى حرب أكتوبر كان الفريق أول فؤاد ذكرى أول قائد مصرى للبحرية يقود حربًا حقيقية وينتصر فيها، فقد حاصرت قواته مضيق باب المندب مما منع الإمدادات القادمة لإسرائيل من ناحية الشرق تمامًا، ووضع إسرائيل فى حصار اقتصادى كبير، وهو واحد من 5 من قادة حرب أكتوبر صدر قانون بشأنهم، بأن تظل خدمتهم فى الجيش المصرى طوال حياتهم.

 

الشهيد أبانوب..  «من المؤمنين»..وضد التكفيرين

واحد من شباب مصر المقاتلين الذين استشهدوا دفاعًا عن أرض هذا الوطن في سيناء، ثابت، مقبل على القتال بشرف، لآخر رصاصة في ذخيرته، إنه الجندي مقاتل أبانوب صابر جرجس، ابن مدينة القنطرة بمحافظة الإسماعيلية، الذي استشهد، ولم يتجاوز الثانية والعشرين من عمره، حين طالته رصاصات الغدر من التكفيريين الذين هاجموا الكمين، الذي كان يحرسه بسيناء.

أبانوب جرجس، الذي نعاه أبناء القنطرة، رافعين الآية القرآنية الكريمة «من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه»، صدق الله العظيم، في سرادق العزاء، مجسدين روح المحبة والأخوة الحقيقية بين مسلمي مصر وأقباطها، مؤكدين صدق المشاعر وقوة التلاحم بين المصريين في مواجهة التكفيريين.

أبانوب قبل استشهاده،  لم يكن يتبق على إنهاء خدمته العسكرية سوى شهور، وفى الأول من يوليو2015 هاجم الإرهابيون عدة أكمنة في الشيخ زويد، كان من ضمنها كمينه، الذي يخدم به، ويقف حراسة قرب أحد المعسكرات، ثبت أبانوب مع زملائه كأسد يحمي العرين ويروى زملاؤه بطولته وبسالته، وكيف قاتل بشراسة لصد الهجوم الغادر، واجه مع من واجهوا من الأبطال هجوم الإرهابيين، واستطاع أن يقتل خمسة منهم، ومنعهم من اقتحام الكمين، أو الدخول للمعسكر، حتى نفدت ذخيرته فطالته رصاصات الغدر، ليلقى الشهادة، ويكون لنا فخرًا لمصر، مسلميها ومسيحييها، وينقذ ببسالته كثيرًا من الأرواح والجنود؛ حيث ساعده شجاعته في التصدي للإرهابيين في وصول الدعم للكمين، حتى تم القضاء على الإرهابيين، وبكته مدينة القنطرة بجميع طوائفها. 

مصر لا تنسى بطولات وتضحيات أبنائها، ولذلك كرّمت الدولة المصرية اسمه، وأطلقته على إحدى المدارس الابتدائية بها، وأطلقته على أحد الكباري العائمة، التي تعبر قناة السويس؛ ليكون رمزًا للبناء وشريانًا للتنمية، فكما ضحى الشهداء بأرواحهم من أجل الحفاظ على سيناء وأمنها، فإن أسماءهم تخلدها منشآت تعمرها.

 فتكريم الأبطال مهما اختلفت أسماؤهم ودياناتهم، وتسجل أسماءهم بحروف من نور فى سجل الشرف والبطولة والفداء، تؤكد لنا إننا إخوة، وُلدنا من أب واحد، فأبونا هو آدم، وأم واحدة هي حواء، وإن اختلفت ديانتنا، فإننا مسلمون ومسيحيون نعبد الله الواحد، دماؤنا مصرية يجرى فيها حب مصر.

عيسى جاد الكريم

 

 

 

أحمد الدرديرى.. مقاتل بلا ذخيرة

تخرّج  العقيد أحمد الدرديرى عام ٩٩ دفعة ٩٣ حربية سلاح المشاه، التحق بعد التخرج بالجيش الثانى الميدانى بمدينة القنطرة فى الإسماعيلية، وبعد تنقله لعدة أماكن داخليّا وخارجيّا انتقل إلى الشيخ زويد بناءً على طلبه أبريل عام ٢٠١٥؛ حيث أوكل إليه مهمة الإشراف على تأمين سلسلة كمائن بالشيخ زويد، وهى كمائن سدرة أبو الحجاج أطلق عليها كمائن الزلازل، التى كان الهدف من إقامتها قطع الطريق عن الجماعات الإرهابية، وذلك بسبب تكرار الهجوم الإرهابى المسلح على بعض النقاط الأمنية.. وفى يوم ٧/١ /٢٠١٥ حدث هجوم إرهابى على ٦ كمائن بالتزامن نحو الساعة السادسة صباحًا؛ حيث اقتحمت الكمين سيارة مفخخة وقامت قوات الكمين بتدميرها قبل وصولها إلى الكمين، ثم تلى ذلك محاولة اقتحام أخرى للكمين بسيارات دفع رباعى تحوى كل سيارة على ما يقرب من ٢٠ أو ٢٥ عنصرًا إرهابيّا وكانوا مسلحين بـ"آر بى جى" وأسلحة قنص وأسلحة متعددة، فقام الشهيد أحمد بتفجير سيارتيْن قبل وصولهما إلى الكمين؛ حيث استشهد أحد زملائه الضباط خلال عملية محاولة اقتحام الكمين، ثم أعقب هذا الهجوم هجوم آخر عن طريق مسلحين على درّاجات نارية يحملون الرشاشات، وعلى الفور تعاملت معهم كل قوات الكمين؛ حيث صفوا منهم عددًا كبيرًا ليصاب فى قدمه اليُمنى، وواصل القتال حتى أصيبت قدمه الأخرى، وخلال هذه المعركة الضارية أوشكت ذخيرة الكمين أن تنفد فأعطى الشهيد الدرديرى أوامره لجنوده أن يحتموا داخل مدرعاتهم ويذهبوا لكمين آخر لإمدادهم بالذخيرة، وظل أحمد مع اثنين من جنوده يقومون بحماية ظهر بقية الجنود لحين عودتهم بالدعم والذخيرة، وفى لحظة اخترقت رصاصة موجهة من أحد قناصة الجماعات الإرهابية إلى رقبته لينال الشهادة فى ١٤ رمضان.

 

لا يوجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق