الجمعة 4 ديسمبر 2020
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

روح أكتوبر المستعادة فى 30 يونيو

أكتوبر 73 عندما اجتازت مصر المستحيل
أكتوبر 73 عندما اجتازت مصر المستحيل

ما بين حرب أكتوبر 1973، وثورة المصريين فى 30يونيو 2013، أربعة عقود كاملة.



 

 لكن مَن يجيد قراءة ما بين سطور الحَدثيْن يدرك أن ثمّة رابطا وثيقًا بين الانتصاريْن الكبيريْن، سواء على مستوى الأسباب، أو حتى على صعيد النتائج.

 

أحد أبرز تلك الروابط المشتركة والدروس المستفادة التى تربط بين الانتصاريْن، تلك اللحظة التنويرية التى استطاع من خلالها المصريون أن يتخلصوا من كل الدعايات والحروب النفسية التى مورست على العقل المصرى ليرفع راية الاستسلام.

 

 ففى حرب أكتوبر استخدمت آلة الدعاية الإسرائيلية كل قدراتها لبث الضعف والتخاذل فى قلوب المصريين، وجرى على نطاق واسع ترويج أكذوبة الجيش الإسرائيلى الذى لا يُقهر، وكان سلاح النكات والسخرية إحدى أدوات تلك الحرب النفسية التى استخدمت بفاعلية لكسر جسور الثقة فى نفوس المصريين.

 

فى المقابل، كانت الجدّية والتعامل السريع والواعى من قِبَل القوات المسلحة وقياداتها مع تداعيات يونيو 1967 إحدى أبرز أدوات استعادة المصريين ثقتهم فى أنفسهم،  فمثلت الانتصارات المهمة التى حققتها القوات المسلحة فى حرب الاستنزاف وسيلة مهمة لدعم واستعادة الثقة، وحائط صد مُهم أمام الدعاية السوداء المكثفة.

 

وبالأسلوب نفسه واجَه المصريون آلة الدعاية الإخوانية الإرهابية التى انطلقت بأقصى طاقتها عقب يناير 2011؛ لتشوّه كل ما ومن يمكن أن يثق به المصريون، فالجميع وفق تلك الدعاية المكثفة "فلول" أو "فاسدون"، أو كلاهما معًا، والجميع فى خطاب الجماعة وأدواتها الدعائية "فاشل"، والحَل الوحيد الذى لم يحظ بفرصة لتجربته هو البديل "الإخوانى"!

 

 وبهذا الأسلوب وبتلك الدعاية المكثفة استطاعت الجماعة الإرهابية أن تصيب قطاعًا  من المصريين بالتشوش والتشتت، وإذا كانت كل قدرات الجماعة التنظيمية وحلفائها من المتأسلمين لم تستطع أن تحسم المعركة لصالحها فى الجولة الأولى لانتخابات الرئاسة؛ فإن تحالف تلك القوَى الإسلامية الإرهابية مع بعض القوى السياسية والتجمعات الشبابية، فضلًا على نجاح عمليات التضليل فى خداع قطاعات من المصريين وتشويش رؤيتهم السياسية، كان كفيلًا بتحقيق ما عجزت عنه الجماعة الإرهابية طوال ثمانية عقود، وهو الوصول إلى السُّلطة.

 

ورُغم تكثيف حَمَلات الدعاية ومضاعفة نشاط حرب التضليل لتشويش رؤية المصريين، وتعميتهم عن رؤية حقيقة الكوارث التى ترتكبها الجماعة الإرهابية فى الحُكم؛ فإن الشعب المصرى سُرعان ما استعاد وعيَه، ولم يصبر أكثر من عام واحد فقط، أدرك خلاله أن بقاءَ تلك الجماعة فى سُدة الحُكم، وهيمنة تلك العصابة على مقاليد الأمور فى البلاد كفيل بأن يهدم الدولة ويَقضّ أركانَها، بل ويشوّه هويتها.

 

 وبالتالى كان إدراك المصريين وتحديدهم لمن هو العدو الحقيقى والخطر الداهم على بلادهم ودولتهم، هو الدافع الأكبر للتحرك فى 30 يونيو 2013، رُغم كل حملات الإحباط والترهيب والإرهاب التى مارستها ميليشيات "الإخوان"، سواء فى الإعلام أو عبر الفضاء الإلكترونى، أو حتى على الأرض من خلال استهداف المتظاهرين السّلميين والاعتداء عليهم؛ وبخاصة المعتصمين أمام قصر الاتحادية؛ فإن المصريين تحصّنوا بإرادتهم واعتصموا بالله وبُحبهم لوطنهم، وراهنوا على انحياز القوات المسلحة لمطالبهم العادلة، ورفضوا الخنوع.

 

ولم يستسلموا لدعايات الترهيب، فكان الخروج الكبير لملايين المصريين فى 30 يونيو، ثم كان إعلان الانتصار فى 3يوليو؛ ليَعبر المصريون حاجز الخوف، ويطأوا بأقدامهم كل تهديدات الإرهاب، وليقهروا حصون الجماعة الإرهابية التى حاولت الاحتماء بالحُكم وميليشيات العنف، وليستعيدوا بلادهم من براثن حُكم المرشد.

 

 تمامًا كما استعاد المصريون أرضهم فى 1973، فكان تحرير الأرض فى أكتوبر، معادلًا موضوعيًّا لتحرير العقل والإرادة فى 30يونيو.

 

وحدة المصريين

 

على مدى التاريخ كانت وحدة وتماسُك المصريين سلاحهم الأقوى لمواجهة الأزمات والتحديات، ويتجلى ذلك كلما تعاظم الخطر، وقد أدرك أعداءُ مصر أن المصريين لا يُهزَمون طالما كانوا متوحدين، مَهما كانت أحوالهم الاقتصادية والسياسية، ومَهما كانت عوامل الضعف بادية.

 

وإذا كان مصطلح "روح أكتوبر" قد شاع فى العديد من الأدبيات الثقافية والاجتماعية لتحليل تلك الحالة التى عاشتها مصرُ خلال معركة العبور، والتى رسخت ثقة المصريين فى أنفسهم، وفى قدرتهم على الإنجاز والبناء والنجاح فى تحويل التخطيط إلى واقع، والإدارة إلى هدف، والأمل إلى نتيجة؛ فإننا يمكن أن نتحدث أيضًا عن "روح 30يونيو".

 

وهكذا وجد المصريون أنفسَهم أمام لحظة توحد حقيقية وأمام هدف كبير ترنو إليه العيون، وتهفو نحوه الأفئدة، لا فارق بين فقير وغنى، أو ليبرالى ويسارى، متعلم أو أمى، رجل أو امرأة، شاب أو شيخ، خرجت الكتلة الصامتة المصرية عن صمتها، وجاهرت لتصنع التغيير.

 

 شاء البعض أن يُسَميها "حزب الكنبة"، وأراد البعض الآخر أن يطلق عليها "التيار العام"، لكنهم كانوا فى النهاية تجسيدًا على الأرض لتلك القوة الجارفة من ملايين المصريين غير المُسيسين، الذين انتفضوا من أجل استنقاذ بلادهم من أنياب جماعة إرهابية طائفية عنصرية.

 

فى تلك اللحظة كانت جموع المصريين بمثابة جيش العبور، المتماسك، القوى، المتوحد، وفى تلك اللحظة أيضًا تجلت روح أكتوبر، التماسك الشعبى، والثقة فى القوات المسلحة، المؤسّسة العسكرية الوطنية، جيش الشعب، الذى تساهم فيه كل أسرة مصرية، مُسلمة أو مسيحية، غنية أو فقيرة، من الريف أو الحضر، بنصيب من أحد أبنائها، فالجيش المصرى هو جيش المصريين، درعهم وسيفهم وقت الأزمات والتحديات.

 

الإرادة والإدارة

 

الإرادة والإدارة.. كلمتان قد تتشابه حروفهما، لكن لكل منهما وجه مختلف ومتطلبات خاصة، والجمع بينهما هو سر النجاح فى أى شىء، بداية من المستوى الفردى، وحتى بناء الدول، وتحديد مستقبل الأمم.

 

30 يونيو ثورة شعب استعادة هوية
30 يونيو ثورة شعب استعادة هوية

 

 وإذا كان المصريون قد اختبروا معانى الإرادة والإدارة فى الكثير من مواقف حياتهم فى الماضى والحاضر؛ فإن معركة العبور، وبناء دولة 30يونيو من بين اللحظات المضيئة التى ذاق فيها المصريون طعم هذيْن المصطلحيْن.

 

 فالإرادة السياسية والعسكرية لمحو عار الهزيمة، واستعادة الأرض وتطهير العِرض كانت فى أقصى درجاتها فى مرحلة ما بعد يونيو 1967، لكن تلك الإرادة الصادقة ما كان لها أن تتحقق على الأرض لولا الإدارة العلمية والواعية والتخطيط الدقيق لكل خطوات الدولة ومواردها، من أجل الاستعداد للمعركة، وفى الوقت ذاته إدارة شئون المجتمع وتلبية متطلباته فى ظل الاستعداد لمعركة التحرير.

 

ورُغم مرور 47 عامًا على حرب أكتوبر المجيدة؛ فإنها وإلى الآن تبقى لحظة مضيئة حقّا، امتزجت خلالها إرادة المصريين وقيادتهم، بإدارة ناجحة وحصيفة، استطاعت تحويل الحلم إلى حقيقة، ونجحت فى عبور المستحيل.

 

 فمَن يتأمل عملية إعادة بناء القوات المسلحة نفسيّا ولوجيستيّا، والتدريب القتالى الكبير الذى خاضته المؤسّسة العسكرية على مدى 6 سنوات، ورفع الكفاءة القتالية والنفسية للقوات المصرية، يُدرك بلا شك حجم الإدارة القوية التى وقفت وراء تلك العملية.

 

هذه العملية لإعادة ترميم الروح، وبناء القدرات كانت من بين الدروس المهمة التى وعتها القيادة المصرية التى تولت إدارة "دولة 30يونيو"، فقد أدرك الرئيسُ "عبدالفتاح السيسى" أن مصر التى خرجت من سنوات عجاف منذ 2011، فقدت فيها الكثير من قدراتها، وأنهكت الصراعاتُ والانقساماتُ الداخلية روحَها وجسدَها، بحاجة إلى إعادة ترميم للروح، وبناء للقدرات. 

 

كانت الخطوة الأولى التى اتبعتها القيادة السياسية استلهامًا جديدًا لروح أكتوبر العظيمة.. وكانت تلك الخطوة هى استعادة الأمل، فقد أدركت القيادة أن الهزيمة الحقيقية هى هزيمة الروح، لذلك سعت لإحياء روح البناء والتعمير والحضارة التى كان المصريون على مدى التاريخ رمزها وأيقونتها.

 

ومثلما كانت بطولاتُ المصريين فى حرب الاستنزاف والصمود البطولى لرجال القوات المسلحة جسرًا جديدًا لاستعادة الثقة بين الشعب والدولة، كانت المشروعات القومية الكبرى بداية لاستعادة ذاكرة الإنجاز، والانتقال من عبث الهدم، إلى جدية البناء.

 

وتجاوز دور المشروعات القومية الكبرى التى أطلقتها الدولة خلال تلك الفترة، ولاتزال مستمرة فكرة بناء الحَجَر، فهدفها الأعظم هو استعادة بناء البَشَر، وتحويل الطاقات البشرية التى تذخر بها مصر من حالة الإحباط والانهزامية، إلى استلهام روح البناء والتعمير.

 

 وربما يمكننا أن نضرب مثالًا واحدًا فى هذا الصدد بمشروع قناة السويس الجديدة، الذى كان بحق "مَلحمة وطنية" جديدة أعادت الثقة إلى النفوس، والطمأنينة إلى الجموع، واستعادت ثقة المصريين فى أنفسهم كبُناة للحضارة ورُواد للعُمران، بعد سنوات عجاف أرادها البعض عصرًا للفوضى والهدم وتخريب البُنيان.

 

وبينما كانت قناة السويس عائقًا عَبَرَه المصريون فى 1973 نحو النصر، كانت قناة السويس الجديدة فى 2014 جسرًا من أجل عبور ثانٍ نحو المستقبل.

 

وكانت استعادة روح العمل والتفانى من أجل المشروع الوطنى قاسمًا مشتركًا فى معركة المصريين، سواء خلال الاستعداد لمعركة العبور فى 1973، أو من خلال إعادة بناء وطنهم خلال السنوات الماضية.

حركة تنمية لا تهدأ بعد 30 يونيو
حركة تنمية لا تهدأ بعد 30 يونيو

 

أرض الإنجاز

 

أحدُ القواسم المشتركة أيضًا بين أكتوبر 1973، ودولة 30يونيو، تتجَسّدُ فى أرض سيناء الطاهرة، فإذا كانت سيناء شاهدة على معركة التحرير؛ فإنها تبقى شاهدة أيضًا على معركة لا تقل نُبلًا ولا ضراوة، وهى معركة التطهير والتعمير، التى تجرى فى مساريْن متوازييْن، وتوقيتيْن متزامنيْن.

 

 فحرب "التطهير" التى تقوم بها قواتنا المسلحة هناك كانت امتدادا لجيش العبور، وأبناء وأحفاد أبطال النصر، تستهدف تطهير أرض سيناء من أفاعى الجماعات الإرهابية والمتطرفة، التى استغلت تهميش وتجاهل سيناء لعقود فى أولويات التنمية، فسكنت رمال أرض الفيروز.

 

 وعندما ضعفت الدولة،  بعد 25 يناير 2011، ثم خلال حُكم "الإخوان"، خرجت تلك الأفاعى من جُحورها لتطفو على السطح، فى محاولة لتنفيذ مخطط الاستعمار القديم باقتطاع سيناء عن الجسد المصرى، وإقامة دولة داعشية على أرضها المقدسة.

 

وكما استبسل أبطال العبور فى أكتوبر 1973، وذابت تحت أقدام أحفاد أحمس ورمسيس الثانى قواعد خط بارليف الحصين كقطعة زُبْد تحت لهيب النيران، كان صقورُ مصر من أبناء إبراهيم الرفاعى، ورفاق أحمد المنسى بالمرصاد لخوارج العصر الحديث.

 

 وبفضل تضحيات أبناء الجيش والشرطة والشرفاء من أبناء قبائل "أرض الفيروز"  تطهرت سيناء أو كادت، ولم يتبق سوى جيوب محاصَرة فى الجبال ودروب الصحارى، تتلصص منها أفاعى الإرهاب، تسترق النظر وتنتهز الفرص للانقضاض فى محاولة يائسة لإثبات الوجود، لكن قبضة الأبطال دومًا تكون لهم بالمرصاد.

 

خطط شاملة وغير مسبوقة للتعمير
خطط شاملة وغير مسبوقة للتعمير

 

واستوعبت دولة 30 يونيو أخطاء الماضى، وأدركت أن غياب التنمية كان سببًا فى التهديد بضياع سيناء مجددًا، وأيقنت أن التعمير لا يقل أهمية عن التحرير والتطهير، فهو السبيل الأكثر استدامة للحفاظ على مصرية سيناء، والتصدى لمخططات الأعداء داخليّا وخارجيّا، لذلك بدأت حزمة من مشروعات التنمية غير المسبوقة فى مجالات البنية التحتية والزراعة والتصنيع.

 

 وأنفقت الدولة بحسب ما أعلن الرئيس "عبدالفتاح السيسى" مؤخرًا 600 مليار جينه على تنمية شبه جزيرة سيناء، وتضمنت المشروعات التى تم تنفيذها شبكات طرُق طولية وعرضية ومحطات مياه وتحلية وأنفاقًا، وكما قال الرئيس فإن إنفاق تلك المبالغ الطائلة فى توقيت بالغ الصعوبة على مصر والمنطقة، لا يستهدف تشييد بنية أساسية فقط، لكنه من أجل حماية الأمن القومى؛ لأن الأمن القومى لا يُقَدّر بمال.

 

رسم الجيش المصرى ملحمة الفداء بتطهير سيناء من الإرهاب بعد 30 يونيو
رسم الجيش المصرى ملحمة الفداء بتطهير سيناء من الإرهاب بعد 30 يونيو

 

وهكذا تمتد روح أكتوبر؛ لتتجسّد فى دولة 30 يونيو، روح ودولة تجيدان قراءة التاريخ، وفهم حقائق الواقع، تمتلكان الإرادة والإدارة التى لا تعبأ بالمستحيل، ولا تخشى اقتحام الخطر، ولا تتردد أمام اتخاذ قرارات صعبة، طالما كانت فى الاتجاه الصحيح.. هكذا نجح أبطال العبور فى هزيمة المستحيل بالأمس، وهكذا يبنى أبناؤهم وأحفادهم مستقبلهم بأيديهم اليوم.   

لا يوجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق