الجمعة 4 ديسمبر 2020
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

الممر والاختيار فتحا الباب أمام الدراما الحربية

ثلاث وسائل متاحة لصياغة وعى وطنى حديث

أفيش فيلم الممر
أفيش فيلم الممر

قبل عامَيْن فقط كان السؤال المزمن الذى يرافق الاحتفال بذكرى انتصارات أكتوبر، هو: متى تجسّد السينما من جديد بطولات تحرير الوطن؟، القصص لا تنتهى وما قدمته السينما فى السبعينيات ليس كافيًا، لا على مستوى المحتوى ولا على مستوى التقنيات التى تطورت بشدة وجعلت الجيل الجديد يتعامل مع الأفلام القديمة بأحكام لم تلجأ إليها الأجيال السابقة.



 

جا ء النجاح الطاغى لفيلم "الممر" ،ومن بعده مسلسل "الاختيار"ليذهب بالسؤال المزمن إلى الأرشيف، وتنسد أخيرًا الفجوة الزمنية التى جعلت أفلام أكتوبر من حيث الكم أقل  بكثير بالمقارنة بعظمَة وتاريخية الحدث، لكنَّ سؤالًا آخر خرج وفرض نفسَه بقوة، وهو: ما الذى ستقدمه السينما والدراما فى المَرحلة المقبلة حتى لا تعود الفجوة وتفرض نفسَها من جديد؟. 

أفيش فيلم الرصاصة لاتزال فى جيبى

 

لماذا توقفت أفلامُ أكتوبر كل هذه السنوات، وكيف، وبأى شكل عادت؟.. بشكل شخصى سعيدٌ أننى أكتب لأول مرّة عن هذه المناسبة وقد وجدت جديدًا أقوله، فمعظم الصحفيين الذين دخلوا مجال الصحافة الفنية منذ بداية التسعينيات نفذوا التحقيق القائم على السؤال منتهى الصلاحية المشار إليه فى المقدمة أكثر من مرّة، وربما كانوا يعيدون نشر التحقيقات كما هى فى كل سَنة مع بعض التغييرات، كانت التحقيقات تقوم على استعراض أبرز الأفلام ثم الاتصال بالمُخرجين والنقاد وسؤالهم عن أهمية تقديم أفلام جديدة ولماذا لا يحدث ذلك، غير أنه إحقاقًا للحق كانت هناك أفلامٌ جديدة فعلا؛ خصوصًا فى التسعينيات؛ لنقل إن الثمانينيات شهدت تراجعًا واضحًا بعد دفعة من الأفلام التى أعقبت الحرب فى سنوات ما بعد العبور، لكن فى التسعينيات بدأت العَجلة تدور من جديد لكن على استحياء أو بعيدًا عن أرض سيناء نفسها. 

 

 

 

لقطة من فيلم أبناء الصمت

 

 

حكايات الغريب

"تدور العَجلة على استحياء"، المقصود بها هنا أن الأفلام كانت قليلة ومتباعدة وافتقدت للطابع السينمائى ومعظمها كانت تليفزيونية، وأبرزها على الإطلاق "الطريق إلى إيلات"، الذى دار عن عملية إغراق المدمرة الإسرائيلية "إيلات" بعد أربعة أشهُر من النكسة، وتحديدًا فى أكتوبر 1967، أمّا بعيدًا عن أرض سيناء، فمثلا فيلم عظيم مثل "حكايات الغريب" لا يدور عن الحرب نفسها وإنما عن قصة سائق سيارة مؤسّسة صحفية مفقود خلال حصار السويس الذى أعقب العبور، على الخط نفسه أفلامٌ مثل "يوم الكرامة" الذى عُرض عام 2004 دار أيضًا فى معركة حربية لكن الفيلم نفسه لم يحقق أى نجاح، وفيلم "حائط البطولات" عن كفاح قوات الدفاع الجوى تم تعطيل عرضه لمدة 12 سنة، بالتالى بقيت أفلام السبعينيات هى المرتبطة بحرب أكتوبر وبأرض سيناء بشكل مباشر، وإن خرج عام 2016 فيلم بعنوان "أسد سيناء" عن بطولة أحد جنود المظلات خلال الحرب، لكنه فنيّا وعلى مستوى اختيارات الأبطال لم يحقق انتشارًا جماهيريّا. 

 

إذن الفجوة ليست ممتدة منذ نهاية السبعينيات حتى عرض فيلم "الممر"، تخللت تلك الفترة بعض الأعمال، لكن اعتبرت الفجوة طويلة ومستمرة قرابة ثلاثين عامًا؛ لأنه باستثناء "الطريق إلى إيلات" لم تظهر أعمال بها معارك حربية نجحت فى جذب انتباه الجمهور؛ خصوصًا الأجيال الأحدث. 

 

لماذا أركز مرّة أخرى على الأجيال الأحدث؟؛ لأن الأزمة لم تكن فقط فى أن أفلام السبعينيات قليلة ولم تغط كل البطولات، فحتى لو شهدت تلك الفترة إنتاج عشرين فيلمًا مثلا، لم يكن يعنى ذلك أن نخرج ونقول كفى أفلامًا عن حرب أكتوبر؛ لأن الكم لم يكن وحده المشكلة، بل الكيف، فمع تطور تقنيات صناعة السينما فيما يخص الجرافيك والمؤثرات الصوتية ومع استهلاك اللقطات الأرشيفية للحرب فى الأفلام الأولى، بات على صناع السينما إدراك أن الجمهور المولود بعد العبور بعَشر سنوات وأكثر نشأ على متابعة السينما الغربية التى تقدم أفلامًا حربية على أعلى مستوى وبتطور مستمر، بل إن ألعاب الحرب الإلكترونية التى يمارسها المراهقون على هواتفهم النقالة تقنياتها مرتفعة للغاية، بالتالى لا يستقيم أن تطالب شابّا فى العشرين من عمره يشاهد أفلام ستيفين سبيلبرج ويلعب بابجى، أن يتفاعل مع فيلم "الرصاصة لاتزال فى جيبى" إنتاج عام 1974، هذا الفيلم الجميل الذى أبدعه فنانون مصريون فى وقت قياسى ودخل قلوبنا فى حينه، يمكن أن يتابعه الجيل الجديد ليعرف الفرق بين كواليس إنتاج الأفلام زمان وكيف كان صانعوها يبذلون مجهودًا مضاعفًا من دون إمكانات الجرافيك، وبين الأفلام الجديدة التى تقدم بطولات مصرية لا تنتهى، هنا المعضلة أن الطرف الثانى فى المعادلة كان غائبًا، فتعرضت أفلام السبعينيات لانتقادات باطلة من هؤلاء الذين يطبقون معايير الزمن الحالى على أفلام أنتجها السينمائيون قبل 4 عقود مع أن كلّا من هذه الأفلام يحمل بداخله جماليات نادرة التكرار نتجت عن مصداقية شديدة تعامَل بها صُناعها فى ذلك الحين، فلم تكن النية تجارية أبدًا فى تلك المشروعات. 

 

بجانب "الرصاصة لاتزال فى جيبي"، كثيرون يَعتبرون "العمر لحظة" أحد أفضل أفلام الراحلة ماجدة الصباحى، الذى منح البطولة لأول مرّة للممثل المظلوم الراحل محمد خيرى، الفيلم الذى أكد أهمية الصحافة- الميديا بلغة هذه الأيام- فى دعم الجيش، وكيف تركت الصحفية المُحبة لبلدها الرافضة للهزيمة حياة السّهر والترَف لزوجها وقررت أن تعيش على الجبهة لنعرف منها ماذا يشعر الأبطال وكيف يعانون بين عطشهم للعبور والنصر وقلقهم على أبنائهم وأسرهم؛ خصوصًا فى حال استشهادهم. 

 

ثلاثية محمود ياسين

وبالعودة لمحمود ياسين، المُصَنَّف باعتباره البطل الأكثر تكرارًا فى أفلام الحرب، فهو تصنيف يستحقه، وأى مُخرج فى تلك المرحلة بالتأكيد كان يرى فيه نموذجًا للضابط والجندى المصرى بجانب آخرين بالطبع استحقوا هذا الشرف، قدّم "ياسين" فيلم "الوفاء العظيم" وفيلم "بدور"، وكلا الفيلميْن اهتم كثيرًا بإظهار حال الجبهة الداخلية ودعمها التام للجنود على خطوط القتال؛ لنعترف طبعًا أن الإمكانات الفنية لم تكن تسمح بتقديم فيلم حربى كامل كما شاهدنا فى "الممر" عام 2019، لكن القضية الأخرى كانت فى أن الشعب فى تلك المرحلة كان سعيدًا بالنصر بشكل كلى وأن البطولات الفردية لم تظهر إلا تدريجيّا، وهو ما سنتناوله بالتفصيل عندما نصل بعد قليل لما يجب أن تصبح عليه الدراما العسكرية فى المستقبل القريب.

 

فيلم "أبناء الصمت" لنور الشريف وميرفت أمين أحد الأفلام التى لا يمكن المرور عليه مرور الكرام، فقد عشنا من خلاله مع الجنود فى خنادقهم وكيف صبروا ست سنوات كاملة حتى يُمحوا عار هزيمة لم تحدث بسببهم، والفيلم استعرض أيضًا أن الحرب لم تكن ضد العدو فقط؛ وإنما ضد كل نفعى ومستغل داخل المجتمع، وهى بالمناسبة تيمة تكررت فى معظم أفلام حرب أكتوبر . 

 

دعونا لا ننجرف للأرشيف القديم كثيرًا، فكلنا نحفظه عن ظهر قلب، ونذهب إلى نقطة التحول الثنائية، التى فتحت الأفق من جديد لتقديم دراما عسكرية، سينمائية كانت أمْ تليفزيونية تناسب بطولات الجيش المصرى التى لا تنقطع، فإذا كانت القضية قد ظلت لسنوات طويلة تدور حول بطولات جيش أكتوبر، فمنذ 7 سنوات وأكثر يسطر أبناءُ أبطال العبور بطولات أخرى للحفاظ على الأرض التى حررها الآباءُ، لكن البطولات هذه المَرّة ليست فى حرب نظامية؛ وإنما حرب من نوع آخر مع جماعات تكفيرية هدفها زعزعة الاستقرار وتغيير معطيات السياسة.

 

يونيو 2019 كانت نقطة التحول الأولى، العرض الجماهيرى لفيلم "الممر" فى ذكرى نكسة يونيو، فيلم حربى فى سباق عيد الفطر هل ينجح؟!، فعلها فعلا ونجح وبقى فى دور العرض حتى موسم عيد الأضحى، ثم تم طرحه عبر منصة واتش آيت وبَعدها بفترة بسيطة عُرض تليفزيونيّا فى ذكرى حرب أكتوبر السادسة والأربعين، ليتابع المصريون والعرب لأول مرّة فيلمًا جديدًا عن حرب الاستنزاف وأيّا كان الجدل حول الفيلم وأداء الأبطال؛ فإن الاتفاق كان واضحًا حول أهمية التجربة والمستوى المرتفع للجرافيك والمؤثرات البصرية؛ لتبدأ بَعد ذلك بشهور نقطة التحول الثانية، التى تمثلت فى عرض مسلسل "الاختيار" عن بطولات الشهيد العقيد أحمد صابر منسى، الشهير بالأسطورة، الذى نال الشهادة فى يوليو 2017 فى معركة كمين البرث الشهيرة؛ ليفاجَأ الجمهور الذى كان ينتظر دومًا فيلمًا عن الحرب مدته ساعتان بمسلسل حربى مدته 22 ساعة، وأيضًا أيّا كان الجدل حول التفاصيل؛ فإن الحدث فنيّا ونفسيّا ترك أثرًا لا يمكن إغفاله وأغضب الكثيرين خارج البلاد الذين كانوا يمنون أنفسَهم بألّا تقوم السينما والدراما بالدور المنوط بهما من أجل رفع الروح المعنوية وتعريف الشعب ببطولات الجيش المصرى قديمًا وحديثًا. 

 

ماذا يجب أن يحدث إذن بعدما سدت الفجوة أخيرًا؟، فيلم ومسلسل فى عام واحد، من المفترض أن نتابع فى رمضان المقبل جزءًا جديدًا من "الاختيار"، لكنه سيكون مخصصًا لبطولات الشرطة المصرية حسب المتاح من معلومات، أى أن الطريق بات مفتوحًا، لكن هل يلتقط المبدعون الخيط وينسجون دراما مناسبة للمتغيرات التى شهدها الإنتاج الفنى فى السنوات الخمس الأخيرة.

بوستر مسلسل الاختيار

 

 

الوسائط المتاحة

دعنا نقول إن هناك ثلاثة وسائط باتت الآن متاحة، بعدما ظلت الحصرية للسينما قرابة أربعة عقود، الدراما دخلت على الخط، جهات الإنتاج بعد نجاح "الاختيار" لم تعد تخشى من تقديم ثلاثين حلقة دفعة واحدة، بل أتوقع زيادة المحتوى الحربى بالمقارنة بالمحتوى الاجتماعى داخل المسلسل نفسه، فى "الاختيار" على سبيل المثال كان ارتباط الجمهور أكبر بالمحتوى الخاص بالمعارك أو الذى كان يدور فى كواليس وحدات الجيش المصرى وليس منازل الأبطال، وهو أمرٌ بالمناسبة متعارف عليه فى السينما الحربية، أفلام مثل "إنقاذ الجندى رايان" و"1917" كل مَشاهدها تقريبًا فى أرض المعركة، الجمهور ليس فى حاجة ماسّة لمَشاهد الأبطال مع أبنائهم وعائلاتهم، لكن الدراما التليفزيونية ستحتاج المزيد من الوقت للخروج من هذه المعادلة، فيما السينما خرجت فعلا، والدليل أن فيلم "الممر" كانت 80 % من أحداثه على الأقل فى أرض سيناء، ولا يذكر الجمهور خارج ذلك سوى مَشهد السنترال ومَشهد البطل أحمد عز مع زوجته وجسّدتها هند صبرى، والمطلوب أن تسير الأفلام السينمائية على المسار نفسه فيما هو آت، وأن يتم اختيار قصص تناسب مدة الفيلم التى تتراوح ما بين 100 و 150 دقيقة، أمّا فى الدراما فالمهمة أصعب وهى أن تُملأ الثلاثين حلقة بأحداث حربية دون الحاجة للعودة للمُدن.  حسنًا، تكلمنا حتى الآن عن وسيلتيْن، السينما والدراما، فما هى الوسيلة الثالثة؟، قبل أن أذكرها أقول إنها بمثابة الهدية لصناع الدراما الحربية فى شكلها الجديد، منصات المُشاهدة المدفوعة مسبقًا وفى مقدمتها «اتش إيت»، تتيح لصناع الدراما  العسكرية مجالات أوسع للحركة، فمعظم مسلسلات تلك المنصات تقع ما بين 6 حلقات و15، والمتوسط الأكثر تكرار هو عَشر حلقات وربما أقل، وكل حلقة مدتها ما بين 40 و 50 دقيقة، أى أن العمل الذى لا تزيد حلقاته على عَشر سيشاهده الجمهور فى قرابة ثمانى ساعات، وهو ما يتيح تقديم معارك وبطولات لا يكفيها فيلم وفى الوقت نفسه لا تحتاج لمسلسل ثلاثين حلقة، كما أن المتابع من الجيل الجديد لا ينتظر موعد العرض الرمضانى يوميّا، بل قد يشاهد الحلقات متتالية فى جلسة أو جلستيْن على أقصى تقدير. 

بناءً على ما سبق، ونحن فى انتظار عدم عودة الفجوة مرّة أخرى، يمكن أن نقول من خلال هذا التحليل، إن النجاح الذى حققه فيلم "الممر" ومسلسل "الاختيار" فتح البابَ أمام عودة لا تنقطع للدراما الحربية، لكن هذه المرّة يجب على صناع الأعمال والمشرفين على تنفيذها من المختصين مراعاة أن تناسُب القصص المعروضة الوسائل الثلاث، فما يصلح للسينما قد لا يصلح للتليفزيون، وبالتأكيد هناك قصص تصلح للمنصات المدفوعة مسبقًا وحسب، وهى التى تدور حول بطولات لعمليات تحدث فى نطاق زمنى محدود، وليست ممتدة لأسابيع وشهور، إلّا لو خرج المسلسل على عدة أجزاء، وهو ما يمكن أن يحدث لو أقبل الجمهور على الجزء الأول بشغف. 

لا يوجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق