الجمعة 4 ديسمبر 2020
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

أحلام جمال حمدان لـ سيناء تتحقق على أرض الواقع

لم تكن أرضًا بلا صاحب

جمال حمدان
جمال حمدان

رُغْمَ موسوعيته التى تُبهر الباحثين حتى اليوم، لم يشعر الدكتور جمال حمدان (4 فبراير 1928 - 17 أبريل 1993) أنه فى موسوعته "شخصية مصر: دراسة فى عبقرية المكان" أعطى سيناء حقها من البحث والتحليل، رُغْمَ تخصيصه الفصل العاشر كاملا من موسوعته للحديث عن سيناء، فكان أن خصّص لها كتابًا مستقلا حمَل عنوان: "سيناء فى الاستراتيجية والسياسة والجغرافيا" صدر عن دار الهلال سنة 1993. 



 

آمن "حمدان" بأن "الجغرافيا هى تلك التى إذا عرفتها عرفتَ كل شىء عن نمط الحياة فى هذا المكان أو ذاك"، فربَط بين الجغرافيا والتاريخ والسياسة والطبيعة البشرية والاقتصاد، وذهب فى كتابه "سيناء فى الاستراتيجية والسياسة والجغرافيا" إلى أهمية سيناء الاستراتيجية، مؤكدًا أن "مَن يسيطر على فلسطين يهدد خط دفاع سيناء الأول، ومَن يسيطر على خط دفاع سيناء الأوسط يتحكم فى سيناء، ومَن يسيطر على سيناء يتحكم فى خط دفاع مصر الأخير".

 

طبيعى ألا يكفى باحثًا ذا نظرة موسوعية شاملة مثل جمال حمدان 90 صفحة خصّصها للحديث عن سيناء، مثلت الفصل العاشر فى موسوعته "شخصية مصر... دراسة فى عبقرية المكان"، فنظرته التاريخية والجغرافية والاستراتيجية لسيناء وأهميتها الاستراتيجية والأمنية بحاجة إلى بحث كامل مُفصّل، أو فلنكن مُنصفين ونقول: تحتاج أكثر من بحث.

 

انطلاقًا من إيمانه بأهمية سيناء التى لخّصها فى مقولته: "سيناء ليست مجرد صندوق من الرمال وإنما هى صندوق من الذهب"، درس "حمدان" فى كتابه عن سيناء "شبه جزيرة سيناء" من كل النواحى الطبيعية والبشرية والجيواستراتيجية وأهميتها الجغرافية والتاريخية والمناخية والنباتية ومواردها واقتصاديتها وهيكلها العمرانى وأقاليمها وخليجَى السويس والعَقبة.

 

وبأسلوب علمى متأدّب ذهب فى وصف سيناء لإثبات أهميتها الاستراتيجية كجزء من مصر قائلا: "تبدو سيناء كثقل مُعَلق، أو كسَلة مدلاة على كتف مصر الشرقى، فى أقصى الشمال، ولا تلتحم بها إلا بواسطة برزخ السويس".

 

ويُكمل فى وصف جغرافيتها الطبيعية: "سيناء ليست مجرد صندوق من الرمال كما يتوهم البعض؛ وإنما هى صندوق من الذهب مجازًا كما هى حقيقة استراتيجيّا، فنحن نعلم أنها كانت منذ الفراعنة مَنجم مصر للذهب والمعادن النفيسة".

 

 إفريقيّة أمْ آسيوية؟

 

بداية أجاب "حمدان" على سؤال طالما شغل الباحثين وشريحة غير قليلة من المصريين، وهو: هل سيناء إفريقيّة أمْ آسيوية؟

 

فقال: "لا مُبرّر لحيرة أو لتناقض، فسيناء على المستوى الطبيعى إفريقيّة أكثر مما هى آسيوية، وأكثر منها عربية، وفى هذا المفهوم فإن مصر تزداد آسيوية بالضرورة كلما اتجهنا شمالا بشرق، فالصحراء الشرقية أكثر آسيوية إلى حد ما من الغربية، وسيناء أكثر نوعًا من الاثنتين، ولكنها فى النهاية لا تزيد آسيوية ولا تقل إفريقيّة عن مصر، إنها بكل بساطة جزءٌ لا يتجزأ من مصر كما تذهب تذهب".

 

وعمّا وهب الله لسيناء من موقع متميز وسواحل متفردة قال "حمدان": "بلغ مجموع سواحل سيناء 700 كم من 2400 كم هى مجموع سواحل مصر، فسيناء (61 ألف كم مربع) تشكل 6.1% من مساحة مصر، وتستأثر بنحو 29.1% من سواحل مصر، لهذا ينخفض معامل القارية فى سيناء كثيرًا إذا ما قورن بنظيره فى مصر ككل، ذلك إن سيناء تمتلك كيلو مترًا ساحليّا لكل 87 كم2 من مساحتها، مقابل كيلومتر لكل 417 كم2 فى مصر عمومًا ".

 

مَن ينظر إلى سيناء يظنها صحراء جرداء تُصَفّر فيها الرياحُ، لكن الحقيقة غير ذلك تمامًا، فإذا بحثت فى سيناء عن الصحراء ستجد، وإذا نظرت للجبال ستراها بوضوح، وإذا بحثت عن زراعة ونباتات نادرة ستجد جنة نادرة لا مَثيل لها فى باقى بقاع الأرض، فثروات سيناء النباتية- حسب جمال حمدان: "تضم 527 نوعًا من الأنواع النباتية، رُبعها على الأقل لا وجود له فى أى منطقة أخرى".

 

وبَعد الحصر الدقيق حديثا للنباتات فى وديان سيناء، الذى أثبته الدكتور "حمدى هاشم" فى كتابه "البيئة وتنمية شبه جزيرة سيناء"، اتضح أنها تضم ما يزيد على 150 نوعًا من النباتات الطبية، تم تضمينها موسوعة للنباتات الطبية، من بين أكثر من 725 نوعًا من النباتات التى تنمو فى أنحائها المتفرقة، ومنها نباتات ذات قيمة غذائية  عالية.

 

أقدم منجم

 

عندما تحدّث جمال حمدان عن التعدين والثروة المعدنية فى سيناء، أوضح بما لا يدع مجالا للشك، أننا عندما نقف على أرض سيناء فإننا نقف على أقدم منجم عرفه تاريخ الإنسانية كلها لا التاريخ المصرى القديم فحسب.. ودلل على ذلك بما يتبقى حتى الآن من آثار وبقايا التعدين القديمة، التى تحمل لنا فى بعض المناطق ببوتقات وقوالب السّبك وكسر الرخام، من الذهب إلى الفيروز والنحاس، ومن المغارة إلى صرابيت الخادم .

 

وأخذ "حمدان" يرصد ويُعدد كنوز سيناء التعدينية التى تنتظر استخراجها من باطن الأرض؛ ليبدأ عليها نهضة صناعية كبرى، فشمال سيناء مخزن هائل لأكثر من 13 خامة معدنية وباحتياطات كبيرة: الرخام، والرمال الصفراء، والحجر الجيرى، والجبس، والطفلة ورمل السيلكون، والدولوميت، والفحم، والصوديوم، والكبريت.

 

أمّا جنوب سيناء فتحمل رمالها: الطفلة، والدولومايت، والجبس، والحديد، والمنجنيز، والمرمر، والبازلت، والبنتونايت، والكاولين، والرمل الأبيض.

 

وفى وسط سيناء ينتشر الرخام بأنواعه المتميزة، ويُقدّر الاحتياطى من تلك الخامات بنحو 9.5 مليون م3.

 

"أذن الأرنب" و"ذراع القط"

 

تحدّث "حمدان" فى صفحة 610 بالجزء الأول من كتاب "شخصية مصر" عن خليجَى السويس والعَقبة، أكبر وأهم ساحليْن يحيطان بسيناء، عن التركيبة الجيولوجية لكل منهما، وكيف أثرت على طبيعته الاقتصادية.

 

فقال: "خليج العقبة رُغم أنه أكثر تجانسًا فى عرضه العام؛ فإنه يضيق ويدق بوضوح عند الطرفيْن فى اختناقيْن كالعُنق النحيل، والواقع أن مدخل خليج العَقبة المخنوق إنما تمثل جيولوجيّا قواطع عارضة، لذا فإن السويس خليج بحرى أكثر انفتاحاً، فى حين يبدو العَقبة كبحر شبه مغلق، ويتلخص هذا كله فى الشكل العام؛ حيث ترسم خليج العَقبة أذن الأرنب الطويلة تقريبًا، بينما السويس أقرب إلى ذراع القط  الممدودة".

 

ثم تحدّث شارحًا كيف أثر التركيب الجيولوجى لكل خليج على ثروته: "خليج السويس خليج بترول غنى أرضًا وماءً، بينما خليج العَقبة خليج جاف بتروليّا، ولا شك أن هذا الفارق يفسر بعض مَظاهر الاختلافات البشرية والعمرانية على شواطئ الخليجيْن وفى مياههما، ولو أن الفارق التاريخى والبشرى الحاسم إنما- يقينًا- من تفرد خليج السويس بقناة ملاحة الشرق-الغرب العظمى- فكان شريانًا عالميّا؛ حيث ظل العَقبة منزويًا كزقاق مغلق مظلم شبه مهجور، وأنه بدأ يتحول مؤخرًا إلى حارة أو عطفة محلية لأسباب طارئة عابرة غالبًا".

 

نبّه "حمدان" منذ الثمانينيات إلى ضرورة تعمير سيناء لتأمينها، ورأى أن سيناء قد تحولت من عازل استراتيجى إلى موصل للخطر.. وانتبه إلى أن الفراغ العمرانى بسيناء جعلها مطمعًا للآخرين، وخطر يهدد الأمن القومى، ورأى أن: "الحل الوحيد لذلك هو التعمير واستغلال ثرواتها، فى إطار تخطيط استراتيجى يربط سيناء بالوادى، ولا يفصلها عنه أبدًا".

 

بَعد كل ما قدّمه من وصف وشرح ورصد لسيناء وكنوزها، وضع "حمدان" عدة توصيات ونصائح لما يجب أن يتم بخصوص سيناء.

 

اقترح "حمدان" أن تتم إقامة ساحل زراعى فى شمال سيناء، والتركيز على التعدين غربًا، والرعى شرقًا، كما رأى أنه يجب أن تتم توسعة قناة السويس وتحويلها لطريق مزدوج للتغلب على ظاهرة السّفن العملاقة، كما كان أول من اقترح إنشاء أنفاق أسفل قناة السويس لربط سيناء بالدلتا.

خريطة لسيناء
خريطة لسيناء

 

 

أمن قومى

 

لقد شكّلت مسألة ربط سيناء بالدلتا أولوية لدى دكتور جمال حمدان، وهى كذلك لدى المفكرين وصُناع القرار فى تاريخ مصر المعاصر، فمن المعلوم أن جهودًا تبذل على طريق ربط سيناء بالوادى عبر العديد من المشروعات التنموية الكبرى وفى مقدمتها قناة السويس الجديدة ومحور تنمية قناة السويس، وترعة السلام.. كل هذه المشروعات بجوار بُعدها الاقتصادى، تشكل فى حقيقة الأمر مسألة أمن قومى، فالحرب على الإرهاب لا تقتصر فقط على الجانب الأمنى؛ وإنما لها بُعد تنموى، لن يتحقق إلا بالمزيد من المشروعات الزراعية والصناعية والسياحية وتوطين المزيد من المواطنين، فتركُ هذه المساحة الكبيرة ذات الإمكانيات الاقتصادية الهائلة بهذه الكثافة السكانية الضئيلة (إجمالى عدد السكان فى سيناء فى أول عام 2016 قُدّر بنحو (615633) نسمة، أى 0.7% من إجمالى سكان مصر)، لذا تعمل الدولة بقوة على مَد طرُق وسكك حديدية بين الدلتا وسيناء، وتشجع الاستثمار فى سيناء وتبنى الجامعات والمشاريع السكنية والسياحية؛ دعمًا لاقتصادنا ولأمننا القومى.

 

من بين المقترحات التى قدّمها جمال حمدان لربط سيناء بالوادى والدلتا منذ ما يزيد على أربعة عقود، توصيل مياه النيل أسفل قناة السويس عبر صحارى خاصة من ترعة الإسماعيلية.. وعن هذا المشروع تحدّث فى صفحة 55 من الجزء الأول من كتاب "شخصية مصر": إنها فكرة قديمة، وقد تحققت مؤخرًا.. وبها عاد قطاع من سيناء كما كان فى القديم جزءًا من حوض النيل، وكانت خطة المشروع زراعة 50 ألف فدان فى غرب سيناء، يمكن التوسع فيها مستقبلا لتشمل استصلاح سهل الطينة، كما يمكن مَده ليتصل بوادى العريش نفسه مباشرة أو حتى عن طريق وادى الحاج ووادى بروك، وهناك تقديرات مليونية لإمكانيات التوسع إذا تحققت فستنقلب الصورة تمامًا".

 

تحقق حُلم عبور مياه النيل إلى سيناء، متمثلا فى "ترعة السلام"، التى تهدف إلى إضافة 620 ألف فدان إلى الرقعة الزراعية، بواقع 220 ألف فدان (مرحلة أولى) غرب القناة، و400 ألف فدان (مرحلة ثانية) شرق القناة، على أرض سيناء.

لا يوجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق