الجمعة 30 أكتوبر 2020
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
لماذا غضب الرئيس فى الإسكندرية؟

لماذا غضب الرئيس فى الإسكندرية؟

فى الإسكندرية تكلم الرئيس عبد الفتاح السيسى بنبرة غضب.. مع أنه قليلا ما يغضب الرئيس 



 

الرئيس السيسى عنده حق.. فالتعديات على أراضى الدولة أصعب من مشكلة سد النهضة  عنده حق يغضب الرئيس.. فالدولة لا يمكن أن تعمل وحدها.. ولن تنتج وحدها.. ولن تمارس التنمية وحدها 

 

المجتمع له دور.. والأفراد.. والمواطن عليه التزامات هو الآخر.. لكن أغلب مشاكلنا اجتماعية.. وموضوع التعديات عبارة عن أزمة كبيرة ساهم فيها المجتمع

 

بعضهم يتكلم عن حقوق شخصية.. بينما يستبيح الحقوق العامة. بعضهم تتعارض سلوكياته مع هيبة الدولة.. مع أنه هو نفسه المواطن الذى يعود ويطالب بسلطة الدولة! 

 

لا أحد يعرف لماذا يستبيح بعضهم هيبة الدولة وسلطاتها؟ لماذا أدمن بعضهم محاولات التحايل على هيبة الدولة.. وعلى سلطة الدولة.. تحت أى منطلق يحاول بعضهم أن يلغى سلطان الدولة.. ويلعب به.. ويتقاذفه مع آخرين.. كأنه نرد فى لعبة طاولة.. أو قطع دومينو؟ 

 

(1)

زادت التناقضات الاجتماعية بعد 2011.. بدأ أغلبنا يتكلم عن القانون.. وسلطة القانون.. وسلطان القانون.. ثم فجأة بدا أن هؤلاء نفسهم هم الذين يرفضون القانون.. وقوة القانون.. وهم أنفسهم الذين يتأففون من قرار الدولة فى استعادة هيبتها بعد فوضى 2011!! 

منذ سبعينيات القرن الماضى وجرعات التناقضات الاجتماعية تتزايد.. وتتوغل.. حتى تحولت التناقضات إلى سلوكيات عامة.. وحتى أصبحت صياغات غير مشروعة.. لكنها مقننة. 

 

منذ السبعينيات والمواطن المصرى لا يكف عن ترتيب حقوق له على الإدارة فى حين أن نفس المواطن هو الذى يغض الطرف عن التزاماته تجاه الإدارة.. فبدأت تلك الالتزامات تتضاءل.. وتتصاغر.. حتى قاربت على التلاشى والاختفاء! 

 

ساهمت 2011 كثيرًا فى تسخين معادلات التناقضات الاجتماعية.. فأسفرت المعادلة فى آخرها عن تجاوزات وأنامالية.. ومحسوبية.. وفساد مقنن.. ثم ظهر المواطن السوبر مان. 

 

يعنى إيه مواطن سوبر مان؟ 

السوبر مان هو المواطن الذى يدعو للقانون.. ولا ينفذه. والسوبر مان هو المواطن الذى يدعو للعدالة والحرية.. بينما هو نفسه الذى يبدأ فى الصراخ على مواقع التواصل لو تعارضت العدالة مع مصالحه.. أو لو تصادمت حريته الشخصية مع النظام والقانون. 

 

(2) 

أزمة التعديات على أراضى الدولة والبناء بدون ترخيص أو البناء على أرض زراعية ليست مشكلة طوب وأسمنت وأعمدة مسلح. 

 

لأ.. أزمة التعديات مشكلة اجتماعية فى حاجة إلى دراسة.. وفى حاجة إلى تبرير دوافع. 

 

أزمة التعديات مشكلة مجتمع يرى كثيرون فيه أن كل حق تم اكتسابه خلال 40 عامًا مضت.. قد حصنه الزمن وأكدته الأيام. الأزمة فى بعض من يرى أنه لابد من اعتراف الدولة بما اكتسبه المواطن من حقوق.. حتى ولو أن هذه الحقوق غير مشروعة.. وحتى لو تعارضت مكتسبات المصلحة الشخصية مع الصالح العام. 

 

أزمة التعديات إشارة مهمة إلى رغبات اجتماعية فى الاستحواذ على كل ما يمكن الاستحواذ عليه.. ولو دون وجه حق.. وهى إشارة أيضًا إلى مشاعر عامة بالاستحقاق دون أى التزام نحو المجتمع.. أو أى التزام نحو الآخرين. 

 

صحيح كانت الدولة فى عصور سابقة جزءا من تلك المشكلة، لأنها أهملت العشوائيات.. وغضت الطرف عن المخالفات.. وأدارت وجهها للتجاوزات.. لكنها لم تكن غلطة الدولة وحدها. 

 

إن جيت للحق.. فقد ساهم المواطن نفسه بنسب كبيرة فى إيجاد المشاكل التى تواجه دولة 30 يونيو الآن. كان المواطن جزء من الأزمة.. وجزءًا من المسئولية عن اضطراب المفاهيم.. وكان المواطن جزءًا أساسيًا فى اللخبطة فى المعايير التى تعمل الدولة على مواجهتها الآن. 

 

رسخ بعضهم فكرة غياب الدولة عن تنفيذ القانون.. ثم تضرر هؤلاء لما جاءت دولة 30 يونيو لتفرض القانون! 

 

بنى المواطن على أراضى الدولة مستغلا غضها النظر عن المخالفات. اشترى بعضهم أبراجًا مشيدة، بتراب الفلوس.. مستغلا إهمال الدولة فى السابق للحساب.. أو مستبعدًا محطات العتاب. 

 

ولما استفاقت الدولة بعد 30 يونيو.. وقف المواطن فى مواجهتها.. يرفض ساعة الحساب!!

 

(3) 

مشاكلنا اجتماعية بامتياز.. لذلك فإن تحليل كثير من أزماتنا وعلاجها فى حاجة إلى متخصصين فى علم الاجتماع.. لا دكاترة فى علم الاقتصاد.

 

أكثر تناقضاتنا تظهر فى المطالبات الشعبية بدولة القانون.. ودولة المؤسسات.. ودولة الإصلاح.. كل هذا بشرط غض دولة القانون النظر عنى وعن نطاق مخالفاتى.. أو محيط تجاوزاتى. 

 

هو لسان حال كثيرين فى الشارع.. بعضهم ينشد قوة الدولة وهيمنتها وصرامتها.. لكن بعيدًا عن دوائره الشخصية.. أو بعيدًا عن محيطه! 

 

لذلك تظهر من آن لآخر علامات التناقض الرهيب فى أذهان بعضنا بين مفهوم مسئولية الدولة تجاهه.. وبين مفهوم التزام المواطن من جانبه تجاه الإدارة والمجتمع والنظام العام. 

 

خذ مثالًا بالمساكن البديلة المدعمة لسكان العشوائيات.. فى الأسمرات (1) عرض كثيرون من (أصحاب الاستحقاق فى سكن كريم).. سكنه الكريم.. للإيجار من الباطن! 

 

ليست الأسمرات وحدها.. إنما فى مناطق أخرى.. وفى محافظات عدة.. اكتشفت الحكومة بورصة تجارة لبيع مساكن مدعمة بواسطة مواطنين حازوها بلا مقابل! 

 

تناقضاتنا الاجتماعية هى التى غيرت مفهوم الحق.. وغيرت أيضا مفردات ذهنية المجتمع عما تعنيه الحرية.. أو ما تحتمه المسئولية. 

 

 لذلك.. ففى أزمة التعديات بدأ أن بعضهم متوقع أن تبدأ الدولة فى الإصلاح منطلقة من بعد ما اكتسبه المواطن من حقوق غير مشروعة.. لا من قبلها!! 

 

لا تقام الدول على حقوق مكتسبة غير مشروعة للمواطن.. ولا تنجح الإصلاحات إذا كان مفهوم المواطن عن الإصلاح أنه مجموعة من الإجراءات يجب أن تشمل الغير.. لا أن تشمله هو الآخر! 

 

نبرة غضب الرئيس السيسى فى الإسكندرية لها ألف مبرر ومليون سبب. فالدول لا تعمل وحدها.. وإذا كنا بعد 2011 قد تيقنا من أننا فى حاجة إلى دولة قوية.. فإن أولى سمات الدول القوية قدرتها على فرض هيبة القانون.. وقدرتها على ترسيخ عمل المؤسسات.. وفى قدرة تلك المؤسسات على السيطرة. 

 

أولى سمات الدول القوية قدراتها على ردع المخالفين، واستعادة الزمام من تجار الوطن وسماسرة الشعارات.. والمتربحين من الأزمات.. والخارجين على القانون.. تماما كما أن أولى سمات الدولة القوية هى الشروع فى البناء.. وإتمام التنمية. 

 

لذلك فإن قدرة الدولة على الاستمرار فى البناء السليم والتنمية الحقيقية تنبع أيضًا من إيمان المواطن بنفاذ سلطة الإدارة.. ومن إيمان المواطن بأنه كما له حقوق على الأرض.. فإن عليه التزامات هو الآخر. 

 

صحيح.. الفرق بين أزمة التعديات وبين مشكلة سد النهضة أن الاخيرة واضحة ظاهرة.. بينما التعديات مشكلة خبيثة باطنة ومتوطنة. 

 

الكلام صحيح.. وجد.. وحقيقى.. إذ كيف تقوم دولة التنمية بينما هناك منا من يعمل ضد القانون؟!، وبينما منا من يمارس حقًا مكتسبًا فى البناء العشوائى.. غير المرخص.. وعلى أراض ليست ملكه؟  السؤال اللافت: من أين أتى بعضهم بالجرأة على أن يبنى بيوتا لله على أراض مغتصبة؟! السؤال فى حد ذاته.. معضلة كبرى!  

لا يوجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق