السبت 13 أغسطس 2022
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

ليالى عرابى فى «القبيصى»

 ذاع صيته فى ربوع القاهرة وبين فتوات مناطقها، فقد اشتهر بقوته البدنية وجرأته وقوة نفوذه الذى وصل حد أن خضع له فتوات الحى والأحياء الأخرى.



كان أحمد عرابى فتوة الحسينية نصيرًا للغلابة رافعًا سلاحه "النبّوت" لاسترداد كل صاحب حق حقه وفض المنازعات بين المتنازعين..

كان "عرابى" الذراع اليُمنَى لخاله الفتوة "إبراهيم عطية"، وهو واحد من أشهَر فتوات الحسينية، ورث منه الشجاعة والجرأة والإقدام، حتى صار الرجل الأول بين رجال "خاله". 

مهارات متعددة

تميز عرابى بمهارة الضرب بـ"الروسية" للخصم وقدرته على استخدام "النبّوت" فى المعارك، ووصلت مهاراته إلى مقدرته على إغلاق شارع وضرب كل من فيه بالكامل، وهو الأمرُ الذى ساعد "خاله" فى تحدّى فتوات باقى الأحياء وإخضاعهم لسيطرتهم. 

حينما قرّر خاله "إبراهيم عطية" فتوة الحسينية، التخلى عن "الفتونة" فى أوج مجده، حمل رجال خاله مع الحرافيش "عرابى" على أعناقهم معلنين أنه الفتوة الجديد، الذى سيساعد الفقراء ويقف فى وجه الظالمين. 

وصفته الصحافة المصرية فى تحقيق لها عام 1959 بأنه "أشرس فتوة عرفته المحروسة، فى تاريخ الفتونة، قوى البنية شديد البطش منذ صباه، غليظ القلب، إلا أنه كان رحيمًا بالضعفاء، وينصر المظلومين".

سجل "عرابى" ملىء بالمعارك الطاحنة التى نتج عنها قتلى وجرحى، إلى جانب هلاك فى الأموال والممتلكات".

نصَّب "عرابى"  نفسه بقوة "نبوته" حكمًا لحل النزاعات بين المتخاصمين وصار حُكمه نافذًا فى أى قضية يتدخل لحلها حتى وإن قال القضاء الطبيعى كلمته فيها، حتى تحولت "قهوته" فى الحسينية لمنصة يلجأ لها الجميع. 

كان لـ"عرابى" خصمٌ قوىٌّ هو الفتوة "أحمد الأسيوطى" فتوة "القبيصى"، وهو شخص ذو قوة بدنية هائلة، يلتف حوله مجموعة من الفتوات المخلصين له على رأسهم "جمعة عمر" وشقيقه "عيد عمر". 

وقع أول صدام بين "عرابى والأسيوطى" فى فبراير 1929.

فقد كان "عرابى" على علاقة بسيدة فى منطقة "حى البركة" تسمى "عيشة الإسكندرانية"، وكانت تخشاه فخضعت له بعض الوقت إلا أنها سرعان ما هجرته لصالح رجل آخر اسمه "ونيس"، الأمر الذى أشعل نار الغيرة فى صدر "عرابى" فقرر استعادتها، فجمع رجاله وهاجم مقهى "ونيس" وحطمها تمامًا. 

بالمقابل لجأ "ونيس" صاحب القهوة المحطمة إلى الفتوة "أحمد الأسيوطى" الذى وفّر له الحماية من بطش "عرابى"،  الأمر الذى أضمره فى نفسه مقررًا الانتقام مما فعله "الأسيوطى". 

كان أحمد الأسيوطى قد أقلع وتاب عن الشجار والفتونة، وارتدى زى الأفندية وعاش حياة هادئة، فما كاد الأسيوطى يخرج من باب بيته حتى انقض عليه أحمد عرابى ورجاله وضربوه بالعصى والنبابيت، حتى وصل البوليس.

 وكان يوم العاشر من يوليو 1929 موعد النظر فى قضية مشاجرة أحمد عرابى أمام محكمة الأزبكية، فاحتشد فى فناء المحكمة أعوان "عرابى" وأنصاره.

وتأجلت القضية لجلسة أخرى، فخرج "عرابى" على رأس رجاله إلى منطقة بولاق، وجلسوا على ضفة النيل يرسمون خطط الهجوم على حى "القبيصى" والتنكيل بأحمد الأسيوطى.

وكانت الساعة الثانية بعد الظهر عندما وصلوا الحى، وكان أحمد الأسيوطى غائبًا، ولم يكن موجودًا من فتوات الحى سوى "جمعة عمر" وشقيقه "عيد عمر" فتهشم  رأس جمعة وأغمى عليه، أمّا "عيد عمر" ففقد عينه.

مقهى الميدان

مثل مقهى "عرابى" إحدى المحطات المهمة فى رحلة أديب "نوبل" نجيب محفوظ، فقد كان واحدًا من مرتاديه، فى فترة صباه؛ حيث تعوَّد على الذهاب لهذا المقهى يوم الاثنين من كل أسبوع، فقد كان يسكن فى منطقة "بين الجناين" بالعباسية، ويذهب إلى المقهى ليلتقى أصدقاءه "على أحمد باكثير، يوسف جوهر، محمد عفيفى والفنان أحمد مظهر". 

لعب "عرابى" دورًا فى العهد الملكى فى انتخابات مجلس الأمّة، فقد كان يتودد له رجال السياسة والباشوات لنيل رضاه وكسب وده، كى ينالوا دعمه وأصوات المناطق التى تخضع لسيطرته، وهو الأمر الذى رواه  "محفوظ"، فقد كان لدى "عرابى" صديق وفدى ترشح على مبادئ الوفد، إلا أن قيادات الحزب اختارت والد المخرج كمال سليم، ليكون مرشحًا للحزب فى الانتخابات.

ابتكر "عرابى" حيلة لا تخطر على بال أحد لدعم صديقه "البنان"، فعندما قرر سعد باشا زغلول أن يذهب إلى منطقة الحسينية لحضور مؤتمر جماهيرى لدعم والد كمال سليم، أحاط رجال عرابى بسيارة زعيم الأمة، وحملوه على الأعناق، ثم اتجهوا بسيارته إلى سرادق البنان، بدلًا من سرادق والد كمال سليم.

فاعتقد أهالى الحى أن سعد باشا جاء لدعم "البنان"، الذى ذهبت إليه أصوات الجماهير، ونجح "البنان" فى الانتخابات وصار عضوًا فى مجلس النواب، بفضل فتوة الحسينية.

كان "عرابى" غيورًا على أبناء منطقته، ومستعدًا للموت من أجلهم وخوض المعارك الدامية لرد اعتبارهم، وحفظ كرامتهم. وما روى عنه أن شابّا من منطقته اسمه عبدالحليم البرى، ابن أحد الجزارين جاء شاكيًا له أنه تعرض للضرب على يد " أحمد الأسيوطى" فتوة منطقة القبيصى، أثناء مغازلته إحدى فتيات الحى التابع له.

اعتبر "عرابى" أن التعدى على أحد أبناء منطقته إهانة شخصية له، فقرر شن حملة لتأديب "الأسيوطى" فتوة القبيصى، فأمر بجمع رجاله وتسليحهم بالسيوف والعصى، وأحضروا عربات وشحنوها بالحجارة والزجاجات وانقضوا على حى القبيصى فدمروه، ثم أطاح بعين أحد رجال "الأسيوطى"، الأمر الذى استدعى تدخّل البوليس لفض الاشتباك، وتم القبض عليه وتغريمه 4 آلاف جنيه.

وفى العام التالى، قرر "عرابى" شن حملة تأديب جديدة، لرجال الأسيوطى، فأمر بجمع رجاله المسلحين بالسيوف والخناجر والحجارة، ودارت معارك شرسة، جرد على إثرها "عرابى"، الكونستابل الإنجليزى من ملابسه.

وذهب الضابط الإنجليزى عاريًا إلى  مقر وزارة الداخلية، فأمر "هارفى باشا" حكمدار القاهرة، بشن حملة على حى الحسينية، وتمكنت من ضبط فتوتها أحمد عرابى، وضربوه ضربًا مبرحًا، وتم سجنه لمدة عام، خرج بعدها شخصًا آخر. 

انتهت أسطورة أحمد عرابى، الذى ظل تحت المراقبة فترة طويلة، حتى ضاق الحال برجاله من فتوات الحسينية،  فاضطروا إلى مغادرة الحى إلى منطقة المدبح بالسيدة زينب، ليتحولوا إلى جزارين. 

وبعد عام من الواقعة فى الثلاثينيات، قررت المحكمة إلغاء نظام الفتونة، ثم أعقب ذلك قرار من  دار الفتوى بالقضاء عليها باعتبارها "فتوة شيطان". 

فى نهاية حياته، نهش المرضُ جسد عرابى القوى، فاكتفى بمتابعة المقهى الخاص به فى منطقة ميدان الجيش، إلى أن توفى، وباع أبناؤه المقهى فى سبعينيات القرن العشرين.

لا يوجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق