الأربعاء 23 سبتمبر 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
وليد طوغان
عراب الشر فى ليبيا !

عراب الشر فى ليبيا !

فى قصة للأديب العالمة ديستوفسكى أن شابًا دخل محراب المعبد وكسر كل صور القديسين والقديسات ومزق الأيقونات المقدسة.. ثم أطفأ الشمعات. 



عاد الشاب فى اليوم التالى، ووضع مكان القديسين صورًا لملاحدة.. ووضع على الأرفف مكان الكتب المقدسة.. كتبًا للجن والشياطين، والسحرة.. و"عرابون الشر".. ثم أعاد إضاءة الشمعات!!

للقصة دلالة.. ومغذى إذ إن من البشر من يخرج من عالم اليقين.. لعالم الخرافات.. بنفس اليقين.. وإن هناك منهم من يغادر عوالم الحقيقة.. مغيبًا.. إلى دوامات الخرافات.. وحكايات الجن.. والعفاريت المجنحين والجنيات ذات العيون السبع. 

( 1 ) 

يسقط محللون حكاية بطل قصة ديستوفسكى على مواقف حكومة الوفاق فى ليبيا.. منذ اتفاقية الصخيرات للآن.. خرجت حكومة الوفاق من الصخيرات معترفًا بها على ثلاثة أسس: 

أولا: الحفاظ على وحدة الأراضى الليبية وسلامتها من أى محاولة تفتيت أو تقسيم. 

ثانيا: السماح بتمثيل كافة أطياف الشعب الليبيى السياسية، استعدادًا لإعداد خريطة سياسية توافق الجميع بعد عواصف شهدتها ليبيا بعد سقوط معمر القذافى. 

ثالثا: كانت أولى مهام الوفاق إقرار ودعم المؤسسات القانونية والدستورية على الأراضى الليبية، كأساس لانطلاق دولة جديدة بدستور منظم. 

لم يأت إذا فايز السراح على رأس حكومة الوفاق بقوة الدفع أو بقدرة الحق المكتسب.. لم تتشكل حكومة الوفاق بحقوق مكتسبة.. كما أنها لم تأت تبعًا لمراكز محتكرة مكتوبة باسم من يتولاها.. إلى أن يشاء الله. 

لم يحصن اتفاق الصخيرات أفراد حكومة الوفاق.. فالاتفاقات لا تحصن الأفراد.. إنما تحصن الاتفاقيات المبادئ العامة التى تقوم لأجلها الحكومات. 

لذلك كانت حكومة الوفاق وفق ما كانت مفترضًا أن تعمل عليه خطوة فى الطريق لبداية حلول مرحلية لإنهاء الأزمة الليبية. 

لكن الذى حدث كان العكس.. فقد زادت حكومة السراج من الأزمة فى ليبيا.. وفرقت أكثر ما جمعت.. وقتلت أكثر ما أحيت.. ثم حاولت الاحتكار كعادة الإسلاميين.. ولما ضاق الخناق.. أتت بالأتراك.. لتعزيز تواجدها.. ودعم تقسيم البلاد!! 

( 2 )

  وفق اتفاقية الصخيرات لم تكن الوفاق حكومة مطلقة الأيدى.. إنما ضمنت الاتفاقية عدة آليات دستورية للرقابة على الحكومة.. وحددت مساراتها فى التعامل على الساحة السياسية والدولية. 

كانت رقابة البرلمان الليبيى على قرارات الحكومة.. خطوة أولى لضمان بداية عملية ديمقراطية حقيقية تخرج البلاد من حروب العصابات.. ومحاولات سيطرة إرهاب الإخوان. 

شهور من اتفاقية الصخيرات وسقطت الوفاق.. ظهر أن أفعوانات داخل الحكومة بدأوا إقرار مخططات سيطرة إسلامية على الحكومة وعلى أراضى ليبيا كلها.. بدا أيضًا تعاون واضح بين الوفاق وبين كبريات كيانات الخراب فى الشرق الإوسط.. من أنقرة المستعدة للدعم بالسلاح والمرتزقة.. إلى إمارة صغيرة اسمها الدوحة على استعداد مستمر للدفع بالأموال.. لإتمام أى موجة من ما يسمى بربيع العرب. 

سقطت شرعية حكومة الوفاق، بعدما انتزعت نفسها من الليبيبن، وانفصلت عن البرلمان، واستقلت بقرار ليس قرارها.. وأراضٍ هى ملك لدولة وطنية.. ليست حكرًا على رئيس حكومة. 

بعد شهور من اتفاقية الصخيرات، تبين أن الاتجاه داخل تلك الحكومة معاكس للروح الوطنية فى البلاد. 

لم تعكس اتفاقية غير قانونية للدفاع المشترك بين أنقرة وحكومة السراج فقط إقرار خطة تركية للمناورة على الجانب الآخر فى المتوسط.. إنما عكست أيضًا وضع حكومة أصبحت وحيدة فى مواجهة شعبها. 

لم يبق فى حكومة الوفاق بعد خروج كل ممثلى القوى الوطنية من مكاتبها سوى فايز السراج رئيسًا لحكومة بلا حكومة.. وفتحى باش أغا.. وزيرًا للداخلية، بينما هو فى نفس الوقت راعى ميليشيات مسلحة مستوردة من تركيا.. ومهندس لحرب العصابات. 

( 3 ) 

تبين بعد غموض أن فتحى باش أغا كان وراء الفضيحة الدولية المدوية التى فجرها ظهور الفرنسى ليفى برنار داخل الأراضى التابعة للوفاق. 

اتضح أن برنار نزل ضيفًا على باش أغا.. وبدعوة منه. نزول برنار عراب الشر.. ومهندس تقسيم البلدان العربية.. وصانع الثورات ضد مؤسسات الدول.. وضد أى محاولة سلام.. أو اتفاق.. أو ضد أى بوادر استقرار.. كان إشارة إلى أن الضعف الذى قيد حكومة الوفاق.. دفع من جانب آخر إلى محاولة تصعيد فى حرب عصابات جديدة.. إما لكسب مزيد من الوقت.. وإما لإشاعة مزيد من الفوضى. 

ليفى برنار هو مهندس فوضى العراق.. وهو مهندس القلاقل فى أفغانستان وباكستان.. وسوريا.. وهو أيضًا رأس الأفعى فى محاولة هدم الدولة المصرية فى 2011. 

ظهور برنار وسط تحركات دولية لفرض الحل السياسى فى ليبيا.. وبعد الإنذار المصرى بخطوط حمراء.. فى محاولة لوضع الخيار السياسى محل الخيارات العسكرية ليس فقط لافتًا للنظر.. إنما ظهور برنار فى ذلك التوقيت دليل دامغ على أن أطراف الشر فى الجانب الليبيى لا تسعى إلى حلول.. ولا تعترف بالسياسة. 

نفى حكومة الوفاق علمها دخول برنار إلى أراضيها ثم اضطرارها للاعتراف بدخوله بتأشيرة حكومية دليل على أن أوضاعًا معقدة ونزاعات داخلية توسعت داخل حكومة طرابلس فى ليبيا.. تضعها على صفيح ساخن. 

فقد بدا أن هناك داخل الوفاق من اعتقد فى إمكانية أن تبقى زيارة برنار سرًا.. وبدا أيضًا أن داخل الحكومة من لم يجد إلا فى برنار حلا لراب صراع استفحل بين ميليشيات الغرب الليبى.. أصبح يهدد بصراعات مسلحة داخل تلك الميليشيات.. ما قد يفسر لجوء الدوحة مؤخرًا إلى استيراد مرتزقة جدد من الصومال.. وإرسالهم إلى ليبيا! 

لا يظهر برنار على أرض إلا وتعم الفوضى.. ويتوسع الصراع.. ولا يدخل دولة إلا ويزيد فيها السلاح.. وتمتد التوترات من المدن إلى الحدود.. ومن المراكز للأطراف. 

يبقى أهم العوامل المتوقعة من ظهور برنار محاولة مد الخراب من الغرب الليبى إلى الحدود مع الدول المحازية.. تونس والجزائر. 

حسب المعطيات حتى الآن، ربما يعمل برنار على تخفيف الضغط والخناق الذى ضيقته مصر من الشرق.. بفتح جبهات أخرى فى غرب البلاد.. ونقل الصراع الليبيى إلى مرحلة أعقد وأكثر تشابكًا!

لا يوجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق