الأربعاء 23 سبتمبر 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
وليد طوغان
انهيار الوهم التركى فى ليبيا

انهيار الوهم التركى فى ليبيا

أعلنت مصر الغضب.. واتقِ شر الحليم.. رسمت مصر بعد ترقب خطوطًا حمراء.. وحددت حدودًا ونهايات لطموحات آخرين حاولوا لعب أدوار أكبر من أحجامهم.. والدخول فى معادلات تصوروا حيازة مفاتيحها كاملة. 



 

لم تكن تصورات هؤلاء صحيحة.. ولا سليمة.. ولا واقعية.. فقد غضبت مصر.. وأشارت باليد محذرة.  المعنى أن مرحلة جديدة بدأت.. وعلى قوى الشر أن تتوقف.. فهناك خطوط مصرية حمراء.. لن يستطيع أن يتعداها أحد.

 

استعادت مصر 30 يونيو القدرة.. قادرة مصر الآن على حفر علامات على الأرض.. وفى البحر كما فى السماء. 

 

عجلة التغيرات فى الإقليم كانت سريعة فى السنوات الماضية.. نجت مصر مما يسمى بالربيع العربى.. لكن موجات الربيع العربى كانت قد تركت آثارها على المنطقة.. ودفعت فترات الربيع العربى وموجاته وتموجاته بالمال بعضهم إلى أعلى.. إلى مستويات فوق العادية. 

 

للآن لا يدرك هؤلاء سقوط الفكرة.. لا يدرك هؤلاء سقوط حلم ومحاولات إيجاد خريطة جديدة للمنطقة.. لا يصدق الإسلاميون سقوط حلم (الأخونة).. ولم يدرك الأتراك سقوط وهم الهيمنة. 

 

ليست صدفة أن تشتعل الاتجاهات الأربعة حول مصر فى نفس التوقيت.. ما زالت صدمة 30 يونيو مدوية.. آثارها على بعضهم وصلت إلى حد الجنون.. وتداعياتها على آخرين وصلت بهم إلى مراحل الهذيان. 

 

قبل الموات.. عادة ما تؤدى البؤر السرطانية بالأجسام المريضة إلى مراحل الهلوسة.. لكن حتى مع هلاوس آخرين.. ظلت مصر لا تعتدى.. لكن هذا لم يكن يعنى أبدًا أنها لا تراقب.. عن قرب.. وبتأنى الساسة.. وعيون الخبراء. 

 

لم تعتدِ مصر.. لكنها كانت تراقب.. وتترقب.. كانت مصر الجديد هى التى تحوز توقيت الإشارة بالتزام الحدود. من المنطقة العسكرية الغربية.. رفع رئيس مصر يده بالإشارة. 

 

المعنى.. أنها كانت الفرصة الأخيرة.. للآخرين كى يعيدوا الحسابات. 

 

( 1 ) 

 

لا تتعامل الحكومات فى النظم الدولية الحديثة تعامل الميليشيات.. ولا تتركب أنظمة الدول المعتبرة من مرتزقة الحرب ومقاولى الأنفار.. الجيوش المأجورة لا تعرفها نظم الحكم الوطنية منذ الإعلان عن عصبة الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية. 

 

لهذه الأسباب.. وأسباب أخرى متعددة.. سقطت حكومة الوفاق فى ليبيا.. ولهذه الأسباب أيضًا سقطت اتفاقية الصخيرات.. أو قل إن الاتفاقية لم تعد كمان كانت.. لأن ما قامت عليه من تركيبات سياسية.. واتفاقات دولية.. لم تعد موجودة على الأرض.. بعدما دمرها رئيس وزراء اسمه فايز السراج. 

 

تأسس اتفاق الصخيرات فى الأساس على مشاركة وطنية ليبية كان من المفترض فيها أولا الحفاظ على وحدة الأرض تأسيسًا لحياة دستورية وبرلمانية. 

 

لكن الذى حدث أن انتزع الإخوان الحكومة، وفرغها السراج من حدود الصخيرات، وحدود مضامين الحكومات الوطنية.. خالف السراج بديهيات الصخيرات، ومن ثم بقى وحده فى حكومة.. لم تعد تضم إلا إخوانًا.. وأرزقية.. رفضهم الليبيون.. ولم يعترف بها البرلمان. 

 

على يد الوفاق بدت خريطة الغرب الليبى أحياء متقاسمة يسيطر عليها أفراد ميليشيات حرب تدفع لهم تركيا أجورهم اليومية بالدولار (أكثر من 29 ألف مرتزق نقلتهم تركيا بالسلاح إلى طرابلس العاصمة خلال الفترة الماضية). 

 

وفق ميثاق الأمم المتحدة، يحق لكل دولة حماية حدودها.. والتحرك بحرية وبكل ما تراه مناسبًا لحماية أراضيها من أخطار الجوار. 

 

لم يكن على مصر أن تنتظر وصول ميليشيات تركيا إلى عمقها الاستراتيجى الغربى.. لذلك كان توقيت إشارات التحذير الرئاسى المصرى: الجفرة وسرت خطوط حمراء. 

 

( 2 ) 

 

لا يصنف الليبيون أنفسهم حكومة السراج وطنية.. لكن أكثر الحكومات من هذا النوع لا تجد بعد انكشاف الغطاء الشرعى عنها إلا محاولة الاستجابة لطموحات وأطماع بؤر أخرى  فى الإقليم.. ربما تعينها على شعوبها. 

 

الرباط الأقوى بين جماعة السراج فى ليبيا.. وجماعة أردوغان فى تركيا أيديولوجى.. التنمية والعدالة التركى هو الحزب الأخير فى سلسلة التحورات الحزبية الإسلامية فى تركيا بعد انتهاء الأتاتوركية. 

 

يموت حزب أردوغان فى تركيا.. تمامًا كما دخلت جماعة السراج غرفة الإنعاش.. فى محاولة لا تجدى فى التمسك بالحياة.. محاولة أردوغان للنفاذ إلى الداخل الليبى، وضعت الجماعتين على خطوط نهاية طبيعية لرهانات غير محسوبة.. وخاسرة فى الإقليم. 

 

على كل.. هى عادة إخوانية معروفة.. فالإسلاميون عادة ما يدفعون دائمًا فى السير عكس الاتجاه بحماس.. ليست من عاداتهم القدرة على التكهن بالنتائج رغم خطورتها.. ولا من قدراتهم استشراف نهايات اللعب بالنار. 

 

أكبر الدروس المستفادة من ثورة 30 يونيو فى مصر أن الاسلاميين لا يفطنون إلى خرائط الواقع الحقيقية.. ولا يعرفون مكامن القوة الفعلية.. ولا يستطيعون التنبؤ بمقدار الخطورة فى محاولات النفاذ إلى عرين الأسود. 

 

سنة من حكم الإخوان فى مصر كانت أكبر دليل على أن الاسلاميين يحوزون كل ما يمكن حيازته من غباء سياسى للاصطدام بالحوائط الصلبة.. وحواجز الشعوب.. ومتاريس المؤسسات. 

 

دولة 30 يونيو التى أسقطت الإخوان فى مصر.. هى نفسها الدولة التى أدخلت  الإخوان فى تركيا.. الرمق الأخير. 

 

أجهضت 30 يونيو خريطة إسلامية للمنطقة كان من المفترض أن يعاد رسمها من مصر بعد 2011.. ما زالت ذكريات السقوط الإخوانى فى مصر مدوية.. ما زال صدى السقوط يتردد فى أنحاء الأناضول. 

 

التدخلات التركية فى ليبيا هى المحاولة الأخيرة.. رغم يأسها من إنقاذ ما تبقى من مخططات الإخوان فى المنطقة. لا تستند تلك المخططات إلى رؤية ضبابية تركية للواقع.. بقدر ما تقوم على سوء تقدير شديد للنتائج.. وعلى وهم خيالات الثقة بالقدرات الذاتية التركية. 

 

( 3 ) 

 

أصبح أردوغان رئيسا بلا شعبية.. ولا ظهير شعبى.. ولا نصير اجتماعى. 

 

اكتشف الأتراك خداع أردوغان.. مثلما فشل هو فى التورية على عدم اكتشاف المجتمع الدولى لأباطيل روجها فى بداية توليه السلطة. 

 

قدم أردوغان نظامه (بعد استيلائه على الرئاسة فى تركيا) على أنه نصير للديمقراطية.. لكن سرعان ما انقلب حتى على شركائه، وألقى بمعارضيه فى السجون.. وأنفق مليارات الدولارات لذبح أعدائه فى الخارج. 

 

قدم أردوغان نظامه فى البداية كأحد أنظمة الحكم الحديثة غير الدينية، بما لديه من استعدادات مبدئية للتعاون الدولى.. لكن سرعان ما أظهر الواقع العكس.. بعدما ثبت إصرار أردوغان على تصدير جماعات الإسلام السياسى (بما فيهم الإخوان) للسطو على بلدانهم، ودعم تلك الجماعات بالمال والسلاح.. مثلما دفع بهم إلى تركيا.. وحاول الدفع بهم إلى العراق. 

 

حاول أردوغان إشعال دول عربية من الداخل.. بالمال والسلاح ودعم التطرف.. وحاول أقصى ما لديه لإشعال دول أخرى بما يسمى بالربيع العربى الذى أنهت مصر موجته.. فى خطوة لم يتوقعها الأتراك.

 

لم تستطع أنقرة نسيان الضربة التى تلقتها فى القاهرة فى 30 يونيو.. التى أسقطت الإخوان سقوطًا مروعًا.. ومزقت أحلامهم ونثرتها فى الهواء.. كان قضاء مصريًا على الطموحات. 

 

فى ليبيا كما لو أراد أردوغان الفرار من القضاء للقدر.. لكن يبقى السؤال: إذا كان أردوغان قد وجد فى بعض أجزاء من ليبيا أراضى ممهدة للتسلل بسلام.. فهل يستطيع الآن وهو يفكر فى الخروج.. إيجاد طريقة للخروج بسلام؟  

لا يوجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق