الأربعاء 23 سبتمبر 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
وليد طوغان

سيناريوهات احترافية لمكافحة الفيروس

ليس مصادفة أن يكون لدولة عظيمة بحجم مصر وتاريخها، تجربة متفردة فى مواجهة فيروس "كورونا"، ذلك الفيروس اللعين الذى ينشر الموت فى كل مكان بأرجاء المعمورة.



 

 تجربة متميزة اعتمدت على التوازن ما بين الإغلاق الجزئى لتحقيق أعلى معدلات الأمان والحفاظ على سلامة وصحة المواطنين، وما بين التوقيت السليم فى البدء لعودة الحياة تدريجيا لعدم توقف عجلة الإنتاج مع اتباع جميع الإجراءات والتدابير الاحترازية لحماية العمال بالمصانع والمشروعات القومية الكبرى.

 

لذلك فالتجربة المصرية هى من أكثر التجارب نجاحًا فى محيطنا الإقليمى والعالمى، ويرجع الفضل فى ذلك للإدارة الرشيدة، والإرادة السياسية القوية، والتناغم الكبير بين أجهزة الدولة ومؤسّساتها فى اتخاذ الإجراءات الصحية والاقتصادية والاجتماعية.

 

القيادة السياسية دائمًا وأبدًا،  تضع صحة المواطنين على رأس أولوياتها، فالإجراءات لم تتوقف للنهوض بجودة خدمات القطاع الصحى المقدَّمة للمواطنين.

 

 وكانت الدولة على وعى كامل بخطورة الأزمة منذ أن تحولت مدينة ووهان الصينية بؤرة لانتشار الفيروس، ووضعت سيناريوهات متدرجة لمواجهة العدو الخفى الذى حوَّل شوارع ومدن كثير من دول العالم إلى أشباح، وراهنت منذ البداية على رفع الوعى لدى المواطنين لكيفية الوقاية من خطورة الفيروس القاتل.

 

سارعت الحكومة باتخاذ إجراءات للحد من تسلل الفيروس إلى البلاد، بوقف رحلات الطيران، وتشديد الرقابة الصحية على منافذ دخول البلاد، والكشف على القادمين من المنافذ البرية والبحرية، وتحرير كروت المراقبة الصحية لهم، ونقل حالات الاشتباه إلى المستشفى، مع اتخاذ جميع الاحتياطات القصوى عند التعامل مع الحالات المشتبه بها.

 

إجراءات سريعة

 

مصر تحمى أبناءَها فى أى مكان على الكرة الأرضية، فمع توحُّش الفيروس فى الصين، وحظر السَّفر منها وإليها، كان القرار الإنسانى من الرئيس عبدالفتاح السيسى، بعودة المصريين العالقين فى "ووهان"، على أن تتحمل الدولة تكاليف العودة والحَجْر الصحى، ثم توالت تكليفات الرئيس لعودة المصريين من جميع دول العالم، مع تحمُّل نفقات العَزل الصحى بالفنادق والمنتجعات السياحية لحين التأكد من خلوهم من الفيروس.

 

الدولة تعاملت مع الأزمة بأعلى درجات اليقظة واتخذت إجراءات استباقية للحد من تسلل الفيروس، فى ضوء الإصابات التى ظهرت فى عدد من الدول المحيطة؛ حيث تم تشكيل لجنة وزارية لإدارة الأزمة، تضم فى عضويتها جميع الجهات المعنية ليتم التنسيق الجيد فيما بينها؛ لتنفيذ الأدوار المطلوبة فى إطار خطة الدولة لمواجهة الفيروس.

 

وتابع الرئيس عبدالفتاح السيسى الأزمة لحظة بلحظة، وعَقَد عدة اجتماعات لدراسة الموقف الوبائى فى العالم، وكيفية الخروج من الجائحة بأقل خسائر بشرية ومادية.

 

 وكلف الرئيس باتخاذ الإجراءات الاحترازية اللازمة للحفاظ على سلامة المواطنين؛ برفع درجات الجاهزية وفقًا لمعايير منظمة الصحة العالمية، وأن تستمر الحملات الإعلامية لتوعية المواطنين بخطورة الفيروس، والاكتشاف المبكر لأى حالات اشتباه وعلاجها فورًا.

 

وهناك واقعة عظيمة الدلالة فى بداية الأزمة ففور ظهور بعض حالات الإصابة بين السائحين على إحدى البواخر النيلية بالأقصر، تحركت وزارة الصحة على الفور، وطمأنت المواطنين والسائحين، وتم إجراء مسحات طبية للمصابين والمخالطين، وعزلهم بمستشفى النجيلة بمرسَى مطروح، فضلًا عن تطهير وتعقيم الفنادق والبواخر النيلية بمدينتَى الأقصر وأسوان.

 

ومع اكتشاف أول حالة إصابة بين المصريين، تم تشكيل غرفة عمليات بوزارة الصحة، وجميع الوزارات والهيئات المعنية، واستقبال المكالمات الخاصة بالقطاع الوقائى على رقم "105"، مع تطبيق بروتوكولات العلاج المحدثة دوريّا، وفقًا للمعايير العالمية، واتخاذ الإجراءات اللازمة لمكافحة العدوى.

 

بدأت الدولة تنفيذ السيناريو الأول من خطتها الشاملة لمواجهة فيروس "كورونا"؛ حيث وجَّه الرئيس عبدالفتاح السيسى بتعليق الدراسة لنحو 23 مليون طالب وطالبة بالمدارس والجامعات، للحد من الاختلاط بالشوارع والفصول الدراسية وقاعات المحاضرات؛ حيث هدف القرار إلى حماية 23 مليون أسرة من خطر الإصابة بالفيروس.

 

 كما كلف الرئيس أيضًا بتخصيص 100 مليار جنيه للحد من تداعيات "كوفيد- 19" وتدبير المستلزمات الوقائية والطبية، وإمداد المستشفيات بأجهزة التنفس الصناعى، وتمويل الأنشطة الصناعية والمشروعات التنموية الكبرى، ودعم العمالة غير المنتظمة.

 

أجهزة الدولة بدأت فى إغلاق المراكز التعليمية، وتطهير وتعقيم المبانى والمنشآت الحكومية والمساجد والكنائس ووسائل المواصلات العامة، ووضع المطهرات فى مداخل المنشآت الحكومية مع التنبيه على جميع العاملين بالتطهير والوقاية، وألغت وزارة الأوقاف سرادقات العزاء وحفلات الزفاف فى القاعات التابعة لها، واتخذت الكنائس الإجراءات نفسها.

 

كما قررت الحكومة تعليق العروض فى دُور السينما والمسارح وإغلاق المنشآت الرياضية والترفيهية بداية من السابعة مساء حتى السادسة صباحًا من 17مارس حتى نهاية الشهر، مع استمرار تعليق الدراسة، حتى اتخذ وزير التربية والتعليم قرارًا بإلغاء الامتحانات من الصف الثالث الابتدائى حتى الثالث الإعدادى، مع إجراء امتحانات إلكترونية منزلية للصفين الأول والثانى الثانوى.

 

سيناريوهات الأزمة

 

نفّذت الحكومة السيناريو الثانى، مع تزايُد أعداد المصابين بالفيروس، الذى تضمّن الإغلاق الجزئى؛ حيث تضمنت قرارات مجلس الوزراء حظر حركة المواطنين على جميع الطرُق من السابعة مساءً حتى السادسة صباحًا، مع السماح بالحركة الضرورية المرتبطة بالاحتياجات الطارئة التى يقدرها مأمورو الضبط القضائى، فضلًا عن وقف جميع وسائل النقل الجماعى العامة من السابعة مساءً حتى السادسة صباحًا على أن تُستثنى من ذلك السيارات التى تنقل المواد الغذائية والخضروات بكل أنواعها.

 

قرارات مجلس الوزراء تضمنت أيضًا إغلاق جميع المحال التجارية والحِرَفية بما فيها محال بيع السلع وتقديم الخدمات والمولات التجارية ابتداءً من الخامسة مساءً حتى السادسة صباحًا طوال أيام الأسبوع ماعدا يومَى الجمعة والسبت، يكون الغلق على مدار اليوم، على ألا يسرى القرار على المخابز ومحال البقالة والصيدليات والسوبر ماركت المتواجدة خارج المراكز التجارية.

 

حزمة القرارات تضمنت إغلاق المقاهى والكافيتريات والكافيهات والكازينوهات والملاهى والمطاعم ووحدات الطعام المتنقلة على أن يقتصر العمل بها على خدمة توصيل الطلبات للمنازل حتى السابعة مساءً.

 

كان حرص الدولة فى قراراتها على حماية العاملين بالهيئات الحكومية والمواطنين الذين يتلقون الخدمات من الوزارات الخدمية، لذلك قرر تعليق الخدمات التى تقدمها الوزارات والمحافظات وإغلاق الأندية الشعبية ومراكز الشباب وصالات الألعاب الرياضية، وتخفيض عدد العاملين بالمصالح والهيئات الحكومية، وإعفاء الموظفين من الحضور مثل السيدات الحوامل ومَن لديها أطفال أقل من 12 عامًا، وكبار السن والعمال الذين ينتقلون بين المحافظات، وأصحاب الأمراض المزمنة دون المساس برواتبهم ومستحقاتهم المالية.

 

تعاملت الدولة مع الأزمة باحترافية شديدة؛ حيث تم تجهيز مستشفى بكل محافظة يتم استخدامه للحَجْر الصحى، ومع زيادة عدد المصابين، توسعت الحكومة فى مستشفيات العَزل لتقديم الخدمات الطبية للمصابين والمشتبه بإصابتهم؛ لتخفيف العبء عن مستشفيات الحميات والصدر؛ حيث تمت الاستعانة بـ 320 مستشفى لتقديم الخدمات الطبية اللازمة للمصابين، فضلًا عن تخصيص المستشفيات الجامعية كمستشفيات عَزل تضم 2056 سريرًا، و297 سرير رعاية مُركزة، فضلًا عن تحويل 26 مدينة جامعية وبيوت الشباب إلى أماكن عَزل.

 

وخلال شهر رمضان، الفائت المعروف بموسم التجمعات استمرت الدولة بتطبيق الإجراءات نفسها، مع تشديد الإجراءات خلال أيام عيد الفطر المبارك؛ حيث تم وقف جميع وسائل النقل العامة بين المحافظات، وبدء حظر حركة المواطنين من الخامسة مساءً حتى السادسة صباحًا للحد من اختلاط المواطنين وتبادُل الزيارات فى أيام العيد.

 

ورُغم تزايُد عدد حالات الإصابة بسبب الاختلاط وتبادُل الزيارات خلال أيام العيد ونهاية شهر رمضان؛ فإن الحكومة بدأت السيناريو الثالث والأخير من خطة المواجهة، وهو "التعايش مع الفيروس".

 

 وبدأت تنفيذ خطة العودة التدريجية للحياة الطبيعية، التى يتم تطبيقها على ثلاث مراحل وفقًا لأعداد المصابين.

 

 وتتضمن ضوابط المرحلة الأولى إلزام جميع المواطنين والمقيمين بارتداء الكمامة عند الخروج من المنزل، وفى وسائل المواصلات العامة والخاصة، وداخل المنشآت الحكومية، وإلزام أصحاب الأعمال والمراكز التجارية والهيئات الحكومية بقياس درجات الحرارة، ووضع وسائل تطهير اليدين على الأبواب، والحفاظ على كثافة منخفضة داخل المنشآت والمحال التجارية، مع الالتزام بالتطهير والتعقيم وغلق الكافيهات والأندية والشواطئ والأماكن الترفيهية، واستمرار الغلق الجزئى من الثامنة مساءً حتى الرابعة صباحًا، وقد تستمر تلك المرحلة لمدة شهر يتم بعدها تقييم الموقف.

 

أمّا المرحلة الثانية، التى تستغرق 28 يومًا، وتشمل الإبقاء على معظم الإجراءات الاحترازية، مع استمرار غلق دُور السينما والمسارح والمقاهى، وقد يتم فتح السياحة والرحلات وفتح دُور العبادة فى المحافظات الأقل إصابة بالفيروس إلى أن اتخذت الحكومة قرارات تدريجية لعودة الحياة إلى طبيعتها وفقا لضوابط جديدة.

 

تأمَل مصرُ أن ينخفض عدد الإصابات إلى أدنى مستوياتها وتحقق المعادلة الصفرية مثلما حدث بالصين؛ حيث يتم خلال تلك المرحلة تخفيف بعض الإجراءات، وفتح المطاعم والفنادق، ويتم عودة الحياة إلى طبيعتها مثلما كانت قبل انتشار الفيروس.

لا يوجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق