السبت 13 أغسطس 2022
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

يوميات الإنفلونزا الإسبانية

 وُصف وباءُ «الإنفلونزا الإسبانية» بأنه الأشرسُ والأكثر فتكًا مقارنة بغيره من موجات الأوبئة التى أصابت البشر؛ حيث أصاب وحده نحو ثلث سُكّان الكرة الأرضية، وحصد أرواح ما بين 40 إلى 70 مليون شخص حول العالم خلال عامَى «1918 - 1919».



 

وقتها كشفت تقارير طبية عن إصابة أعداد كبيرة من الأفراد فى أوروبا بفيروس غامض ظل لا يعرف له سبب ولا اسم حتى فترة طويلة.

 

ورُغم أن تلك الإنفلونزا لم تَبدُ أكثر خطورة وقتها من النمط المعتاد؛ فإنه مع حلول أواخر صيف عام 1918، صار الفيروس أكثر فتكًا بالبشر.

 

ومع مرور الأيام؛ كان الفيروس يزداد شراسة، وتتسع رقعة انتشاره، ولا يتوقّف عن حصد ملايين الأرواح؛ فاكتسحت موجات العدوَى المدن، والبلدان، والقارات؛ لتغمر المستشفيات والأطقم الطبية؛ حيث امتلكت تلك السلالة من الفيروس القدرة على الانتقال عبر الهواء بسهولة من شخص لآخر، عن طريق رذاذ السعال والعطس.

 

نتيجة تمحور الفيروس؛ ضربت العالم موجة ثانية من الوباء، فى صيف 1918، كانت أكثر شراسة من مثيلتها الأولى.

 

انتشر الوباء سريعًا بين المدن الأوروبيّة، ووصل إلى السويد، وكندا، وجنوب إفريقيا، وشرق آسيا، والولايات المتحدة الأمريكية، التى سجّلت أول حالة إصابة بالموجة الثانية للوباء بفيلادلفيا، فى 17سبتمبر 1918. 

 

وشهد أواخرُ ربيع 1919 نهايةَ الآثار المُدمّرة، والهجمات الشرسة لـ«الإنفلونزا الإسبانية» فجأة؛ فتحول الفيروس إلى صورة معدومة الأذى نسبيّا خلال عشرينيات القرن العشرين. ورُغم استمرار انتشاره لعدة عقود بعد ذلك؛ فإنه كان ضعيف التأثير. 

 

واستطاع العلماء منذ ذلك الحين تصنيف الفيروس المسئول عن هذا الوباء من فيروسات الإنفلونزا من النوع «أ»، وفصيلة (H1N1)، بعد أن عاشت البشرية أيامًا صعبة، وبات العالمُ محاصَرًا بين أنياب الحرب، ومخالب الوباء؛ فسار الجميع فى طريقين، الموت نهاية حتميّة لهما، ودفع المجتمع البشرى ثمنًا باهظًا من حياة ملايين الأبرياء.

 

البحث عن علاج

 

فى ذلك الوقت؛ لم يكن للإنفلونزا علاجٌ أو لقاحٌ فعّالٌ، حتى إن أغلب الخبراء حينذاك ظنوا أن الإنفلونزا تسببها بكتيريا، وليس فيروسًا. كما لم تكن هناك مضادات حيوية لعلاج العدوَى البكتيرية التى ظهرت إثر موجة الإنفلونزا. 

 

ورُغم وجود لقاحات للعديد من الأمراض الأخرى، وأخرى للإنفلونزا معدومة الجدوى؛ فإن لقاح الإنفلونزا توافر بعد عقود من الوباء.

 

ففى عام 1918، كانت الفيروسات لا تزال حديثة الاكتشاف، وكما يقول «ويندى باركلاى»، الباحث بجامعة إمبريال كوليدج بلندن: "لم يدرك الأطباء حينها بالطبع أن الفيروسات هى التى تسبب هذه الأمراض".

 

ويضيف: "الإنفلونزا قد تودى بحياة المصابين فى الكثير من الحالات بسبب العدوَى البكتيرية الثانوية؛ إذ تغزو البكتيريا الجسم الذى أوهنه فيروس الإنفلونزا، وتتكاثر وتسبب التهابًا ثانويًّا مثل الالتهاب الرئوى، وهو ما حدث عام 1918؛ خصوصًا أن المضادات الحيوية مثل البنسلين لم تكتشف قبل عام 1928".

 

وعلميًّا؛ فإن «الإنفلونزا» مرض فيروسى مُعدٍ، من أعراضه الشائعة الحُمَّى، وأوجاع العضلات، واحتقان الحلق، والصداع، والإرهاق. 

 

ويسبب الإصابة بالمرض نوعان من الفيروسات، هما: الإنفلونزا من النوع «أ»، و«ب»، أمّا النوع «ج» الذى يصيب عادة الجهاز التنفسى العلوى، فهو غير شائع مثل النوعين الآخرين. 

 

ويؤدى الفيروس فى بعض الأحيان إلى الالتهاب الرئوى، ومضاعفات خطيرة، قد تؤدى إلى الوفاة. ونتيجة لتمحور الفيروس؛ حدثت خلال القرون الثلاثة السابقة، 10 جائحات إنفلونزا عالمية، منها ثلاث بالقرن العشرين، كان أشرسها وأشدها فتكًا موجة وباء «الإنفلونزا الإسبانية»؛ وهو ما جعل الإنفلونزا الفيروس الثانى الأكثر دراسة فى العالم، بعد فيروس نقص المناعة البشرى «HIV».

 

حربٌ ووباء

 

ذهبَ باحثون إلى أن ظروف الحرب العالمية الأولى كانت سببًا أساسيًّا فى ظهور وانتشار الإنفلونزا الإسبانية، وسرعة وتيرة انتشاره بين دولة وأخرى؛ ويرجح هذا الفريق أن بداية الوباء كانت من داخل معسكرات القوات العسكريّة المشاركة فى الحرب.

 

وهناك بعض العوامل دفعت إلى هذا الاعتقاد؛ أبرزها سوء التغذية عند الجنود، وتدنى حالة النظافة فى المُعسكرات، والإقامة الطويلة للجنود داخل خنادق ضيقة رطبة وقذرة، الأمر الذى ساعد الفيروس على تطوّره فى ظل وجود بيئة خصبة حاضنة له، فضلًا عن استخدام الأسلحة الكيميائية خلال الحرب.

 

كل تلك العوامل أدّت إلى ضعف مناعة الجنود، الذين أصبحوا فريسة سهلة بين فكّى الوباء المفترس. كما ساعد تنقّل القوات من بلد إلى آخر فى انتشار الوباء بشكل أسرع، إضافة إلى تسببهم فى نقل المرض إلى سُكّان مدنهم وقراهم عند عودتهم بعد أن وضعت الحرب أوزارَها. 

 

وما يؤكّد دَور الحرب فى نشر الوباء؛ ما عبّر عنه «بول إيوالد»، العالم البيولوجى بجامعة لويسفيل الأمريكية، بقوله: "تفشى الفيروس الأكثر فتكًا فى التاريخ الإنسانى، لم يكن أمرًا مُدهشًا فى ظل معاناة العالم من مآسى الشهور الأخيرة للحرب العالمية الأولى".   

 

ليست إسبانية

 

إلى الآن؛ لم يُعرف على وجْه الدقة المَصدر الأول الذى انطلق منه الفيروس القاتل، وكل ما يتداول عن ذلك هو مجرد فرضيات ساقها باحثون.

 

وإطلاق مُصطلح «الإنفلونزا الإسبانية» على الوباء لا يَعنى أنه انطلق من الدولة نفسها، ولكن سُميت بذلك لكون إسبانيا من الدول المحايدة فى الحرب، وهو ما ساعدها دون غيرها بامتلاك شفافية فى إعلان عدد الإصابات والضحايا، تزامُنًا مع تعمُّد دول الحرب تهوين الأمر.

 

وبداية شيوع خبر الوباء كان مع برقية إخبارية وصلت إلى وكالة «رويترز»، فى ربيع 1918، بشأن تفشى مرض غريب ذى طابع وبائى فى مدريد بإسبانيا، وفى غضون أسبوعين أصيب أكثر من 100 ألف شخص، وضرب الوباءُ الكثيرَ من دول أوروبا، أبرزها إسبانيا، بريطانيا، فرنسا، المجر، ألمانيا، والنمسا.

 

واختلفت الروايات حول تحديد مَصدر الوباء؛ فحدد «جون أكسفورد»، عالم الفيروسات البريطانى، فى دراسة أجراها فريق بحثى بقيادته، عام 1999، مُخيّم القوات بمدينة إتابلس فى فرنسا كقاعدة لانطلاق الفيروس، مُعتمدًا على تقارير طبية تظهر تفشّى نوع من الإنفلونزا داخل المُخيّم عام 1917. 

 

ومن بين الظواهر التى أوحت للفريق البريطانى بتلك الفرضية؛ وجود حظيرة للخنازير الحيّة داخل المُعسكر الفرنسى، فضلًا عن توريد الدواجن من القرَى بشكل يومى وذبحها لإمداد الجنود بالغذاء.

 

وهو الأمر الذى افترضت الدراسة من خلاله انتقال الفيروس من الطيور إلى الخنازير، وتمحوُره قبل أن يُصيب جنود المُعسكر، والمصابين منهم فى الحرب والهجمات الكيميائية، الخاضعين للعلاج بالمستشفى العسكرى حينها. 

 

إلى جانب فرضية البداية الفرنسيّة للفيروس؛ ظهرت مزاعم أخرى ترجح بداية ظهور الفيروس بالولايات المتحدة الأمريكية، وتحديدًا بمقاطعة هاسكل فى ولاية كنساس، وقيل إن الموجة الأولى للوباء ضربت 14 مُعسكرًا للجنود الأمريكان فى الشهور الأخيرة من عام 1917.  

 

ورُغم اكتشاف بوادر للوباء فى أكثر من مكان؛ فإن أول حالة وفاة بالمرض سُجّلت باسم الطّباخ الأمريكى «ألبرت جيتشيل»، الذى أبلغ عن إصابته، فى مارس 1918.

 

وكان «جيتشيل» يعمل فى معسكر لتدريب القوات الأمريكية بالمقاطعة نفسها. وفى خلال أيام؛ تفشّى المرض بين أفراد المُعسكر، قبل أن ينتقل إلى نيويورك. 

 

ونشر عالم السياسة «أندرو برايس سميث» بيانات من الأرشيف النمساوى تشير إلى أن الإنفلونزا نشأت فى وقت مبكر، بدءًا من النمسا فى أوائل عام 1917.

 

خلافًا لذلك؛ هناك اعتقادٌ بأن بداية الفيروس كانت بمنطقة شرق آسيا؛ لاشتهارها بانتقال الفيروسات من الحيوانات إلى البشر؛ خصوصًا الصين، التى توجّهت أصابع الاتهام إليها من قِبَل باحثين.

 

وأكّد تلك الفرضية المؤرّخ الكندى «مارك همفريز» عام 2014، حيث قال إنه عثر على وثائق تثبت أن الفيروس انتقل من البداية عن طريق ما يقرب من 100 ألف عامل صينى، جرى نقلهم للخدمة خلف الخطوط البريطانية والفرنسية أثناء الحرب العالمية الأولى. 

 

وقال «همفريز» إن تلك الوثائق تشير بوضوح إلى ظهور مرض فيروسى تنفُّسى بشمال الصين، فى نوفمبر 1917، مطابق لـ«الإنفلونزا الإسبانية». مبينًا أن نحو ثلاثة آلاف من العمال الصينيين أمضوا وقتًا فى الحَجْر الصحى بكندا. 

 

واعتبرهم الكنديون من مصابى مرض «الكسل الصينى». 

 

لافتًا إلى أن عددًا من هؤلاء العمال أصيبوا ولقوا حتفهم أثناء طريقهم لفرنسا عام 1918. 

 

إجراءات متأخرة

 

تشابهت العديد من المَشاهد فى زمن «الإنفلونزا الإسبانية» مثلما يحدث الآن فى مأساة «كورونا» أو «كوفيد 19»، مثل انتشار النصائح الطبية بـ "الامتناع عن المصافحة، وملازمة المنازل، وارتداء الأقنعة، وعزل المصابين". وانهارت الخدمات الطبية سريعًا، بعد أن اكتظت المستشفيات بالمصابين والقتلى، فضلًا عن ضحايا الأطقم الطبية.

 

وفرضت بعض دول العالم وقتها إجراءات صارمة على المواطنين فى محاولات مضنية لوقف انتشار الفيروس، ولكن بعضها جاء متأخرًا؛ وكان أبرز مثال على ذلك ما فعلته بعض الولايات الأمريكية، التى دفعت ثمنًا باهظًا نتيجة الاستهانة بالوباء فى بداية الأمر.

 

حيث أباحت سُلطات ولاية فيلادلفيا الأمريكية التجمُّعات البشرية، وأصّرت رُغم التحذيرات على إقامة استعراض محلى سنوى تدافَع خلاله نحو 200 ألف شخص، وكانت النتيجة تكدّس عدد كبير من المصابين بالإنفلونزا الإسبانية بمستشفيات فيلادلفيا، بعد ثلاثة أيام من العرض، ووفاة نحو ألف شخص بعدها بأيام معدودة.

 

وعلى خُطى فيلادلفيا؛ سار عدد من المدن والولايات الأمريكية مثل نيو أورلينز، وبوسطن وسان فرانسيسكو، وواشنطن، ودنيفر، إضافة إلى مدينة بيتزبرج بولاية بنسلفانيا، التى كانت أكثر المدن تضررًا بأمريكا.

 

وبسبب المعدلات المُفزعة فى أعداد المصابين والقتلى فى بعض الولايات المتراخية؛ جرَى تشديدُ الإجراءات بعد ذلك إلى حد اعتقال مَن لا يرتدى الأقنعة، وإطلاق النيران عليهم أحيانًا، إضافة إلى إقرار غرامات مالية، فضلًا عن منع التجمُّعات، وإغلاق دُور العبادة، والأماكن العامة، وفرض الحَجْر الصحى المنزلى.

 

اللغز القاتل

 

لم يجنِ وباءٌ آخر ما جناه «الإنفلونزا الإسبانية» من قتلى ومصابين؛ فبلغ حجم المصابين نحو 500 مليون شخص حول العالم، وبينما اختلفت التقديرات فى تحديد عدد القتلى ما بين 40 إلى 70 مليون قتيل، أى ما بين 2.5 إلى 5 بالمئة من المصابين، ففاق ما حصده الطاعون الأسود فى القرن الرابع عشر الميلادى، وأكثر من قتلى الحروب العالمية.

 

وكان معدل الوفيات فى أقصاه بين فئة الشباب الذين تقل أعمارهم عن خمسين عامًا، والذين كانوا، لسبب غير معروف، عُرضة بصفة خاصة للمرض الخطير الناتج عن تلك الفصيلة من الإنفلونزا. 

 

الأمر الذى تسبب فى انخفاض متوسط عمر الفرد فى الولايات المتحدة عام 1919 بمعدل 12 عامًا.

 

وحصد الوباء أرواح نحو 5 فى المئة من مجموع سكان الهند آنذاك، ما يوازى نحو 17 مليون شخص، وفى اليابان أحصى أكثر من 23 مليون حالة إصابة نتج عنها نحو 390 ألف حالة وفاة.

 

وأصيب نحو 28 % من السكان فى الولايات المتحدة بالمرض وحصدت أرواح ما بين 500 و675 ألف شخص، وفى بريطانيا رصد أكثر من 250 ألف ضحية، وفى فرنسا بلغ العدد 400 ألف، وسقط فى كندا نحو 50 ألف مريض.

 

وإلى وقتنا الحالى؛ يعكف الخبراءُ على دراسة أسباب ذلك الوباء، فى محاولة لحل لغزه، وإيجاد إجابات علمية عن الأسباب التى جعلته بمثل هذه الشراسة؛ فيرى الكثير منهم أن الفيروس المسبب للوباء كان فتّاكًا وسريع الانتشار بشكل استثنائى.

 

ورُغم أن تقنيات جمع الفيروسات واختزانها وتحليلها وزراعتها مخبريًّا ظهرت بعد اختفاء السلالة الأصلية للفيروس بعقود طويلة؛ فإن التطورات الحديثة فى مجال الهندسة الوراثية مكّنت العلماء من إعادة إحياء فيروس فعّال من جينات عينات فيروسات خاملة قديمة، وحقنوا به حيوانات مخبريّة مثل القرود؛ لدراسة آثاره.

 

لاحظ العلماءُ أن هذا الفيروس ليس قادرًا على التكاثر بسرعة فائقة فحسب، بل أيضًا كان يبدو أنه يُحدث استجابة مناعية مُفرطة، يُطلق عليها متلازمة إفراز السيتوكين أو «عاصفة السيتوكين»، أى الإفراز السريع والمتلاحق لكميات هائلة من الخلايا المناعية، مثلما يحدث فى «أمراض المناعة الذاتية». 

 

وربما لهذا السبب كان الشباب الأصحاء هم الفئة الأكثر تضررًا من وباء الإنفلونزا عام 1918؛ ففى هذه الحالة تسببت أجهزتهم المناعية القوية، التى تساعدهم عادة على مقاومة المرض، فى حدوث متلازمة «إفراز السيتوكين». 

 

وتشير الإحصائيات إلى أن 99 % من الوفيات بالانفلونزا الإسبانية كانت فى أشخاص أعمارهم أقل من 65 سنة، وأكثر من نصف الوفيات كانت فى المجموعة العمرية ما بين 20-40 سنة.

 

بعد جائحة «الإنفلونزا الوبائية»؛ شهد العالم موجة وبائية أخرى فى عام 1957، أُطلق عليها «الإنفلونزا الآسيوية»، تبعتها «إنفلونزا هونج كونج»، فى عام 1968، ثم «إنفلونزا الخنازير»، فى عام 2009، لكنها لم تسبب الآثار المدمرة للجائحة الأولى، رُغم أن جميع تلك الأوبئة تتشابه فى كونها من منشأ حيوانى، وتصيب الجهاز التنفسى.  

لا يوجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق