الجمعة 4 أبريل 2025
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
قبل الحداثة؟!

قبل الحداثة؟!

لا يقتصر انتشار الوباء على عصور الضعف، ولا يُفرّق بين دولة كبرى وأخرى صغيرة، ويُعتبر العصر المملوكى من أزهى عصور القوة والازدهار الحضرى فى تاريخ مصر الإسلامية؛ ولعل خير دليل على هذه العظمة ما قاله المؤرخ الكبير "ابن خلدون" عندما جاء إلى مصر وتحدّث عن القاهرة قائلًا: "رأيت حاضرة العالم وإيوان الإسلام".



 

لكن هذا العصر الذى امتد عدة قرون، شهد أيضًا العديد من الكوارث الطبيعية التى عانت منها مصر، وحوض البحر المتوسط؛ خصوصًا الأوبئة والمجاعات.  

 

ويرصد قاسم عبده قاسم فى كتابه الهام "دراسات فى تاريخ مصر الاجتماعى فى عصر سلاطين المماليك" ما يقرب من سبعين وباءً أو مجاعة عبر تاريخ المماليك، ومن الملاحظات الهامة فى هذا الشأن الارتباط الشديد بين الوباء والمجاعة.

 

 فالوباء يؤدى إلى مجاعة نتيجة الأزمات الاقتصادية المصاحبة له، وكثرة الوفيات وبالتالى عدم وجود قوة عاملة وانهيار الزراعة والحِرَف.

 

 والعكس صحيح؛ فمع حدوث المجاعة وكثرة الوفيات، والدفن بطرُقٍ غير صحيحة، فضلًا عن أكل القطط والكلاب، وحتى لحم الأموات من البشر، يقع الوباء.. وهذا ما دفع أهم مؤرخى مصر الإسلامية، "المقريزى"، إلى وضع كتابه الشهير والفريد "إغاثة الأمّة بكشف الغمة".

 

ومن الملاحظات الهامة فى هذا الشأن أن الأمور الصحية، والتعليمية، لم تكن من مهام الدولة فى العصور الوسطى، لذلك لم تعرف العصور الوسطى ما نعرفه الآن من دَور الدولة فى تطبيق الإجراءات الوقائية، أو عزل المصابين والحَجْر الصحى، أو إغلاق المناطق الموبوءة، وغير ذلك من وسائل الدولة الحديثة.

 

ويتسم العصر المملوكى بالتفسير الدينى للكوارث الطبيعية؛ حيث يتم تفسيرها دينيّا وأخلاقيّا خالصًا؛ إذ نُظِر إلى هذا الأمر على أنه غضب من الله تعالى نظرًا للبُعد عنه.

 

وفى بعض الأحيان كان بعض السّلاطين يقوم بإجراءات اجتماعية هامة، ربما بدافع التقرّب إلى الله، ولكن مردودها الاجتماعى كان ملحوظًا فى الأزمنة الصعبة؛ حيث أمر السّلطان برقوق بألا يُحبَس أحدٌ بسبب ديونه. أمّا فى العصر العثمانى الممتد من عام 1517 إلى عام 1798 فاستمر مفهوم الدولة قبل الحداثة وتقليدية دَورها فى الشأن العام؛ إذ انحصر دَورها  فى تطبيق الشرع وحماية الرعية والجهاد، وبالطبع جمع الضرائب. 

 

ولا نجد دورًا أساسيّا أو سياسة عامة واضحة للدولة فى شئون الصحة والتعليم؛ إذ تركت هذه الأمور تُدار من خلال الهبات والتبرعات التى عُرفت بالأوقاف، من هنا كان الدور الأكبر للتعليم من خلال الكتاتيب والمساجد، والرعاية الصحية من خلال البيمارستان، وأحيانًا بعض التكايا.

 

وأدان علماءُ الحملة الفرنسية، فى كتاب (وصف مصر)، هذا الوضع، وسخروا من انحسار دور الدولة فى شئون التعليم والصحة، وواضح أن هؤلاء العلماء كانوا ينطلقون من مفهوم "الدولة القومية الحديثة" الذى ساد آنذاك فى غرب أوروبا؛ حيث يعتبر التعليم والصحة من المهام الرئيسية للدولة.

 

كما استمر اجتياح المجاعات والأوبئة للمجتمع المصرى، وتعاقُب هذه المجاعات والأوبئة، وأحيانًا ارتباطهما معًا، ما ترك آثارًا وخيمة على الكثافة السكانية، فضلًا عن الأزمات الاقتصادية والاجتماعية لا سيما فى القرن الثامن عشر.

 

وكان الطاعون هو الوباء المستمر فى العصف بالمجتمع المصرى، ويظهر ذلك فى الفلكلور الشعبى فى الدعوة على الخصم "إن شاء الله تتطعن"، أى يُصاب بالطاعون.

 

لكن المستجَد فى ذلك العصر كان الوباء الجديد والمرعب، الذى سيستمر لقرون وهو مرض الكوليرا، وسببه الرئيسى تلوث مياه الشرب.

 

 فكانت القاهرة تتزود بالمياه من خلال الخليج المتصل بالنيل ، لكن هذا الخليج كان فى حالة يُرثى لها من جرّاء التلوث ، وكَتَب الرحالة الأجانب كثيرًا عن سوء حالة الخليج، إلى أن تم ردمه وأصبح الآن من أهم شوارع العاصمة.

 

ويأخذ علماء الحملة الفرنسية على المصريين وقتها فكرة التواكل، والقضاء والقَدر، وبالتالى عدم التزامهم بالإجراءات الاحترازية، والاستمرار فى الاختلاط والصلوات، ما يساعد على تفشى الوباء.

 

ومن ناحية الفلكلور والوباء، يرصد "ناصر أحمد إبراهيم" فى دراسته الهامة عن الأزمات الاجتماعية فى مصر فى القرن السابع عشر، الأدعية باستخدام الجداول والأرقام للشفاء من الأوبئة؛ ويرصد إيمان بعض الناس بذلك بشدة. 

 

وكان علينا أن ننتظر حتى القرن التاسع عشر وبدايات الدولة الحديثة، حتى نجد دَورًا حقيقيّا للدولة فى رسم سياسة صحية، وشمول الناس بالرعاية الطبية.

لا يوجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق