الثلاثاء 4 أغسطس 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
وليد طوغان

العبور الثانى

 لسنوات طويلة كان شعار “تنمية سيناء” بندًا دائمًا على أجندة العديد من الحكومات التى كانت تُمنى جموع المصريين بمشروعات لتوطين الملايين من أبناء الشعب المكتظين فى الوادى والدلتا، فى أرجاء سيناء الرحبة.



 

وعلى مدى كل تلك السنوات، لم يغادر الشعار “الأجندة” ولم يتحول إلى واقع حقيقى، إلى أن جاءت ثورة 30 يونيو لتطلق الحلم، وتحرر الشعار وتحوُّله إلى واقع تُستثمر فيه مئات المليارات من الجنيهات.

 

 وصلت التكلفة التقديرية لما جرى تنفيذه من مشروعات فى سيناء حتى الآن أكثر من 600 مليار جنيه، ولاتزال أرض الفيروز عطشى لمزيد من التنمية لتعوض سنوات التهميش.

 

وتمتلك سيناء كل مقومات التنمية من تنوُّع المجالات الاقتصادية من زراعة وصناعة وتعدين وسياحة، إلّا أن قطار التنمية ظل متوقفًا لعقود فى انتظار وقود الإرادة السياسية الذى يدفعه إلى الانطلاق والوصول إلى محطة سيناء الحبيبة.

 

 وكان إدراك الرئيس عبدالفتاح السيسى لأهمية سيناء الاستراتيجية وضرورة تنميتها، ليس فقط كسلاح لحمياتها والحفاظ عليها من أنياب وبراثن الطامعين المتربصين بها، بل أيضًا لتكون إضافة لمقومات قوة الدولة المصرية الشاملة.

 

 لذلك كان القرار الأهم: استمرار تطهير سيناء من الجماعات التكفيرية، وفى الوقت نفسه انطلاق أكبر عملية فى التاريخ لتنمية سيناء، وإطلاق حزمة غير مسبوقة من مشروعات البنية التحتية فى كل المجالات.

 

بالتأكيد لم يكن القرار سهلًا، فالتحديات الأمنية لم تكن سهلة، والجماعات الإرهابية تدرك أن كل عملية تنمية تجرى على أرض سيناء تعنى حصارهم وإعادتهم إلى جحورهم التى خرجوا منها، وكل خطوة تخطوها سيناء على طريق العمران، تعنى خطوة أكبر نحو اندحار تلك الجماعات إلى الأبد.

 

كانت تقديرات القيادة السياسية لا تعترف بالفكر التقليدى، ولذلك كان القرار انطلاق حرب تطهير سيناء، وفى اللحظة نفسها انطلاق معركة تعميرها، فالمعركة واحدة، والميدان لا يحتمل أى إبطاء.

 

ومَن يتابع ما قاله الرئيس عبدالفتاح السيسى، خلال افتتاحه  مجموعة من المشروعات التنموية فى سيناء قبل أيام،  يدرك  أن قرار تعمير سيناء لم يكن قرارًا عشوائيّا، بل مخططا استراتيجيّا سيتواصل رُغم كل التحديات والصعوبات، وأن الدولة باتت تنظر إلى تنمية سيناء نظرة مختلفة.

 

فالدولة بادرت بوضع الأساس لتنمية حقيقية ولمشروعات كبرى تسهل الحياة والاستثمار فى سيناء، و أنفقت 600 مليار جنيه على تنمية شبه جزيرة سيناء.

 

دور تاريخى

 

الفكر الذى يُعبر عنه الرئيس السيسى لا يرى فقط فى سيناء فرصة اقتصادية، ولا التنمية اختيارًا، بل يرى فى تنمية سيناء ضرورة من ضرورات الأمن القومى.. وهذا المنظور هو الذى غاب عن تنمية سيناء لعقود طويلة، ودفع بها إلى خانة الإهمال، رُغم إدراك أهمية سيناء، وحتمية تنميتها.

 

هذا التوجه لتنمية سيناء وإعمارها ينبع أيضًا من قراءة واعية لتاريخ مصر وسيناء على وجه الخصوص، فقد لعبت سيناء دورًا تاريخيّا ومصيريّا بارزًا فى تاريخ مصر منذ العهد الفرعونى، وكان ملوك مصر يقيمون القلاع والأبراج فى سيناء لتأمين حدود الدولة، وقد عزّزوها بالجنود تأمينًا للطرُق ولتحقيق الأمن والسلام بين أهلها.

 

 و حدّد موقع سيناء وطبيعة أرضها ومناخها ومواردها المائية المحلية محاور التنمية والأنشطة الاقتصادية السائدة بها؛ حيث تعتمد شمال سيناء بشكل أساسى على التنمية الزراعية فى الساحل الشمالى؛ خصوصًا فى منطقة شرق العريش؛ حيث يزداد سقوط الأمطار كلما اتجهنا شرقًا حيث جودة التربة والمياه الجوفية، كما أن للمحافظة شواطئ ممتدة على البحر المتوسط وبحيرة البردويل الخالية من أى مصدر من مصادر التلوث ما ساعد فى إنتاج نوعية من الأسماك ذات سمعة محلية وعالمية تتجاوز 4500طن سنويّا.

 

وتتنوع مقومات الجذب السياحى لسيناء التى تضم أجمل المقاصد السياحية فى العالم؛ خصوصًا فى جنوب سيناء، فضلًا عن أنها تضم مقومات واعدة للسياحة الدينية لما تحفل به من مزارات مذكورة فى الكتب السماوية الثلاث، وامتلاكها لبنية سياحية وفندقية تجعلها قبلة واعدة لسياحة المؤتمرات؛ خصوصًا فى شرم الشيخ، التى باتت تحتضن كل عام واحدًا من أبرز وأكبر الفعاليات الدولية، وهو "منتدى شباب العالم".

 

عاشت سيناء عقودًا طويلة من التهميش والتجاهل والإهمال.. بعض أسباب ذلك قد يرتبط بتطورات الأحداث والصراعات على سيناء وحولها، والبعض الآخر ربما يعود لغياب تلك الرؤية الاستراتيجية لتنمية سيناء فى عصور سابقة.

 

لذلك لم تدخل سيناء مرحلة  التنمية الشاملة والمستدامة إلا بعد ثورة 30يونيو التى أحدثت طفرة كبيرة على مستوى شبه الجزيرة.

 

ثورة إنجاز

 

لم تكن 30يونيو مجرد ثورة لتغيير الحكم، بل جاءت لتمثل ثورة فى تغيير الفكر والنظرة الشاملة إلى سيناء، فعقب إطاحة ملايين المصريين بحُكم جماعة الإخوان الإرهابية، كانت سيناء هى الميدان الذى اختارته جماعات الإرهاب لمحاولة الضغط على نظام الحُكم الجديد فى مصر.. ومَن يراجع الفيديو الأشهَر للقيادى الإخوانى الإرهابى محمد البلتاجى يدرك حجم العلاقة بين الإخوان وجماعات التكفير والقتل فى سيناء.

 

 لكن الإدارة المصرية المدعومة بإرادة ملايين المصريين الراغبين فى استعادة دولتهم ووطنهم من براثن جماعة إرهابية، لم تكتف فقط بإطلاق معركة تطهير سيناء من شراذم جماعات الظلام التكفيرية، بل وفى اللحظة نفسها اتخذ القرار الذى تأخر عقودًا طويلة، بإطلاق معركة تعمير سيناء، وبخطة غير مسبوقة، ومَهما كانت التكلفة، فالأمر - كما قال الرئيس السيسى- مسألة أمن قومى.

 

وهكذا انطلقت أكبر عملية تنمية وتعمير فى أرض الفيروز، بدأت المرحلة الأولى بمد شرايين الحياة إلى سيناء (طرُق، مياه، بنية تحتية) وخُصِّص لسيناء 25 ٪ من حجم المشروعات التى يتم إنشاؤها فى مصر.

 

 وكانت فكرة ربط سيناء بالوادى مسألة محورية فى خطة التنمية، فتم إنشاء أنفاق قناة السويس الثلاثة (تحيا مصر، 3يوليو، الشهيد أحمد حمدى2).

 

 وكما كانت سيناء أرض البطولات فى معارك التحرير، وشاهدة على بطولات رجال صدقوا لله ما عاهدوا عليه من عبدالمنعم رياض مرورًا بإبراهيم الرفاعى، وصولًا إلى أحمد المنسى، ولايزال عَقد الأبطال موصولًا، ورمال سيناء شاهدة على تضحيات الرجال.

 

  فإن سيناء بعد 30يونيو 2013 كانت شاهدة على بطولات جديدة، لكن هذه المرَة فى معركة التعمير والبناء والتشييد.   فعلى الجانب الآخر من جبهات المواجهة كان رجال الهيئة الهندسية بالقوات المسلحة يشرفون على تنفيذ أكبر خطة تنمية تنفذها الدولة المصرية فى سيناء على يد شركات مدنية تعمل فى قطاعات البناء، واستصلاح الأراضى، وتحلية مياه البحر، والأنفاق.

 

وضمن خطة التنمية تم مد أكبر شبكة طرُق داخل سيناء تبلغ 2000 كيلو متر، شملت حزمة من الطرُق الطولية (بورسعيد ـ شرم الشيخ، وادى وتير، بورسعيد النفق) والعرضية (طابا ـ النفق، الإسماعيلية ـ العوجة، البحيرات المُرّة ـ الجفجافة، النفق ـ سدر الحيطان). كما تم توصيل المياه للزراعة من خلال سحارة سرابيوم، التى بلغت تكلفتها مليارًا و 300 مليون جنيه، وذلك لتوفير المياه اللازمة لرى 100 ألف فدان فى سيناء.

 

وتم إنشاء محطة معالجة مياه الصرف الزراعى على مصرف المحسمة، وذلك لوقف إهدار مليون متر مكعب يوميّا من مياه الصرف الزراعية فى بحيرة التمساح وإعادة معالجة تلك المياه لتصبح صالحة للرى مَرّة أخرى عن طريق المعالجة الثلاثية.

 

وتروى مياه محطة معالجة المحسمة أكثر من 100 ألف فدان، وتعد من أرقى محطات معالجة مياه الصرف الزراعى فى الشرق الأوسط؛ حيث تعمل بأحدث التقنيات فى مجال المراقبة والتشغيل والتحكم الآلى لضمان جودة المياه المنتجة.

 

كما ساعد المشروع فى زيادة الثروة السمكية ببحيرة التمساح، بعد تطهيرها ووقف إلقاء مياه الصرف الزراعى بها.

 

 وفى مجال مياه الشرب، يجرى الآن تنفيذ 20 محطة لتحلية مياه البحر فى سيناء، كما تم تطوير مطارات المليز والطور والبردويل، ويجرى حاليًا تطوير مطار العريش.

 

ولأن بناء البَشر لا يقل أهمية عن بناء الحَجَر، فقد انطلقت على أرض الفيروز مشروعات غير مسبوقة فى مجال التعليم، بهدف إنشاء وتجهيز فصول التعليم الأساسى، كما يجرى إنشاء عدد من الجامعات، منها جامعة الطور وتطوير جامعة العريش، والبدء فى إنشاء مبنى للإسكان الطلابى بجامعة العريش.

 

 كما تجرى على قدم وساق جهود استكمال إنشاءات جامعة الملك سلمان الدولية؛ لتكون أول جامعة متكاملة تقام فى محافظة جنوب سيناء، وتبلغ مساحتها نحو300 فدان موزعة على 3 مدن هى الطور، وشرم الشيخ، ورأس سدر، يمكنها استيعاب نحو 20 ألفًا و500 طالب.

 

 وتشير رؤية الجامعة إلى أنها  ستكون جامعة ذكية، رائدة محليّا وإقليميّا وعالميّا فى التعليم والبحث العلمى، وخدمة المجتمع، وتحقق الجودة والتميز والارتقاء ومحفزًا للتنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة.

 

مدن جديدة

 

ولأن معركة العمران لا تعرف الانتظار، فقد انطلقت على أرض سيناء خطة هائلة ليس فقط لتطوير البنية التحتية القائمة، أو تطوير المدن القديمة، بل إنشاء مجموعة من المدن الجديدة المزودة بمختلف الخدمات لتكون قبلة لاستقبال القادمين للحياة فى سيناء وخدمة مشروعات التنمية على أرضها.

 

 وعلى التوازى جرى العمل ليل نهار لإنشاء عدد من المدن الجديدة، منها الإسماعيلية الجديدة: وهى مقسمة إلى 5 أحياء سكنية، وتحتوى على 3310 عمارات و1220 فيلا، ويصل إجمالى عدد الوحدات السكنية بها إلى 58 ألف وحدة سكنية، ومخطط لها أن تستوعب 314 ألف نسمة، كما تم البدء فى إنشاء السويس الجديدة وتضم 45 ألف وحدة سكنية كأسبقية أولى.

 

ويجرى العمل حاليًا- أيضًا- فى مدينة شرق بورسعيد الجديدة، وتمتد على مساحة تبلغ  164 ألف فدان، وقد تم تخطيط المدينة على أسُس التنمية المستدامة والطاقة النظيفة لاستيعاب نحو مليون نسمة.

 

وفى عُمق سيناء يجرى إنشاء مدينة رفح الجديدة، وتمتد على مساحة 353 فدانًا تشمل إنشاء 626 عمارة سكنية، بإجمالى  آلاف وحدة سكنية بمساحة120 مترًا للوحدة، إلى جانب 400 منزل بدوى. بالإضافة إلى خدمات تتضمن محال تجارية وحضانات ومدارس، وسيتم إنشاء منطقة للحرفيين فى جنوب المدينة، كما تم التخطيط لتنفيذ المدينة على مرحلتين، الأولى تشمل216 عمارة سكنية بإجمالى 3456 وحدة و200 منزل بدوى، بينما تشمل المرحلة الثانية 410 عمارات سكنية بإجمالى 6560 وحدة سكنية و 200 منزل  بدوى.

 

ولأن الإرادة تحتاج إلى إدارة، فقد تم تأسيس “الشركة الوطنية للاستثمار فى سيناء”، التى تعد إحدى أهم أدوات تنمية سيناء وتحويلها إلى مجتمع تنموى متكامل متطور، وأصبح مقر الشركة الرئيسى مدينة العريش بمحافظة شمال سيناء.

 

كما تم تأسيس الشركة الوطنية المصرية للرخام والجرانيت وشركة مصر سيناء للتنمية الصناعية والاستثمار، بهدف إقامة مجمعات صناعية لإنتاج الرخام والجرانيت فى أماكن وجود خام الرخام فى محافظات الجمهورية، بحيث تكون البداية من وسط سيناء؛ لتكون بذلك الشركة الرائدة فى مجال صناعة الرخام والجرانيت فى سيناء كمرحلة أولى.

لا يوجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق