الثلاثاء 4 أغسطس 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
وليد طوغان

بلد يعرف الطريق

 "فى 30يونيو 2013، خرج المصريون يحاولون استعادة وطنهم وإنقاذه من مصير أسود تقوده إليه جماعة فاشية وفاشلة.. مواطنون من كل الطبقات والفئات أياديهم فارغة إلا من عَلم بلادهم.. قلوبهم قلقة على مصير الوطن أكثر مما هى قلقة على حياتهم، يحلمون بوطن يتسع لتنوع طوائفهم وأفكارهم وانتماءاتهم، لا وطن يتحكم فيه حفنة من الإرهابيين يدفعونه نحو الهاوية بكل غباء وتصميم. 



 

هكذا كان مَشهد التغيير الذى انطلقت شرارته فى 30يونيو 2013، وانتصرت إرادة المصريين المحميين بجيشهم وشرطتهم.. والآن وبعد دخول قطار دولة 30يونيو محطته السابعة، يبدو المَشهد مختلفًا، والمسار واضحًا، والأمل كبيرًا، رُغم الصعوبات الداخلية والخارجية، ورُغم تحديات الإرهاب، واضطرابات المنطقة، وتآمر الطابور الخامس بالداخل.

 

 وحتى مع أزمات عالمية مثل فيروس "كورونا"، يبدو المصريون اليوم أكثر التفافًا حول دولتهم التى تخطو بثبات نحو المستقبل، فدولة 30يونيو عرفت الطريق، ولا تلتفت إلى الوراء، فالمستقبل نصنعه بأيدينا اليوم.

 

عندما خرج ملايين المصريين فى 30يونيو 2013، كان كل هدفهم أن يستعيدوا مصر المدنية، الدولة التى تقف على مسافة واحدة من كل مواطنيها، مَهما كانت ديانتهم أو انتماؤهم الفكرى أو السياسى.. كان حلم المصريين بسيطا أن تكون لديهم دولة تعتنى بهم، تدار وفق رؤية واضحة، وخطة علمية تعالج مشكلاتهم المزمنة، وتبنى مستقبلًا أفضل لأبنائهم.

 

أحلام مشروعة وبسيطة لكن تحقيقها يحتاج بالفعل إلى تخطيط، وجرأة، وقدرة، وإرادة، وهذا بالفعل ما قامت به دولة 30يونيو، التى انطلق مشروعها الوطنى للبناء مع تولى الرئيس عبدالفتاح السيسى الحُكم عام 2014، فتسارعت خُطى الإنجاز، داخليّا وخارجيّا؛ لاستعادة مكانة مصر وتحقيق أحلام شعبها.

 

 مرتكزات دولة 30يونيو قامت على فكرة الحرب على أكثر من جبهة، وعدم إهمال جانب لصالح آخر، فكانت إعادة بناء مصر الحَجَر والبشر، محورًا مركزيّا فى الدولة الجديدة لإعادة شباب أقدم دولة عرفها التاريخ، فقد كان التخطيط مُركزًا على أن مصر تستطيع القتال على كل الجبهات، وأنه لا وقت لنضيعه، فجاء العمل أشبه بقفزات تطوى الزمن والمسافات.

 

إصلاح الاقتصاد

 

واحدة من أهم مرتكزات دولة 30يونيو كانت إعادة بناء الاقتصاد، فلا مجال للحديث عن دولة قوية وذات حضور إقليمى ودولى، دون أن يكون لديها اقتصاد قادر على مواكبة تلك المتطلبات ويوفر فرص العمل لأبنائه، ويضمن تدفقًا مناسبًا للدخل، لذلك كان الاقتصاد على قمة الأولويات.

 

 ورُغم صعوبة الوضع الاقتصادى فى البلاد بعد سنوات من الارتباك منذ 2011، وخسارة الاقتصاد المصرى للعديد من موارده الرئيسية مثل عائدات السياحة، وهروب العديد من الاستثمارات الأجنبية المهمة فى مجالات حيوية مثل الطاقة والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات تحت وطأة الوضع الأمنى والسياسى المضطرب؛ فإن خطة الإصلاح لم تقف عند حد استعادة الثقة السريعة فى الاقتصاد المصرى، من خلال استعادة السيطرة على الأوضاع الأمنية فقط، بل اختارت دولة 30يونيو الطريق الصعب وهو طريق الإصلاح الشامل، الذى لا يقتصر فقط على علاج تداعيات ما بعد 2011 فقط، بل يمتد إلى إصلاح المشكلات الهيكلية فى الاقتصاد المصرى حتى قبل تلك الفترة، التى خشى كثيرون من الاقتراب من ذلك الإصلاح خوفًا من ردة الفعل الشعبية.

 

بدأ على الفور برنامج إصلاح اقتصادى شامل، يعالج مشكلات الدعم والتمويل ومعوقات الاستثمار، ويوقف تدخل الدولة فى أسعار النقد الأجنبى، واتخذت قرارات بدت للوهلة الأولى قاسية وصعبة الاحتمال، مثل تحرير سعر الصرف، وتخفيض دعم المنتجات البترولية، والكهرباء ومياه الشرب، وهى قرارات ذات عبء اجتماعى ثقيل.

 

 لكن ثقة المصريين فى أن الدواء المُر ضرورة أحيانًا للتخلص من الداء، دفعهم إلى الصبر والاحتمال، وقد أيقنوا لاحقًا أنهم كانوا على حق، فتجاوز الاقتصاد المصرى أزماته الخطيرة، وتراجعت معدلات التضخم، واستردت البلاد ثقة مؤسّسات التمويل الدولية، وبدأ العالم يشعر بالثقة فى الدولة الجديدة.  

 

وجاءت النتائج لتؤكد صحة التوجه، ودقة التنفيذ، فارتفعت مؤشرات الاقتصاد، وتراجع معدل البطالة، وزاد الاحتياطى النقدى بأرقام تتجاوز حتى ما قبل 2011.

 

 انطلقت الدولة فى خطة تعمير شاملة تسير وفق مسارات تراعى عدالة التوزيع فى مختلف المناطق والمحافظات، وانطلقت مشروعات التنمية الكبرى فى العديد من المحافظات التى عاشت عقودًا من الإهمال والتجاهل، فبدأ تعمير سيناء باستثمارات من جانب الدولة تتجاوز قيمتها 600 مليار جنيه.

 

 وحفلت فترة الرئاسة الأولى للرئيس عبدالفتاح السيسى بزخم كبير من الإنجازات فى المشروعات القومية العملاقة والمتنوعة؛ حيث تم خلال تلك الفترة إنجاز 11 ألف مشروع بتمويل يصل إلى 2 تريليون جنيه، من أبرزها مشروع قناة السويس الجديدة، والعاصمة الإدارية الجديدة، إضافة إلى 13 مدينة جديدة من مدن الجيل الرابع، مثل العلمين الجديدة والجلالة الجديدة، وإقامة 100 ألف صوبة زراعية، وتربية مليون رأس ماشية، و40 ألف فدان من المزارع السمكية.

 

وفى مجال الطرُق والكبارى، تم إنشاء آلاف الكيلومترات من الطرُق بتكلفة تتجاوز الـ85 مليار جنيه، وإقامة نحو 200 كوبرى بتكلفة تقارب 25 مليار جنيه، وزيادة الرقعة الزراعية بإضافة 200 ألف فدان زراعى.

 

 

الحماية الاجتماعية

 

لا تقتصر قيمة ما حققته دولة 30يونيو فى مجرد الإصلاح الاقتصادى، أو زيادة قدرات الاقتصاد المصرى، واستعادة معدلات النمو المرتفعة وإعادة الحياة لقطاعات مهمة مثل السياحة والطاقة، لكن تتجلى أهمية الإنجاز فى إدراك الدولة الشامل لتبعات ذلك الإصلاح وحرصها على أن تخفف من آثاره الجانبية بقدر الإمكان.

 

 صحيح أن الطبقة المتوسطة تحملت عبئًا كبيرًا، لكن وعى تلك الطبقة وإدراكها أهمية ما يجرى تنفيذه من إجراءات جعلها تختار موقف الدعم والمساندة للدولة المصرية التى تسترد قوتها وهيبتها.

 

فى المقابل أطلقت الدولة جملة من مشروعات الحماية الاجتماعية التى سعت إلى تخفيف وطأة الإصلاحات الاقتصادية؛ وبخاصة على الفئات الأكثر احتياجًا، فانطلقت مشروعات مثل “تكافل وكرامة”، وارتفع إجمالى مخصصات المعاشات من 6 مليارات جنيه إلى 17 مليارًا و250 مليون جنيه لتغطى 10 فى المائة من أبناء مصر فى الأسر الأكثر احتياجًا.

 

وتم إطلاق العديد من مشروعات الدعم الاجتماعى والإنسانى للفئات الفقيرة مثل مشروع “حياة كريمة”، وتطوير العشوائيات وغيرها التى تجعل للفقراء نصيبًا من عائدات التنمية، وتحويل رؤية التنمية الإنسانية إلى واقع وليس مجرد شعارات.

 

بناء الإنسان

 

وإذا كانت إعادة بناء الاقتصاد المصرى، وإطلاق مشروعات التنمية العمرانية فى كل ربوع مصر قد هيمنت على سنوات الفترة الرئاسية الأولى للرئيس عبدالفتاح السيسى، وكان الأمْر ضروريّا ولازمًا ليس فقط لدواع اقتصادية تتعلق بإنقاذ ما يمكن إنقاذه ووقف التدهور الاقتصادى الذى يؤثر بالضرورة على جموع الشعب، ولكن أيضًا كانت تلك المشروعات تمثل احتياجًا إنسانيّا مُلحّا لاستعاد ثقة الإنسان المصرى بنفسه، وفى قدرته على البناء بَعد أن عاش سنوات من التخبط والارتباك.

 

 كان بديهيّا أن تنطلق دولة 30يونيو فى المرحلة التالية نحو الهدف الأهم، والشروع الأكبر وهو إعادة بناء الإنسان المصرى نفسه، فالإنسان كان ولا يزال الثروة الحقيقية التى تملكها مصر وأى أمة ذات حضارة، فهو القادر على البناء والإنجاز، وهو من يتصدى بوعيه لمحاولات الهدم.

 

 وفى خطابه أمام البرلمان بمناسبة فوزه بفترة رئاسية ثانية، أكد الرئيس السيسى أنه وبعد أن تحققت نجاحات المرحلة الأولى من خطة التنمية الشاملة؛ فإنه قد آن الأوان لانطلاق الجانب الأهم من ذلك المشروع الوطنى العملاق، وهو بناء الإنسان المصرى يقينًا منه بأن كنـز أمتنا الحقيقى هو الإنسان الذى يجب أن يتم بناؤه على أساس شامل ومتكامل بدنيّا وعقليّا وثقافيّا بحيث يعاد تعريف الهوية المصرية من جديد بعـد محاولات العبث بهـا.

 

فى إطار استراتيجية بناء الإنسان بدأت وزارة التربية والتعليم رؤية متكاملة جديدة تتمحور حول تصميم وبناء نظام تعليم مصرى جديد، يبدأ من مرحلة رياض الأطفال، وكذلك تبنّى رؤية للتغيير فى المرحلة الثانوية تستهدف تغيير ثقافة الحفظ والتلقين إلى الفهم والابتكار والانتقال من الكم المعرفى إلى الفهم العميق، ومن التلقين إلى التعلم النشط.

 

وفى مجال الصحة لبناء الإنسان تم إقرار قانون التأمين الصحى الجديد لتغطى مظلته جميع المصريين، الذى يُعد إحدى أولويات القيادة السياسية لتحسين المنظومة الصحية، كما تم إطلاق العديد من المشروعات التى تستهدف رفع كفاءة الخدمات الصحية ومواجهة أمراض مستعصية طالما فتكت بحياة المصريين، وفى مقدمتها مشروع القضاء على “فيروس سى”، الذى تحوّل إلى تجربة ملهمة على المستوى العالمى، ووضع مصر فى مكانة تستحق إشادة العديد من دول العالم.

 

ولعل أسلوب إدارة الدولة لأزمة فيروس "كورونا" تقدم دليلًا جديدًا على قدرة دولة 30يونيو على التعامل مع المواقف الحاسمة والأزمات الكبرى بكل حكمة واقتدار.

 

دولة المواطنة

 

أحد أهداف ثورة 30يونيو كان استعادة الدولة المدنية، وهدم كل محاولات نشر الفاشية الدينية التى تُفرّق بين المواطنين على أساس دينهم، وتميز بين أتباع الدين الواحد على أساس انتمائهم للجماعة من عدمه.

 

 ولأن مصر كانت على مدى تاريخها واحة للتعايش والتسامح، فقد كانت استعادة مدنية الدولة أحد أبرز مطالب الثورة، وأحد أهم مرتكزات الدولة، وبدا ذلك واضحًا فى إقرار دستور 2014 الذى أزال الألغام التى وضعها الإخوان والسلفيون، وسعت الدولة من خلاله إلى تأكيد أن مصر مِلك لأبنائها، كل أبنائها بلا تفرقة على أى أساس.

 

سارعت الدولة إلى استنهاض كل الطاقات للمشاركة فى المشروع القومى لبناء مصر، وسعت إلى مواجهة كل محاولات اصطناع الفتنة الداخلية.

 

 فعندما روّج البعضُ إلى وجود مسافة بين الدولة والشباب كان الرد العملى باجتذاب شباب مصر من ميادين الفوضى إلى ساحات العمل والإنتاج، فقد أدرك الرئيس عبدالفتاح السيسى منذ توليه الحُكم، أن الشباب هم عماد الدولة المصرية وطريقها نحو النهوض والتقدم، لذلك حرص على دعمهم بكل السُّبُل والأشكال الممكنة.

 

 أطلق الرئيس حوارًا موسعًا مع الشباب المصرى عام 2016 الذى أعلنه عامًا للشباب؛ للوقوف على أحلامهم ومشكلاتهم، ولايزال الحوار مستمرّا عبر مؤتمرات وطنية فعالة وناجحة، كما وجّه الحكومة إلى تنفيذ مشروعات صغيرة ومتناهية الصغر وتطوير مراكز الشباب، فضلًا عن إطلاق العديد من المبادرات مثل مبادرة دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة ومبادرة "فكرتك شركتك" وغيرها من المبادرات الأخرى التى تندرج تحت رؤية الرئيس للاهتمام بالشباب.

 

المرأة المصرية أيضًا كان لها نصيب من ثمار دولة 30يونيو، فقد شهدت السنوات الماضية تقدمًا هائلًا فى ملف نصرة المرأة وحصولها على حقوقها كاملة، عبر العديد من الامتيازات غير المسبوقة.

 

ولأن دولة المواطنة لا تعرف التفرقة بين مواطنيها على أساس الدين أو اللون، فقد وضعت دولة 30يونيو على رأس أولوياتها نزع فتيل العديد من الأزمات التى سعى المتاجرون بالدين إلى إشعالها، ولعل مشهدَ افتتاح الرئيس لأكبر كاتدرائية فى الشرق الأوسط بالعاصمة الإدارية، وهى كاتدرائية ميلاد المسيح، وإلى جوارها أكبر مسجد فى مصر وهو مسجد الفتاح العليم مشهدٌ رمزىٌّ يُجسّد حقيقة موقف مصر الجديدة التى لا تعرف التفرقة بين أبنائها، بل تتسع للجميع.

 

وشهد عام 2019 إنهاء ملف شائك طالما نفخ المتطرفون فيه النار، وهو ملف ترخيص وتقنين أوضاع الكنائس، وقد وضعت الدولة قانونًا ينظم تلك المسائل وينهى أى محاولة للتلاعب أو إشعال الفتن.

 

لم تعتمد  دولة 30يونيو فقط على معالجة الملفات الجديدة أو تلك التى تمثل ضغطا عاجلًا، بل سعت حتى إلى إغلاق ملفات قديمة، لم تكن طرفًا فيها فى يوم من الأيام، بل تسببت فيها أنظمة حُكم سابقة، لكن الدولة المصرية التى تعيد بناء مؤسّساتها، وتحاول إعادة بناء الدولة على أسُس قوية ومتينة من التماسك الاجتماعى، ومبادئ المواطنة، اقتحمت العديد من الملفات المؤجلة منذ سنوات وربما منذ عقود.

 

 ومنها على سبيل المثال ملف صرف التعويضات لأهالى النوبة المتضررين من بناء وتعلية خزان أسوان وإنشاء السد العالى، ممن لم يسبق تعويضهم، وهو ملف يعود إلى ستينيات القرن الماضى، وظل على مدى كل تلك السنوات يراوح مكانه بلا تحرك حقيقى.

 

وبلغ إجمالى عددهم 11716، وبالفعل تم البدء فى صرف التعويضات للمستحقين.

 

وبالمثل، اقتحمت الدولة ملفّا آخَر ظل مؤجلًا الحسم لسنوات، رُغم ما يعنيه أى تحرُّك فيه من تكبيد الدولة أعباء إضافية، وهو ملف التشابكات المالية بين الخزانة العامة وبنك الاستثمار القومى.

 

 وجاء قانون التأمينات والمعاشات الجديد ليحسم هذا الملف الشائك وليكون أول قانون موحّد للتأمينات الاجتماعية والمعاشات فى مصر؛ حيث يفض التشابكات المالية بين الخزانة العامة وبنك الاستثمار القومى بشكل جذرى ويمنع ظهور تشابكات مالية فى المستقبل وإيداع أموال التأمينات طرف وزارة المالية.

لا يوجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق