الخميس 6 أغسطس 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
وليد طوغان
إمارة «نكران الجميل»

إمارة «نكران الجميل»

يندهش البعضُ من السلوك السياسى الذى تتبعه الدوحة فى إقليمها العربى، وتكريس نفسها خنجرًا فى ظهْر محيطها الخليجى والعربى.



 

هذا السلوك العدوانى، يعود فى المقام الأول لطموح جارف بدأ مع انقلاب حمد بن خليفة والد الأمير الحالى لقطر، ومحاولته إثبات قدرته على وضع بلاده كلاعب إقليمى حيوى ومؤثر.

 

وفى جانب آخر تظهر محاولات الإمارة الصغيرة فى العمل ضد أى تحرُّك وتواجُد للمملكة السعودية فى المنطقة، ويربط بعض المحللين الأمرَ برغبة شخصية عارمة لها جذور تاريخية.

 

 

انتقلت العلاقة بين الدوحة والرياض، من مربع التوافق والإخاء لعقود طويلة حتى قبل ظهور دولة اسمها قطر، إلى مربع الخيانة والتآمر ضد السعودية خاصة، والعرب عمومًا من جانب نظام الحَمَدَيْن.

 

علاقة قوية

 

تعود جذور العلاقات بين أسرة آل ثانى، وأسرة آل سعود إلى زمن الدولة السعودية الثانية التى أنشأها الأمير تركى بن عبدالله بن محمد آل سعود فى سنة (1818)، وكانت العلاقة وديّة فى عهد الإمام عبدالله بن فيصل، الذى كان بينه وبين الشيخ جاسم بن محمد آل ثانى مؤسّس قطر الحديثة مراسلات وقصائد تنُم عن علاقة قوية بينهما.

 

كما كانت هناك العديد من اللقاءات بين الملك عبدالعزيز والشيخ جاسم آل ثانى سنة (1905)، كانت بمثابة التمهيد لإقامة صرح العلاقة الراسخة والمتينة بين السعودية وقطر، بل سبق ذلك تواصُل مهم ولقاءات مهمة بين الإمام عبدالرحمن الفيصل (والد الملك عبدالعزيز) والشيوخ فى قطر، لا سيما لقاء شهير قام به الإمام عبدالرحمن الفيصل لقطر فى رحلته الشهيرة للكويت.

 

وخلال تلك الرحلة مَرّ (والد الملك عبدالعزيز) بالبحرين وقطر (وأقام فى قطر فترة) ثم استقر بالكويت، وفضَّل البقاء فى الكويت؛ لأنها بحُكم موقعها أنسب لمتابعة الأوضاع فى نجد.

 

وفى عام (1905)- أيضًا- وثقت المصادر لقاء الملك عبدالعزيز بالشيخ جاسم آل ثانى فى منطقة سلوى، على الحدود "القطرية- السعودية"،  ولم تكن لقطر حدود مُعترَف بها فى ذلك الوقت، بل كانت أراضيها تتناوب العديد من العائلات القوية فى منطقة الخليج آنذاك حُكمَها، وتنتقل السيطرة عليها بين آل سعود وآل خليفة وآل ثانى.

 

وتشير بعض المراجع التاريخية إلى قوة العلاقة التى ربطت بين حاكم قطر فى تلك الفترة الشيخ عبدالله بن جاسم بن محمد آل ثانى وبين الملك عبدالعزيز آل سعود مؤسّس الدولة السعودية، الذى تُجسّده إحدى الرسائل التى بعث بها الأول عام 1920 للملك عبدالعزيز، يقول فيها: "ما عاد لى عضد أو ذخر إلا الله ثم جلالتكم”.

 

ورُغم بعض مَظاهر التوتر التى ظهرت خلال عَقد الستينيات من القرن الماضى، عندما تم توقيع اتفاق ترسيم الحدود بين السعودية وقطر عام 1965؛ فإن الحدود ظلت دون ترسيم، وكانت السعودية قد تنازلت لصالح الإمارات عن أجزاء من واحة البريمى مقابل تنازل الأخيرة عن الشريط الساحلى المعروف بخور "العديد".

 

 ولم تعد هناك حدود مشتركة بين قطر والإمارات وبات لزامًا على القطريين المرور عبر السعودية للوصول إلى الإمارات، وعبّرت قطر عن تذمّرها وعدم رضاها عن ذلك مرارًا، إلّا أن الأمور لم تصل حد التصادم.

 

وفى عهد الملك فيصل وأخيه خالد كانت العلاقة "السعودية- القطرية" فى أرقى أشكالها وصورها، وبلغت مستوى غير مسبوق من التوافق والتآخى، إلى أن بدأت حُمى الانقلابات تجتاح قطر؛ لتزرع بذور الشقاق، والعداء القطرى تجاه كل ما هو سعودى.

 

وتشير بعض المصادر التاريخية إلى أن بداية التحولات الكبيرة فى تاريخ العلاقات "القطرية- السعودية"، تواكبت مع الانقلاب الذى قام به خليفة بن حمد، الأمير الأسبق، وجَدّ أمير قطر الحالى، على ابن عَمِّه الحاكم آنذاك الشيخ أحمد بن على إبّان ولايته للعهد، عام 1972 وبعد عام واحد من إعلان دولة قطر.

 

وتقول المصادر إنه بعدما انقلب الشيخ خليفة على ابن عمه الشيخ أحمد بن على، جاء الشيخ خليفة إلى السعودية للقاء الملك فيصل، طلبًا للاعتراف بالانقلاب.

 

وكان رد الملك فيصل بأن المملكة لا ترى تعيين حمد ابنه وليّا للعهد، واختارت الشيخ سحيم بن حمد، شقيق خليفة، بدلًا منه.

 

وتضيف المصادر أن الشيخ خليفة بن حمد تعهد بتعيين شقيقه سحيم وليًا للعهد، لكنه نقض اتفاقه فور وصوله إلى الدوحة وقام بتعيين ابنه حمد، وكان ذلك الموقف الصادم بداية لسلسلة من التحولات من جانب القيادة القطرية تجاه السعودية، لكن لم يصدر من الملك فيصل سوى اتصال مع خليفة يُذكّره بالاتفاق، ورد عليه بأن ابنه حمد أولَى من سحيم.

 

أسَرها حمد بن خليفة فى نفسه، وتنامت لديه عقدة الرفض، وربما كانت تلك الكراهية أحد أسباب توتر العلاقات بين البلدين عام 1992  عندما كان الشيخ حمد يشغل منصب ولى العهد ووزير الدفاع فى قطر، ووقع صدام مسلح على الحدود بين البلدين أدى إلى مقتل شخصين. 

 

وتُعرَف هذه المواجهة باسم معركة "الخفوس" وأدت إلى مقتل ضابط سعودى وجنديين قطريين وسيطرة السعودية على منطقة “الخفوس" الحدودية.

 

مرحلة درامية

 

لم تكد تمُر ثلاثُ سنوات على تلك الأزمة، التى أدرك الشيخ خليفة أمير قطر وقتها أهمية التهدئة مع السعودية، حتى نازع حمد والده على الحُكم وانقلب عليه عام 1995؛ لتدخل العلاقة بين قطر والسعودية منذ تلك اللحظة مرحلة درامية وتبدأ صفحة جديدة من التآمر القطرى ضد المملكة. ومنذ ذلك الحين حتى اليوم، تحوّلت قطر إلى دولة متآمرة، غريبة عن محيطها الخليجى، عدوّة لمحيطها العربى.

 

فمنذ توليه السُّلطة فى عام 1995، اعتقد حمد بن خليفة آل ثانى أن قطر لن تجد الأمن إلا من خلال تحويل نفسها من دولة تابعة إلى دولة مُنافسة للمملكة العربية السعودية، وبالفعل بدأ سلسلة من الخطوات المتوالية لربط قطر بقوى إقليمية وغربية نافذة يمكنها حماية قطر ومغامراتها وفى الوقت نفسه يشعر بأنه يلعب دورًا محوريّا فى المنطقة.

 

وقد بدأ حاكم قطر الجديد عقب الانقلاب على أبيه سريعًا المواجهة مع السعودية. ففى عام 1996 اتهمت الحكومة القطرية عددًا من أفراد قبيلة "بنى مرة" بدعم ما وصفته بأنه “محاولة انقلابية” بالتعاون مع الأمير المخلوع خليفة بن حمد آل ثانى وقامت الدوحة بنزع الجنسية عن المئات منهم وطردهم للسعودية، وباتت هذه المسألة ملفًا خلافيّا فى علاقات البلدين.

 

وجاء عام 2003 ليتفق أمير قطر آنذاك حمد بن خليفة، مع ذراعه اليُمنَى ووزير خارجيته حمد بن جاسم، وكان مسئولًا عن المخابرات القطرية، ليتآمر الجانبان لاغتيال الملك عبدالله.

 

وفيما بعد اعترف حمد بن جاسم بما كان يخططه وقال فى حوار للتليفزيون القطرى إن الشيخ "حمد آل ثانى" طلب منه التوجُّه إلى السعودية، وطلب العفو والسماح من خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز.

 

موجة التغيير

 

رُغم عِلم السعودية بتفاصيل هذا التآمر؛ فإنها لم تسارع إلى معاقبة الدوحة على تلك الخطايا، لكن جاء ما يُسمى بـ«الربيع العربى» ليحمل معه صفحة جديدة من صفحات التآمر القطرى.

 

فقد اعتبرت الدوحة تلك الاضطرابات فرصتها التاريخية لركوب موجة التغيير فى الوطن العربى، والقفز على أعناق دول كبرى فى المنطقة مثل مصر وسوريا لتتمكن من تدميرها وإخضاعها لسطوتها.

 

بل وحكم تلك الدول من وراء ستار جماعة “الإخوان” الإرهابية، التى تحولت الدوحة إلى معقلها الأهم بعد طرد السعودية لمجموعة من قيادات الإخوان منها، عقب موقفهم فى أزمة احتلال العراق للكويت، فقد سارعت الدوحة إلى اقتناص الفرصة وفتحت قنوات اتصال لدعم وتمويل الجماعة ووفرت لها المساندة الإعلامية عبر قناة الجزيرة، وبالتالى تحولت إلى الراعى الرسمى للجماعة الإرهابية.

 

ومع انتقال الحُكم فى قطر عام 2013 إلى الأمير تميم بن حمد اكتشف الجميع أن "تميم" كان أسوأ خَلَف لأسوأ سَلَف، فقد استمر نظام الحَمَدَيْن فى توجيه سياسات الأمير الجديد، الذى لم يستطع أن يخرج من عباءة أبيه، بل واصل نهجه المراوغ ومحاولة اللعب على كل الحبال، وتحولت الدوحة فى عهده إلى حاضنة لمختلف صنوف الجماعات الإرهابية، سواء تنظيم الإخوان حتى داعش والقاعدة وطالبان.

 

وكانت الدوحة العاصمة الوحيدة التى تفتح رسميّا سفارة لجماعة طالبان وتستقبلهم استقبال الفاتحين!

 

وسعت السعودية ودول مجلس التعاون الخليجى إلى إبعاد الدوحة عن اللعب بنار الفتن، وتم توقيع اتفاق الرياض عام 2013 فى محاولة لفتح صفحة جديدة، إلّا أن قطر واصلت دأبَها فى نكث التزاماتها الدولية ولم تلتزم بتعهداتها التى وقّعت عليها فى الاتفاق. 

 

وبعد أن استنفدت الدول الثلاث (السعودية والإمارات والبحرين) جهودَها السياسية والدبلوماسية، ونكث أمير قطر تعهّده بالتوقّف عن السياسة السلبية، تم سَحب السفراء وعدم إعادتهم إلّا عَقب توقيع سُلطات الدوحة على الاتفاق التكميلى عام 2014.

 

وأعلنت السعودية والإمارات والبحرين يوم 5مارس 2014 سَحب سفرائها من الدوحة؛ لعدم التزام قطر باتفاق  الرياض، إلّا أن الأزمة انتهت يوم 16نوفمبر 2014 بتوقيع قطر اتفاقًا جديدًا فى اليوم نفسه، وتعهدها بالالتزام بكلا الاتفاقين (اتفاق الرياض 2013 واتفاق الرياض التكميلى 2014).

 

وجاء أبرز بنود الاتفاقين التى وقّع أمير قطر عليها: وقف دعم تنظيم الإخوان الإرهابى، والالتزام بعدم التدخل فى الشئون الداخلية لأى من دول مجلس التعاون الخليجى أو مصر بشكل مباشر أو غير مباشر، وعدم إيواء أو تجنيس أىٍّ من مواطنى دول المجلس ممن لهم نشاط يتعارض مع أنظمة دولته إلّا فى حال موافقة دولته.

 

كما وقّع "تميم" على بند يمنح دول الخليج الحرية فى اتخاذ إجراءات ضد قطر فى حال عدم التزامها، إلا أن قطر قامت بخرق الاتفاقيات التى وقعتها.

 

وعقب وفاة الملك عبدالله، عادت الدوحة لعاداتها القديمة فى العمل على شق الصف الداخلى السعودى والتحريض على الخروج على الدولة والمساس بسيادتها، واحتضان جماعات إرهابية وطائفية متعددة تستهدف ضرب الاستقرار فى المنطقة، ما أدى إلى اتخاذ الدول الأربع  الداعية لمكافحة الإرهاب (مصر والسعودية والإمارات والبحرين) قرارًا لحماية أمنها الوطنى بمقاطعة قطر فى يوم 5يونيو عام 2017.

 

ورُغم مرور ما يقرب من ثلاثة أعوام على تلك المقاطعة؛ فإن الدوحة لا يبدو أنها استوعبت الدرس، بل بالغت فى غَيّها، وضاعفت من مؤامراتها.

 

وتجاوز كل الخطوط الحمراء فى التآمر على السعودية وتهديد استقرار المنطقة، لكن منذ متى كانت الدوحة تعرف حدودًا فى تآمرها وكراهيتها؟!  

لا يوجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق