السبت 6 يونيو 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
وليد طوغان

عقدة نقص «الأمير الصغير»

 رُبما لا توجد دولة فى العالم تمارس هذا القدْر من الازدواجية فى سياساتها مثل قطر.



 

فالدويلة الصغيرة التى تستخدم ثرواتها الطائلة فى الهجوم على جيرانها وتمويل الإرهاب فى العالم، وتهديد استقرار الإقليم العربى كله، تُسَخّر جزءًا كبيرًا من نشاط أبواقها الإعلامية والسياسية للحديث عن حقوق الإنسان.

 

بينما سِجِل الدوحة فى مجال احترام حقوق الإنسان مُخزٍ بكل معنى الكلمة.

 

 

لا يخفَى على أحد ذلك الدور القطرى الواضح فى دعم وتمويل الإرهاب، الذى بات مثبتًا بوثائق وأدلة دامغة، لكن نفاق النظام العالمى، وارتهان صناعة القرار لتأثيرات المال يحول دون تلقى الدوحة العقاب اللائق بها، إضافة إلى تلك الانتهاكات الفادحة  والفاضحة لحقوق المقيمين على أراضيها؛ وبخاصة من العمالة الآسيوية التى تموت يوميّا نتيجة سوء الأوضاع المعيشية.

 

وبينما تُنَصّب قطر من نفسها وصيّا على شعوب المنطقة ومدافعًا عن حق هذه الشعوب فى التعبير والديمقراطية، نجد أن الشعب القطرى محروم تمامًا من أى ممارسة ديمقراطية، بل حتى من التعبير عن رأيه فى أداء حكومته، وإذا ما تجرّأ مواطن على إبداء رأيه فليس أمامه سوى بديل من اثنين، إمّا السجن أو إسقاط الجنسية، وبالتالى لا يجد مَفرًّا من الصمت، فضلًا عن أن كل أجهزة الإعلام القطرية مملوكة للعائلة الحاكمة.

 

وربما يرى البعض فى الإجراءات القطرية بحق المقيمين والمواطنين أمرًا متكررًا ومعتادًا، لكن أن يصل الأمر إلى حد اضطهاد أبناء الأسرة الحاكمة أنفسهم، والتضييق على عدد كبير من رموز العائلة الحاكمة، بل سجنهم وإهانة أسرهم خارج السجون، فهذا أمر يبدو غريبًا، لا سيما من أسرة حاكمة تحاول أن تظهر نفسها دائمًا فى صورة العائلة المتماسكة، والمقرّبة من شعبها، لكن ما يظهر على الشاشات شىء، وما يدور فى الكواليس شىء مختلف تمامًا.

 

مؤامرات القصر

 

يبدو أن المسألة عميقة الجذور فى تركيبة الأسرة الحاكمة فى قطر، لكنها وصلت خلال حُكم الحَمَدَيْن وتابعهما الصغير “تميم” حدّا غير مسبوق، فقد اعتادت الدويلة الصغيرة حتى قبل تأسيسها واعتبارها دولة معترفًا بها على مؤامرات القصر، وانقلابات الحكام، وصراعات أبناء العائلة الواحدة، حتى وصل الأمر حد تآمر الابن على أبيه، مثلما فعل الشيخ حمد ضد والده الشيخ خليفة، واستطاع عبر الانقلاب أن يستولى على الحكم فى منتصف تسعينيات القرن الماضى، ومن يومها تغيرت السياسات القطرية.

 

سعت الدويلة الصغيرة إلى لعب دور أكبر من حجمها وإمكانياتها عبر الارتماء فى أحضان القوة المسيطرة إقليميّا ودوليّا،  واستخدمت من أجل تحقيق تلك الغاية ثروتها المالية الهائلة، لكنها لم تستطع أن تشترى شرعية الحُكم واستقرار البيت الداخلى بين أسرة آل ثانى.

 

والسنواتُ الماضية شاهدةٌ على العديد من الحوادث التى تكشف أن تحت الاستقرار المزعوم فى قطر العديد من جمر التوتر والصراعات الداخلية تنتظر الفرصة لتشتعل مجددًا وتغير الواقع الذى تعيشه الإمارة فاحشة الثراء.

 

ومع تنامى المغامرات والمقامرات الخارجية للدويلة الصغيرة ومشاركتها فى أداء أدوار أكبر منها، وتورطها فى العديد من صراعات المنطقة، كان لا بُد أن يثير ذلك حفيظة العديد من دول الجوار، وأيضًا أبناء الأسرة الحاكمة الذين لم يستطيعوا الصمت أمام ذلك النهج المتهور لمن يأخذون بأيديهم زمام الحُكم.

 

 فالطموح غير المحسوب من جانب نظام الحَمَدَيْن والرهان على إمكانية شراء النفوذ الإقليمى بالمال والإعلام والمؤامرات، كان كفيلا بتصاعد حدة الغضب والانتقادات داخل الأسرة الحاكمة، وبدلًا من أن يتجه نظام الحَمَدَيْن إلى احتواء ما تموج به الأسرة الحاكمة من غضب، انتهز الفرصة وحاول استغلالها لتصفية حسابات قديمة، والتخلص من رموز الأسرة الحاكمة الذين يمكن أن يكونوا بديلًا مقبولًا شعبيّا.

 

دولة بوليسية

 

رُغم نقص المعلومات التى تُنشَر عن حقيقة الأوضاع داخل قطر، وعلى وجه الخصوص ما يجرى من عمليات اعتقال وسجن واضطهاد للعديد من أفراد الأسرة الحاكمة فى قطر ورموز آل ثانى؛ فإن قطر دولة بوليسية بامتياز، وأبواقها الإعلامية دائمًا ما تصدّع الرؤوس بالحديث عن الشفافية واحترام حقوق الإنسان، طالما بقى الأمر بعيدًا عن الأراضى والسياسات القطرية!

 

 ورُغم كل ذلك التعتيم؛ فإن تقارير تخرج من حين إلى آخر تكشف بوضوح حجم الجرائم القطرية ليس فقط بحق العديد من العمالة على أراضيها، أو مَن يجرؤ على معارضة سياسات نظام الحَمَدَيْن، بل بحق أبناء أسرة آل ثانى أنفسهم، ممن تمارس السُّلطات الحاكمة ضدهم أقسى أشكال الاضطهاد والانتهاكات.

 

ويحاول بعض منابر المعارضة القطرية فى الخارج كشف العديد من تلك الانتهاكات؛ حيث قدمت العديد من الوقائع المتعلقة بالممارسات القطرية بحق بعض أبناء الأسرة الحاكمة، ومن ضمن تلك الحالات ما حدث مع الشيخ محمد بن عبدالله آل ثانى، عضو الأسرة الحاكمة الذى تم إبعاده خارج البلاد بعد قيامه بفضح إرهاب تميم بن حمد وفضح ممارساته ودعمه المتواصل مع الميليشيات المسلحة فى مختلف الدول العربية مثل سوريا والعراق واليمن وليبيا.

 

كما قام تميم بالزج بالشيخ طلال بن عبدالعزيز آل ثانى، أحد أفراد الأسرة الحاكمة فى السجن، وسجن حفيد الحاكم الأسبق للإمارة لمدة 22 عامًا لرفضه سياسته القريبة من تنظيم الإخوان الإرهابى والتنظيمات المتطرفة الأخرى.

 

ويتخوف “تميم” من بزوغ نجم الشيخ طلال البالغ من العمر 50 عامًا كونه الأقرب لتولى الحكم فى حالة الإطاحة بالأمير الصغير، وقد برزت قضية الشيخ طلال آل ثانى بعد الظهور النادر لزوجته أمام نادى الصحافة السويسرية فى جنيف، قبل عدة أشهُر؛ حيث قدمت الزوجة أسماء ريان، العديد من الوقائع التى فضحت بها ممارسات نظام الحَمَدَيْن بحق زوجها، وسلطت الأضواء على العديد من الممارسات غير الإنسانية التى لم تقتصر على رجال الأسرة الحاكمة بل طالت أيضًا أطفالها!.

 

وقالت الريان، إن زوجها الذى شغل منصب وزير الصحة فى قطر، وهو الابن الأكبر لأحد الآباء المؤسّسين لقطر محروم وأسرته من أبسط حقوق الإنسان الأساسية من تعليم وصحة ومسكن.

 

وأشارت إلى أن الانتقام لم يقتصر على إدخال والد أطفالها الصغار السجن، لكن امتد إلى فرض ضغوط هائلة عليهم، وصولًا إلى إجبارهم على مغادرة منزلهم ونقلهم إلى آخر غير مؤهل للسكن بمنطقة مهجورة؛ حيث تحاصر المياه الراكدة المنزل، والحشرات، فى ظل درجات حرارة تصل إلى 50 درجة مئوية، ما عرّض الأطفال الصغار للأمراض واضطرهم بعد ذلك إلى الحصول على علاجات الكورتيزون لفترات طويلة.

 

حملة اعتقالات

 

لا تُعد أزمة الشيخ طلال آل ثانى حالة فردية فى قطر، بل تأتى كجزء من نهج متصاعد لنظام الحُكم فى قطر خلال الأشهُر الأخيرة؛ وبخاصة بعد إعلان المعارضة القطرية عقد مؤتمرها الأول فى لندن وقيام مجموعة من أبناء آل ثانى بدعم المؤتمر، ومنهم الشيخ عبدالله بن على آل ثانى الذى وجّه دعوة لأفراد الأسرة الحاكمة للاجتماع، وطالب حينها بتطهير الدوحة من النظام الخائن، فما كان من تميم إلّا أن قام بتنفيذ حملة اعتقالات غير مسبوقة بحق 20 من أفراد العائلة الحاكمة، وتم اقتحام قصر الشيخ سلطان بن سحيم و مصادرة ممتلكاته الشخصية والتعاقدات التجارية لشركاته.

 

وكشفت العديد من التقارير الصحفية الغربية، ومنها تقرير لصحيفة “لوبوان” الفرنسية أن أمير قطر لا يكتفى بتهميش الفرع الآخر لقبيلة آل ثانى تحت ذريعة ارتباطهم بالسعودية، بل يستولى على ممتلكاتهم، كما تم بناء المطار الجديد على أرض تابعة لعائلة الشيخ طلال.

 

وكشف تقرير الصحيفة الفرنسية أن أمير قطر أمر شخصيّا بسجن أبناء عمومته العشرين عقابًا لهم على مواقفهم الداعمة لدول المقاطعة العربية لقطر، ولجهرهم بعدم رضاهم عن السياسة المتبعة من قِبَل الأمير وحكومته.

 

ونقلت تلك الوقائع عن جان بيار مارونجى، وهو رجل أعمال فرنسى ويرأس مجلس إدارة شركة فرنسية  لها بعض المشروعات فى قطر، قوله إنه أثناء اعتقاله فى الدوحة- بتهمة إصدار شيك من دون رصيد لم يرتكبها أبدًا واستغرب اعتقاله من قِبَل الشرطة القطرية ترضية لرجل أعمال قطرى- التقى فى السجن نحو 20 من أفراد العائلة الحاكمة فى قطر أخبروه أنهم سُجنوا بأمر من أمير البلاد عقابًا على مواقفهم الداعمة لدول المقاطعة.

 

وأضاف إن السجناء القطريين طلبوا منه إيصال صوتهم وقضيتهم للخارج حين يتم إطلاق سراحهم. وأوضح التقرير نقلًا عن رجل الأعمال الفرنسى أن معظم السجناء طلبوا عدم الكشف عن هوياتهم خشية انتقام النظام القطرى من عائلاتهم، بينما وافق أربعة من الشيوخ السجناء الكشف عن هويتهم، وهم: الشيخ طلال بن عبدالعزيز بن أحمد بن على آل ثانى، والشيخ عبدالله بن خليفة بن جاسم بن على آل ثانى، والشيخ على بن فهد بن جاسم بن على آل ثانى، والشيخ ناصر بن عبدالله بن خليفة بن على آل ثانى، وجميعهم من فرع ابن على فى عائلة آل ثانى.

 

وأكد رجل الأعمال الفرنسى أن السجن يعانى من ظروف متدهورة جدّا بسبب الإهمال وانتشار الحشرات، إضافة الى وجود بلطجية يمارسون الترهيب على السجناء.

 

وبحسب المجلة التى تواصلت مع السجين الفرنسى عبر الهاتف، فإن وتيرة الاعتقالات تضاعفت وارتفعت بشكل كبير منذ قرار دول المقاطعة تجميد علاقاتها مع الدوحة بسبب دعمها وتمويلها للإرهاب.

 

دعم الارهاب

 

 ارتبط تصاعُد حملة الاعتقالات مع تزايُد الارتماء القطرى فى أحضان تركيا وإيران، والابتعاد عن الصف الخليجى، وهو ما كان سببًا فى إثارة غضب العديد من أبناء آل ثانى ممن يقدرون قيمة الارتباط العربى والخليجى، وتربوا على التاريخ المشترك لأبناء الخليج العربى، ويدركون حجم وقيمة الأواصر المشتركة التى تربط بين أبناء وعائلات وقبائل دول الخليج.

 

 وهو ما أساءت إليه السياسات القطرية وبدأت العديد من وسائل الإعلام القطرية وكتائب نظام الحَمَدَيْن الإلكترونية شن حملات بذيئة للهجوم على دول وشعوب الخليج الأخرى المقاطعة لقطر، متجاهلة تاريخًا طويلًا من الدعم الخليجى للدوحة، ومتناسية العديد من روابط المصاهرة والدم التى تربط عائلات وقبائل الخليج المنتشرة فى دول المنطقة.

 

وبلغت تلك الانتقادات حدّا علنيًا؛ حيث نشر العديد من أبناء آل ثانى انتقاداتهم صراحة للسياسات القطرية، ونشر خليفة بن مبارك بن خليفة آل ثانى، أحد الذين غادروا الأراضى القطرية.

 

لاعتراضه على السياسات الحالية، إن الدوحة تراقب أفراد أسرة آل ثانى ممن هم فى سن الشباب، خوفًا من اتحادهم واتخاذهم مواقف مضادة. 

 

وأكد خليفة بن مبارك آل ثانى، أن اعتراضهم على سياسات الدوحة قديمة، بسبب التدخلات فى الشئون الداخلية لبعض الدول، واستضافة أشخاص لديهم خلافات مع دولهم، أو مطلوبين فى قضايا أمنية سابقة.

 

وتساءل: “كيف نؤيد النظام القطرى، وهو يدعو إلى التفرقة داخل الحضن الخليجى، ويدعم الإرهاب، واستقطب الجيش التركى على الأراضى القطرية لحماية تراب وطننا الذى نحن أحق منهم بحمايته؟! ونشعر الآن بأن أراضينا أصبحت مستعمَرة تركية، وننفذ ما يُمليه علينا الغرباء مقابل حماية النظام”. وقال إن “ميزانية الدولة ونفقاتها تذهب للغرب مقابل حماية النظام من دون الاهتمام بالشعب أو تنمية بنية الدولة واستقرارها”.

 

وأكد "بن مبارك" أن ما يحدث فى قطر اليوم أمرٌ مرعب، ويهدد مستقبل البلاد على جميع المستويات، من حيث احتضان جميع الرموز الإرهابية من مختلف الأماكن، ودعم الجماعات المخربة، والخضوع الكامل لتركيا الذى يتزايد يومًا بعد يوم بشكل مهين وغير مقبول، والارتباط مع النظام الإيرانى وهو الواجهة السوداء لكل عمل تخريبى فى المنطقة.

 

 وبالفعل كانت الإجراءات القطرية بحق أبناء الأسرة الحاكمة من الرافضين لسياسات نظام الحَمَدَيْن سببًا فى فرار عدد متزايد من أبناء آل ثانى إلى الخارج بحثًا عن الأمان، ومنهم الشيخ عبدالله بن فهد آل ثانى الذى أوضح فى تدوينات عبر مواقع التواصل الاجتماعى أن خروجه من البلاد جاء بسبب ما وصفه بـ”الاستعمار التركى” لأراضى قطر، مؤكدًا استياء الكثيرين من أبناء الأسرة الحاكمة من التواجد التركى.

 

عقاب جماعى

 

لم تكن تلك الإجراءات كافية أو تتضمن من أدوات القمع ما يكفى  لإسكات أى معارضة لسياساته، فلجأ نظام تميم إلى إصدار قانون مثير للجدل مطلع العام الجارى ودخل حيز التنفيذ يوم 20 من يناير الماضى، قانون يستهدف معارضى نظام الحَمَدَيْن ويقمع حريات القطريين داخل البلاد. 

 

ويقضى القانون بالحبس مدة لا تتجاوز 5 سنوات وغرامة لا تزيد على 100 ألف ريال، لمن ينشر أو يعيد نشر أخبار تثير الرأى العام فى قطر أو تمس بالنظام العام للإمارة، فى تعبيرات فضفاضة تتيح تضييق الخناق على القطريين وترهيبهم من انتقاد الحكومة. 

 

ويؤكد القانون الجديد أن نظام الحُكم فى الدوحة وصل إلى مرحلة اللا عودة من أجل قمع شعبه ومعاقبة من يتجرأ على رفع صوته والمجاهرة بأى معارضة، حتى لو كان من الأسرة الحاكمة!

لا يوجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق