الخميس 6 أغسطس 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
وليد طوغان
ترانيم عابرة للأديان

ترانيم عابرة للأديان

 «وعم حسين يجيب زينة/ ينادى بسرعة على مينا/ يساعده عشان يعلّقها/ تشوفنا فى وقت لمّتنا/ كأن الحارة عروستنا../ حالفين ليوم نزوّقها../ رمضان ده بتاعكو وبتاعنا/ بنزعل لو يودَّعنا/ ونفرح لمّا بيكون جاى/ وحوى يا وحوى».



 

موسيقى مصرية خالصة تتسلل عبر صوت المرنمة «سارة معروف» الدافئ.. صوت جيّد وجديد على الأذن العربية.. شرقية الموسيقى واضحة جدًّا فى «الميلودى الشعبى».

 

 

جُملة «وحوى يا وحوى» الفلكلورية صارت أكثر حدثية مع اختيار موفق من الموزّع للآلات المصاحبة وأغلبها «مودرن».. لا يفرّق فى «النمط التقليدى» لأغنيات رمضان.

 

المطربة اسمها "سارة معروف".. حاصلة على ليسانس الآداب من جامعة عين شمس.. تخدم فى الكنيسة المصرية، هى الأشهَر بين المرنّمات فى كنائس مصر.. تؤدى الترانيم بطريقة عصرية أقرب إلى الغناء بقوالبه الكلاسيكية المعروفة، مع إضافة «لوبز» غربى وإيقاعات حديثة.. ومن أشهَر أغنياتها:

 

«صحى الربابة غنّى/ قوم وحى العود/ قوم لحّن وهنِّى/ ربك المعبود../ دى رحمته أعلى من السما/ فوقها ولا فى حدود!».

 

 

فرقة سماع مزجت بين التواشيح والترانيم
فرقة سماع مزجت بين التواشيح والترانيم

 

 

تواشيح «حنا الرومى»

 

فى كتابه «هكذا غنّى المصريون».. يذكر د. "نبيل حنفى" أن الإذاعة المصرية قدّمت فى بداياتها أغنيتين لرمضان، شارك فى صناعتهما أقباط.. الأولى «تحية رمضان» كتبها الباشا أحمد شحاتة، لحّنها ألبير توفيق، وغنّاها محمد كامل، عام 1940.

 

 والثانية «رمضان» كتبها عبدالباسط عبدالرحمن ولحّنتها وغنتها لورد كاش فى 16يونيو عام 1951.. الأغنيتان ترقدان فى مخازن «الإذاعة المصرية».. وربما فقدتا فلا وجود لهما على أى خريطة إذاعية منذ خمسين عامًا وربما أكثر.. لكن ما لم يفقده التاريخ هو أن «لورو كاش» واسمها الأصلى «لورو جورج دقاش» من أصول مارونية عرفت الطريق إلى عالم الموسيقى مبكرًا.. فى السابعة من عمرها. جاءت إلى مصر بعد أن طلبتها الإذاعة الرسمية فى مصر بخطاب رسمى وصل إلى لبنان عام 1945، تطلب التعاقد معها بعد أن عرفها الناس مطربة وملحّنة لأغنية «طلوع الفجر».. فجاءت على الفور، وكان عمرها 28 سنة.. لتقيم فى القاهرة.

 

فى مصر.. شاركت فى تلحين أغنيتها الأشهَر مع «فريد غصن».. «آمنت بالله» تلك الأغنية التى صارت أيقونة كل الأفراح فى البلد لمدة تزيد على عشرين سنة؛ حيث التقطها عازفو القِرَب والمزمار ليبدأ كل «فريق» وصلته بها.. وكان الجمهور يطلبها كـ«سلام مربع» أسموه التوبة، رُغم أنها تبدو «غنوة عاطفية بالأساس».

 

لم تكن "لورد" وحدها المسيحية اللبنانية التى غنّت لرمضان.. كان هناك أيضًا بلدياتها «حليم الرومى» والد المطربة ماجدة الرومى.

 

 اسمه الأصلى «حنا عوض» وعائلته تنتمى لطائفة الروم الكاثوليك.. "زكى طليمات" أطلق عليه لقب «حليم» فأصبح «حليم الرومى».. وهو بالمناسبة مكتشف فيروز، وهو الذى غيّر اسمها من «نهاد حداد» إلى فيروز.

 

وُلد حليم الرومى فى عز ثورة 1919 فى الناصرة بفلسطين.. والتحق بمعهد الموسيقى فى حيفا.. ثم عمِل فى إذاعة الشرق الأدنى كمطرب وعازف وملحن ورئيس للبرامج الثقافية، ثم تزوج من «مارى لطفى» التى أنجبت له «عوض ومها ومنى وماجدة».

 

 انتقل إلى لبنان، وهناك اكتشف فيروز وقدّم لها أغنياتها الأولى.. ثم قدّمها للرحبانية الذين واصلوا معها الرحلة.. وجاء هو للقاهرة التى كان يعشق موسيقاها.. ودرس فى معهد فؤاد للموسيقى، ولنبوغه اجتاز السنوات الدراسية الست فى عامين.

 

 وشارك فى تمثيل فيلمين «أول الشهر» و«قمر 14»، الذى غنّى فيه «مسا الورد على عيونك».. ولقدرته الفائقة فى غناء وتلحين الأناشيد.. و«القدود».. أطلق البعض عليه لقب «سُلطان الموشحات».. ومنها موشح «وجب الشكر علينا»..

 

وصنع "الرومى" واحدة من الأغنيات الدينية الفذّة وتشبه فى طريقة تلحينها من دون موسيقى أو إيقاعات.. ما قدمه النقشبندى فى ابتهالاته فيما بعد.. تلك الأغنية التى استخدم فيها الرومى البطانة اسمها «أدعوك ربى» ولاتزال موجودة فى سجلات الإذاعة.

 

ومثلما حفظت الإذاعة ذلك اللحن «الصوفى» لـ "حنا عوض" الذى صار اسمه «حليم الرومى».. حفظت لنا أغنية عن «رمضان».

 

«ليه بعدما فرحنا بلياليك/ وآنستنا وأخدنا عليك/ عزمت ليه على الهجران/ مش لسّه بدرى يا رمضان/ ودعتنا وراح توحشنا/ واللهِ كنت مفرفشنا../ كنت ممتعنا..

 

وديع مدّاح الرسول

 

لم تكن فيروز هى الوحيدة التى اختار لها حليم الرومى اسمها الجديد.. بل كان هو نفسه من اختار اسم الصافى للمطرب خارق القدرات «وديع بشارة» الذى أصبح فيما بعد «وديع الصافى».

 

بدأ وديع بشارة يوسف فرنسيس- الذى ينتمى إلى الطائفة المارونية- حياته الدراسية فى «مدرسة دير المخلص الكاثوليكية».. واستمر بها ثلاث سنوات.. وكان الوحيد «المارونى» فى جوقة إنشادها.

 

وحسب إلياس سحاب فى مجلة العربى بعددها الصادر فى مارس 2009.. «استقى وديع الينابيع الأولى لتجربته الغنائية من الغناء الريفى فى جبل لبنان والإنشاد الدينى فى الكنائس الشرقية.. ثم صوت محمد عبدالوهاب».

 

 و«وضع وديع صوته فى خدمة دينه، ولم يكن غناؤه نابعًا عن تعصّب دينى أو تطرّف.. بل كان مؤمنًا متسامحًا منفتحًا على الدين الإسلامى.. انفتاحًا مُحبًّا قائمًا على الإيمان بالخالق الواحد.. والقيم السماوية».

 

وحسب فيكتور سحاب فى كتابه عن وديع: «وصل أداء الرجل إلى ذروة تجعله يبدو مخالفًا لقوانين الطبيعة.. فهذه القوانين تقول، إن الصوت البشرى عندما يرتفع إلى درجاته العليا؛ فإنه يزداد ضيقًا، باستثناء صوت وديع الذى يسيطر عليه صاحبه ليغلّفه الحنان ورِقة عزّ نظيرها.. هذه المنحة الربانية الفائقة التى تغنّت بالعروبة وبمصر العظيمة، فمُنح بسببها الجنسية المصرية.

 

وكان من الطبيعى أن يغنى لمَكة.

 

ولم تكن القصيدة الوحيدة ذات الطابع الصوفى التى تلتقطها عيناه وتصدح بها حنجرته، فراح يغنى للرسول محمد "ص" قصيدة أخرى اسمها «نداء الحق» من كلمات «موفق شيخ الأرض»، وغنّى للصيام ولشهَر رمضان.

 

غنّى وديع الصافى للصيام.. ورمضان بالفصحى وبالعامية.. وظل ينتقل من شجرة «محبة الوطن» إلى محبة «الإنسان».

 

ألكسندرا فى رمضان!

 

نور الله الذى يكفى الإنسان.. أى إنسان مَهما كانت ديانته التى استظلّ بها.. هو الاسم الذى اختاره يوسف وهبى للمطربة والممثلة «ألكسندرا نقولا»، التى جاءت من تركيا لتصبح نجمة أفلام مصر فى الأربعينيات والخمسينيات ثم هاجرت إلى لبنان التى جاءت إلى مصر عن طريقها.

 

نور الهدى.. أو ألكسندرا.. والدها مقاول كان يحب صوت فتحية أحمد مطربة القُطرَين، لكنه لم يكن يحب عمل ابنته فى الفن.. لكن خالها ساعدها حتى دخلت إلى المجال الذى سمح لها بأن تشارك يوسف وهبى بطولة فيلمها الأول «الجوهرة».. وفيه لحّن لها السنباطى «يا أوتومبيل يا جميل محلاك»، ثم عملت مع محمد القصبجى وزكريا أحمد ومحمود الشريف وأحمد صدقى وفريد الأطرش وعبدالوهاب الذى شاركته بطولة فيلم «لست ملاكًا».

 

 نور الهدى صاحبة أغنية «ساعة بقرب الحبيب»، و«يا ساعة بالوقت اجرى».. غنّت من كلمات «الصاوى شعلان»، الذى عرّب شعر محمد إقبال، ومن ألحان ناصيف عزونى:

 

نور الهدى التى غنّت للرسول.. هى نفسها التى غنّت لرمضان من كلمات نزار الحر وألحان يعقوب طاطيوس.

 

«أقبلت يا رمضان/ بالخير والبركات/ والحق لاح وبان/ وهَلْت النسمات», وغنت له أيضًا، ولكن باللهجة البدوية هذه المَرّة.

 

وتبقى أغنيتها مع فريد الأطرش «هل هلال العيد» واحدة من أشهَر وأهم أغنيات الليلة الأخيرة فى الشهر الكريم.

 

فريد.. العابر للجنسيات

 

حصل الموسيقار فريد الأطرش على أربع جنسيات عربية.. فهو سورى المولد.. مصرى الإقامة.. لبنانى النشأة.. وسودانى أيضًا.. ولأنه كان- وسيظل- أحد أهم الأصوات فى تاريخ الموسيقى العربية، فقد شغلت حقيقة انتمائه الدينى جمهوره لسنوات.

 

المصادر المؤكدة تقول إنه "فريد فهد فرحان إسماعيل الثانى الأطرش".. ينتمى لطائفة الدروز، وهم شيعة منشقّون عن الطائفة الإسماعيلية الفاطمية.

 

«وعُرف عن فريد أنه كان يعلّق على صدره سلسلة فيها المصحف والصليب».

 

لم يكن هذا الأمر وحده سبب معاناة فريد.. فقد عانى كثيرًا بعد حصوله على الجنسية المصرية عام 1950.. ونعته كثيرون من منافسيه بأنه «شامى».. وأيًّا ما كانت أصول الرجل.. أو ديانته.. أو طائفته أو مذهبه.. فهو أحد المُجدّدين الكبار فى عالم الموسيقى والغناء.. وغناؤه الصوفى يحتاج لدراسة وافية.. لكننا هنا فقط نشير إلى أغنيته الأشهَر عن رمضان «هلت ليالى».

 

الكلمات التى كتبها بيرم التونسى.. اختار لها فريد مقامات محببة إليه ومن السهل أن تجدها فى معظم أغنياته «الراست والحجاز والبياتى»، واختار لها «إيقاع الفلّاحين» المتداول فى مصر والمعروف «المقسوم»، ليمنحها «روحًا ريفية وبهجة سريعة راقصة»، إلّا أنه لم ينس أنه «فريد»، فذهب إلى اختياره المعتاد، بأن يضمنها «موالًا» قبل نهايتها.

 

 وما بين الموال.. والكورس.. وإيقاع المقسوم «رقصت» أفئدة المحبين فى واحدة من «ليالى القدر» لترسّخ وتبقى «ليلة فريد».

 

ومن يبالى فى «ظلال» روحانيات الشهر الكريم.. بتسابيحه.. وتراويحه.. بالسؤال المائع الباهت «اسمك إيه.. لونك إيه.. جنسك إيه.. دينك إيه»؟! لا أحد من المحبين.. العارفين يسأل، فالدين لله وحده.  

لا يوجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق