السبت 6 يونيو 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
وليد طوغان
من «دكة» الرؤية.. لزمن الـ S.M.S

من «دكة» الرؤية.. لزمن الـ S.M.S

 فى عام 155هـ خرج أول قاضٍ لرؤية هلال رمضان فى مصر وهو القاضى أبو عبدالرحمن عبدالله بن لهيعة الذى ولى قضاء مصر، وخرج لنظر الهلال، وتبعه بعد ذلك القضاة لرؤيته.



 

حيث كانت تُعَدُّ لهم دكّة على سفح جبل المقطم عُرفت بـ«دكة القضاة»، يخرج إليها لنظر الأهلّة، فلما كان العصر الفاطمى بنى قائدهم "بدر الجمالى" مسجدًا له على سفح المقطم اتخذت مئذنته مرصدًا لرؤية هلال رمضان.

 

وصف الرحالة "ناصر خسرو"، الذى زار مصر فى القرن الخامس الهجرى الثريا التى أهداها الخليفة الحاكم بأمر الله إلى مسجد عمرو بن العاص بالفسطاط بأنها كانت تزن سبعة قناطير من الفضة الخالصة، وكان يوقد به فى ليالى المواسم والأعياد أكثر من 700 قنديل، وكان يفرش بعشر طبقات من الحصير الملون بعضها فوق بعض.

 

 وما إن ينتهى شهر رمضان حتى تُعاد تلك الثريا والقناديل إلى مكان أعِد لحفظها فيه داخل المسجد، كما أن الدولة فى ذلك الوقت كانت تخصص مبلغـًا من المال لشراء البخور الهندى والكافور والمسك الذى يُصرف لتلك المساجد فى شهر الصوم .

 

قرع الطبول لإخبار الشعب المصرى بدخول رمضان عام 1901
قرع الطبول لإخبار الشعب المصرى بدخول رمضان عام 1901

 

 

تقاليد رسمية

 

كان الاحتفال له تقاليد رسمية، فقد كان الخليفة يخرج فى مهرجان إعلان حلول شهر رمضان من باب الذهب (أحد أبواب القصر الفاطمى) متحليًا بملابسه الفخمة وحوله الوزراء بملابسهم المزركشة وخيولهم بسروجها المذهبة، وفى أيديهم الرماح والأسلحة المطعمة بالذهب والفضة والأعلام الحريرية الملونة، وأمامهم الجند تتقدمهم الموسيقى.

 

ويسير فى هذا الاحتفال التجار صانعو المعادن والصاغة، وغيرهم الذين كانوا يتبارون فى إقامة مختلف أنواع الزينة على حوانيتهم فتبدو الشوارع والطرُقات فى أبهَى زينة.

 

وكان موكب الخليفة يبدأ من بين القصرين (شارع المعز بالصاغة الآن) ويسير فى منطقة الجمّالية حتى يخرج من باب الفتوح (أحد أبواب سور القاهرة الشمالية) ثم يدخل من باب النصر عائدًا إلى باب الذهب بالقصر، وفى أثناء الطريق توزع الصدقات على الفقراء والمساكين.

 

 وحينما يعود الخليفة إلى القصر يستقبله المقرئون بتلاوة القرآن الكريم فى مدخل القصر ودهاليزه، حتى يصل إلى خزانة الكسوة الخاصة، فيغيِّر ملابسه ويرسل إلى كل أمير فى دولته بطبق من الفضة مملوء بالحلوى، تتوسطه صرة من الدنانير الذهبية وتوزع الكسوة والصدقات والبخور وأعواد المسك على الموظفين والفقراء.

 

ثم يتوجه لزيارة قبور آبائه حسب عاداته، فإذا ما انتهى من ذلك أمر بأن يكتب إلى الولاة والنواب بحلول شهر رمضان.

 

أمّا الاحتفال بحلول شهر رمضان ورؤية هلاله فى العصر المملوكى، فكان قاضى القضاة يخرج لرؤية الهلال ومعه القضاة الأربعة كشهود ومعهم الشموع والفوانيس، ويشترك معهم المحتسب وكبار تجار القاهرة ورؤساء الطوائف والصناعات والحِرَف.

 

وكانوا يشاهدون الهلال من منارة مدرسة المنصور قلاوون المدرسة المنصورية «بين القصرين» لوقوعها أمام المحكمة الصالحية «مدرسة الصالح نجم الدين بالصاغة»، فإذا تحققوا من رؤيته أضيئت الأنوار على الدكاكين وفى المآذن وتضاء المساجد، ثم يخرج قاضى القضاة فى موكب تحف به جموع الشعب حاملة المشاعل والفوانيس والشموع حتى يصل إلى داره، ثم تتفرّق الطوائف إلى أحيائها معلنة الصيام.

 

الاحتفال بخروج كسوة الكعبة إلى السعودية عام 1937
الاحتفال بخروج كسوة الكعبة إلى السعودية عام 1937

 

 

أصل الفانوس

 

هناك العديد من القصص عن أصل الفانوس، إحداها أن الخليفة الفاطمى كان يخرج إلى الشوارع ليلة الرؤية ليستطلع هلال شهر رمضان، وكان الأطفال يخرجون معه ليضيئوا له الطريق وكان كل طفل يحمل فانوسه ويقوم الأطفال معـًا بغناء بعض الأغانى الجميلة تعبيرًا عن سعادتهم باستقبال شهر رمضان.

 

وهناك قصة أخرى عن أن أحد الخلفاء الفاطميين أراد أن يضىء شوارع القاهرة طوال ليالى شهر رمضان، فأمر كل شيوخ المساجد بتعليق فوانيس تتم إضاءتها عن طريق شموع توضع بداخلها.

 

وتروى قصة ثالثة أنه خلال العصر الفاطمى، لم يكن يسمح للنساء بترك بيوتهن إلا فى شهر رمضان وكان يسبقهن غلام يحمل فانوسـًا لتنبيه الرجال بوجود سيدة فى الطريق لكى يبتعدوا.

 

بهذا الشكل كانت النساء تستمتع بالخروج وفى الوقت نفسه لا يراهن الرجال.

 

فى عصر الإمبراطورية العثمانية فى التاسع والعشرين من شعبان كان القضاة الأربعة يجتمعون وبعض الفقهاء والمحتسب بالمدرسة المنصورية فى «بين القصرين»، ثم يركبون جميعـًا يتبعهم أرباب الحِرَف وبعض دراويش الصوفية إلى موضع مرتفع بجبل المقطم حيث يترقبون الهلال.

 

فإذا ثبتت رؤيته عادوا وبين أيديهم المشاعل والقناديل إلى المدرسة المنصورية، ويعلن المحتسب ثبوت رؤية هلال رمضان ويعود إلى بيته فى موكب حافل يحيط به أرباب الطرُق والحِرَف بين أنوار المشاعل فى ليلة مشهودة.

 

وفى صباح أول أيام رمضان يصعد المحتسب والقضاة الأربعة إلى القلعة لتهنئة «الباشا» الوالى ليخلع عليهم «قفاطين» كما جرت العادة.

 

وفى بيوت الأعيان، كانت لهم عادات وصدقات فى ليالى رمضان يطبخون فيها الأرز باللبن، ويملأون من ذلك قصاعـًا كثيرة ويوزعون منها على المحتاجين، ويجتمع فى كل بيت الكثير من الفقراء فيوزعون عليهم الخبز ويأكلون ويعطونهم بعد ذلك دراهم، خلاف ما يوزع من الكعك المحشو بالسكر و«العجمية» وسائر الحلوى.

 

وفى زمن الحملة الفرنسية فى مصر، وفى ليلة الرؤية كان قاضى القضاة والمحتسب ومشايخ الديوان يجتمعون ببيت القاضى «المحكمة» فى بين القصرين.

 

وعند ثبوت الرؤية يخرجون فى موكب يحيط بهم مشايخ الحِرَف و«جملة من العساكر الفرنساوية»، وتطلق المدافع الصواريخ من القلعة والأزبكية.

 

وكانت كسوة الكعبة تُودع بمسجد الإمام الحسين حتى موعد «دوران المَحمل»، وفى رمضان 1215هـ «توجَّه الوكيل» الجنرال فورييه ومشايخ الديوان إلى المشهد الحسينى لانتظار حضور نابليون بونابرت للكشف عن الكسوة وازدحم الناس زيادة على عادتهم فى رمضان.

 

فلما حضر نابليون ونزل عن فرسه عن الباب وأراد العبور للمسجد رأى ذلك الازدحام؛ فهاب الدخول وخاف العبور وسأل من معه عن سبب هذا الازدحام.

 

فقالوا: «هذه عادة الناس فى نهار رمضان يزدحمون دائمًا على هذه الصورة فى المسجد ولو حصل منكم تنبيه كنا أخرجناهم قبل حضوركم، فركب فرسه وكرَّ راجعـًا وانصرف».

 

وفى العام التالى 1216هـ كانت الأوضاع لا تسمح بمظاهر احتفالية؛ خصوصًا مع تصاعُد المقاومة الشعبية ضد الجيش الفرنسى، ولم تُعْمل فيه الرؤية على العادة؛ خوفًا من الفرنسيين، وكان نابليون بونابرت يصدر أمره بالمناداة فى أول رمضان بألا يتجاهر غير المسلمين بالأكل والشرب فى الأسواق، وألا يشربوا الدخان ولا شيئـًا من ذلك بمرأى منهم؛ كل ذلك لاستجلاب خواطر الرعية.

 

كما أقام نابليون عام 1798م فى الإسكندرية بطارية مدفع فوق كوم الناضورة مزودة «بكُرة» وتتصل البطارية بمرصد حلوان بحيث يتم إسقاط الكرة ساعة غروب الشمس فتُحدِث صوتًا، وأصبح هذا الصوت إيذانـًا بموعد الإفطار وأطلق عليه «كرة الزوال».

 

مصر الخديوية

 

مع بداية القرن العشرين فى عهد الخديو عباس حلمى الثانى انتقل إثبات رؤية الهلال إلى المحكمة الشرعية بباب الخلق؛ حيث كانت مواكب الرؤية تخرج إلى المحكمة الشرعية: موكب لأرباب الحِرَف على عربات مزدانة بالزهور والأوراق الملونة، وموكب الطرُق الصوفية بالشارات والرايات والبيارق، وفِرَق رمزية من الجيش والشرطة بموسيقاها المميزة.

 

وكانت هذه المواكب تمر بقصر «البكرى» بالخرنفش؛ حيث نقيب السادة الإشراف وأمراء الدولة والأعيان يستقبلون وفود المهنئين وتُوزع المرطبات ويتبادل الجميع التهانى.

 

بينما مدافع القلعة والعباسية تدوى وتطلق الألعاب النارية وتضاء الأسواق والشوارع وجميع القباب والمآذن.

 

أمّا يوم الرؤية، فكان الموكب من القلعة يضم المحتسب وشيوخ التجار وأرباب الحِرَف من الطحانين والخبازين والزياتين والجزارين والفكهانية وصانعى الفوانيس وحاملى الشموع، تحيط بهم فِرَق الإنشاد الدينى ودراويش الصوفية، وتتقدم المواكب فرقة من الجنود.  

لا يوجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق