الخميس 6 أغسطس 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
وليد طوغان

رمضان أيام ما قبل الفيروس

 يزخر الفولكلور الشعبى المصرى بتقاليد ارتبطت خصيصـًا بشهر رمضان. فمن مصر انطلق المسحراتى الأول الذى يتجول فى الطرُقات، وكان والى الخليفة العباسى المنتصر على مصر عنبسة بن إسحاق (عام 228 هـ) أول من فعل ذلك.



 

وفى العصر الحديث اشتهرت أيضًا مهنة المسحّراتى، وكانت النساء يضعن نقودًا معدنية داخل ورقة ملفوفة ويشعلن طرفها، ثم يلقين بها من المشربية إلى المسحراتى؛ حتى يرى موضعها فينشد لهن.. كان زمان رمضان ما قبل كورونا!.

 

من مصر أيضـًا عَرف العالم الإسلامى تقليد «مدفع الإفطار» على سبيل المصادفة؛ إذ تُحيله بعض المصادر التاريخية إلى عهد الوالى الإخشيدى على مصر «خوشقدم» الذى تزامنت تجربته لمدفع جديد بالمصادفة مع أذان المغرب فى إحدى ليالى رمضان.

 

فظن الناس أن الوالى قصد بذلك تنبيههم وتوافدوا إليه ليشكروه فاقر المدافع كتقليد دائم، فيما يحيله آخرون إلى مؤسس الأسرة العلوية محمد على فى واقعة مشابهة.

 

استثمار الفضائل

 

ربما ترجع فكرة «موائد الرحمن» إلى الولائم التى كان يقيمها الحكام وكبار رجال الدولة والتجار والأعيان فى أيام الفاطميين.

 

 يروى أن أحمد بن طولون- حاكم مصر ومؤسّس الدولة الطولونية- هو أول من رأى فى شهر رمضان مناسبة كريمة لاستثمار الفضائل؛ فأمر بدعوة أغنياء وحكام الأقاليم فى أول يوم من رمضان ووزعهم على موائد الفقراء والمحتاجين كى ينفقوا عليها، وعُرفت موائد الرحمن الرمضانية فى العصر الفاطمى وسُميت «السماط».

 

 وكان الخليفة يُعد مائدة كبيرة فى قاعة الذهب بقصره تمتد من الليلة الرابعة من رمضان حتى الليلة السادسة والعشرين، ويدعى إليها كبار رجال الدولة والأمراء والوزير وقاضى القضاة، إضافة إلى موائد أخرى فى مسجد عمرو بن العاص والجامع الأزهر، وكذلك إناء مملوءة بالطعام تخرجها مطابخ قصر الخليفة للمحتاجين.

 

ويُعتبر الخليفة الفاطمى العزيز بالله أول من عمل مائدة فى شهر رمضان يفطر عليها أهل الجامع العتيق (عمرو بن العاص)، وأقام طعامًا فى الجامع الأزهر مباحًا لمن يحضر فى شهور رجب وشعبان ورمضان، وكان يخرج من مطبخ القصر فى شهر رمضان 1100 قِدْر من جميع ألوان الطعام، توزع كل يوم على المحتاجين والضعفاء.

 

وفى العصر الفاطمى كانت تمتد آلاف الموائد المليئة بأطيب الطعام للصائمين غير القادرين أو عابرى السبيل، وكان الخليفة العزيز بالله ومن بعده المستنصر بالله يهتمون بموائد الإفطار التى تقام فى قصر الذهب للأمراء ورجال الدولة، وكذا التى تقام فى المساجد الكبرى للفقراء والمساكين حتى بلغت نفقات شهر رمضان مدة 27 يومـًا ثلاثة آلاف دينار.

 

فى العصر الفاطمى أيضًا بنى الخليفة الفاطمى العزيز بالله دارًا سُميت «دار الفطرة» خارج قصر الخلافة بالقاهرة، وقرر فيها صناعة ما يحمل إلى الناس فى العيد من حلوى وكعك وتمر وبندق.

 

وكان يبدأ العمل بدار الفطرة من أول رجب إلى آخر رمضان، ويستفيد منها الأمراء والفقراء؛ حيث توزع عليهم أصنافها كلٌّ على قدر منزلته، ويقوم بالتوزيع مئة فرّاش.

 

وكان يعمل فى هذه الدار مئة صانع للحلوى وغيرها من المأكولات، علاوة على ما هو مرتب لخدمتها من الفراشين الذين يحفظون رسومها ومواعينها، وكان يصرف على أجرة الصنّاع والمواعين خمسمائة دينار.

 

وجرت العادة فى هذا العصر أن يحضر الخليفة الفاطمى العزيز بالله إلى دار الفطرة ومعه الوزير فيجلس الخليفة على سريره، ويجلس الوزير على كرسى، وذلك فى النصف الثانى من شهر رمضان، ويدخل معهما قوم من الخواص.

 

ويشاهد الخليفة ما بالدار من الحواصل المعمولة المعبأة مثل الجبال من كل صنف فيفرقها من ربع قنطار إلى عشرة أرطال إلى رطل واحد وهو أقلها، كل على قدر منزلته، وذلك فى أوانٍ لا تُرد، ثم ينصرف الخليفة ووزيره بعد أن ينعم على مستخدمى الدار بستين دينارًا.

 

تفاصيل رمضانية

 

اليوم، لا يمكن للسائر فى أحياء مدينة القاهرة خلال شهر رمضان إغفال تلك الروائح المؤكِّدة على نفسها، التى تسطو على حياد الهواء؛ روائح الطعام التى تتسلل من البيوت، والقطائف والكنافة التى تبيعها المطاعم، والتوابل والمخللات التى تتحداك أينما ذهبت، والعصائر والمشروبات التى ترطب جوف الصائم حين ينطلق مدفع الإفطار.

 

رمضان فى مصر هو المساجد التى لا تنام، والفوانيس التى لا تنطفئ، والشوارع التى لا تهدأ، والطوابير التى لا تنتهى؛ هو شهر موائد الرحمن، والتواشيح الدينية، والمسلسلات التليفزيونية، والفوازير الاستعراضية، والدورات الكروية، والمكسرات والياميش، وعصائر عِرْق السوس والتمر هندى والخرّوب، وأحيانـًا المخللات والمقبلات، والسهرات فى الخيم الرمضانية الفخمة وعلى المقاهى الشعبية الشهيرة حتى ساعات الصباح الأولى.

 

مجموعة من العادات والتقاليد التى طبعت مصر؛ وبخاصة العاصمة القاهرة، خلال شهر الصوم والعبادة. القاهرة، الساهرة، الساحرة، الساخرة، لها مذاق ثانٍ فى رمضان؛ فهى تعشق وضع بصمتها على كل تفصيلة، سواء أكان ذلك بالسلب أو الإيجاب.

 

تحافظ القاهرة على قرآن المغرب بصوت الشيخ محمد رفعت، والأذان بصوت مصطفى إسماعيل، والتواشيح الفاتنة بصوت النقشبندى.

 

تُضاء القاهرة فى رمضان، يحدث هذا بالمعنى الحَرفى أيضـًا.

 

إذ تغمر شوارع المدينة العتيقة الأنوار والمصابيح والفوانيس بألوانها وأشكالها المختلفة ووهجها الأخاذ، كما لو أن أهل المحروسة حكموا عليها بالسهر طوال الشهر الفضيل.

 

الاستعدادات لرمضان طقس شهير فى القاهرة التى لا تنام. تمتد الحبال والأسلاك بين الشرفات والبيوت وأعمدة الإنارة؛ لتربط بين قلوب أهلها من مسلمين وأقباطا، فالفرحة بقدوم الشهر المبارك لها معناها فى قلوب  كل المصريين. 

 

والأثر الواضح لهذا الشهر على المصريين هو الوقار الذى يغلف طابعهم فى ساعات النهار، والتثاقل إلى حد العمل بأقل قدر ممكن، ترشيدًا للجهد وتوفيرًا للطاقة. قد تنفلت الأعصاب فجأة، فى الشارع أو المكتب، بدعوى أن "الدنيا صيام"، والجدل ممنوع، وكثيرًا ما تسمع من أحدهم بمناسبة أو من دون مناسبة عبارة "اللهم إنى صائم"، كأنما هذا هو الشعار الرسمى لنافدى الصبر أو شريحة "الصائمين الاستعراضيين" خلال نهار رمضان. 

 

ومع اقتراب موعد أذان المغرب، تبدو القاهرة كأنها قد أفاقت من غشيتها، فيطل الناس من النوافذ والشرفات بينما البعض منهمك فى صلاته وتسبيحه.

 

وتتداخل أصوات برامج الإذاعة والتليفزيون وتتسرب إلى البيوت والمتاجر المتلاصقة.

 

رمضان هو للأسف الشديد شهر ارتفاع الأسعار واستغلال التجار للعادات والتقاليد المتبعة فى البيوت التى تهتم بما لذ وطاب؛ ولذا ترتفع كلفة الإنفاق فى البيت المصرى وربما العربى بشكل عام.

 

يحرص المصريون فى رمضان على توزيع اللحوم والصدقات على الفقراء، ويتبادلون الزيارات والسهرات، ويشعلون فوانيس كبيرة ملونة أمام المنازل والحوانيت وفى المساجد. 

 

الأحياء الفقيرة العشوائية لها شكلٌ خاص فى رمضان يشبه أشكال وثقافات سكانها؛ إذ توجد فيه خلطة ثقافية تمثِّل كل الأقاليم المصرية.

 

قصف إعلانى

 

صار المواطن فى مصر هدفـًا لقصف إعلانى وتنتشر قبيل رمضان وخلاله إعلانات فى الشوارع والميادين عن مسلسلات رمضان ونجومه، إيذانـًا ببدء موسم الدراما الرئيسى، بعد أن استقر مصطلح "دراما رمضان" فى الأذهان، باعتباره دالًا على كثافة المسلسلات ذات العرض الأول مع نسب مشاهدة مرتفعة من الجمهور.

 

 وتحوّل رمضان إلى موسم الدراما العربى الأساسى؛  حيث يعرض فيه نحو 40 أو 50 مسلسلًا، فى حين تعاد مسلسلات رمضان، لا سيما الأكثر نجاحـًا منها، على مدار العام.

 

انعكست المحددات الاقتصادية لموسم رمضان على فكرة السباق الرمضانى الذى يسوده منطق أفعل التفضيل: الممثل أو الممثلة الأكثر تألقـًا، الديكور الأكثر إبهارًا، أغنية المقدمة الأكثر انتشارًا، الموسيقى التصويرية الأجمل.. إلخ.

 

بمعنى آخر، ولّت أيام العرض الجماهيرى الموحد لدراما رمضان مع دخول القنوات الفضائية خارطة الإعلام المرئى وتزايد تفتت المشاهدين عبر القنوات والمسلسلات. 

 

وبذلك انتهى عصر النوستالجيا الذى تتكون فيه دراما رمضان من فوازير ومسلسليْن اجتماعييْن ومسلسل تاريخى مثل أيام "ليالى الحلمية" و"رأفت الهجان" فى مطلع تسعينيات القرن العشرين . فى موسم الفرجة، تدخل قنوات التليفزيون فى سباق محموم لتقديم واجبات الضيافة على طريقتها.

 

إذ يشهد التليفزيون ثقافة التخمة التى تتمثل فى ازدحام الشاشة بأطباق دسمة فيها بذخٌ من ألوان الإنتاج، مثل الفكاهة والمزاح والتسلية والترفيه والضحك التلقائى  والألعاب والمسابقات والربح الفورى المباشر، مع عدد من البرامج والمواد الدينية عبر ندوات وعظات وابتهالات وأدعية يشارك فيها فنانون ودعاة مع آخرين.

 

بمِثل تلك التناقضات يستقبل المصريون رمضان ويودّعونه، فهو شهر العبادة مثلما هو شهر المسلسلات، وهو شهر الصيام مثلما هو شهر الولائم.

 

وهو أخيرًا شهر التسامح والكرَم مثلما هو شهر الغضب فى عُرف مَن ينسون أن رمضان كريم. وهو أيضًا شهر «مش عارفين نعمل إيه؟!» فى زمن كورونا.

لا يوجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق