السبت 6 يونيو 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
وليد طوغان
مافيا صناعة الدواء!

مافيا صناعة الدواء!

 ما يحدث الآن من اجتياح فيروس "كورونا" العالم، سيحقق لمافيا صناعة الدواء العالمية مليارات الدولارات؛ حيث يستنزف البحث عن العلاج أموال الدول أكثر من نفقات الحروب.



 

وينهج مُصَنعو الأدوية نفس أسلوب صانعى الحروب فى تسويق الأسلحة بهدف بيع وتسويق أكبر كمية ممكنة من الأدوية لتُدر أرباحًا فلكية.

 

ومن بين 12 ألف شركة دواء حول العالم، تحتكر 25 شركة فقط نصف صناعة الدواء العالمية. وهى شركات أوروبية أو أمريكية، فى حين تُعد بلدان العالم النامى المستهلك الأول للعقاقير الأساسية.

 

 

وتحقق مافيا صناعة الدواء سنويًا عوائد تعدت حاجز التريليون دولار، دون أى اعتبار لضوابط أخلاقية يتصور حضورها فى الصناعة الأكثر مصيرية فى حياة الإنسان.

 

وتسيطر الشركات العالمية على معظم أسواق الأدوية فى العالم الثالث، سواء عن طريق التصدير المباشر أو احتكار مواد التصنيع الأولية. 

 

بيع الوهم

 

الأسوأ أن تلك الشركات تبالغ فى أسعار منتجاتها لتغطية مصاريف الأبحاث والدعاية وعمولات الموزعين، وتتنافس الشركات الغربية على احتكار الخامات الدوائية رُغم أن الكثير من عناصر الأدوية المشهورة هى فى أساسها عناصر محلية درست ووثقت ثم أعيدت لأصحابها فى أغلفة أنيقة.

 

وتغولت مافيا الدواء وأحكمت قبضتها على مفاصل البحث العلمى الكبرى، وهو ما أكدته «مارسيا أنجل»، رئيسة تحرير «مجلة نيو إنجلند الطبية» (NEJM) العريقة؛ حيث قالت: لم يعد بالإمكان تصديق كثير من البحوث السريرية المنشورة، أو الاعتماد على حُكم الأطباء الموثوق بهم أو الإرشادات الطبية الرسمية.

 

 ويشاركها الرأى «ريتشارد هورتون»، الأستاذ الجامعى الإنجليزى ورئيس تحرير مجلة «ذا لانسيت» الطبية الشهيرة قائلاً إن: فى عالم مافيا الدواء هناك تضارُب فَج فى المصالح، بل إنه فى العام 2018 عَقد البرلمان الأوروبى جلسة استمرت ساعتين، تحت عنوان «إمبراطوريات الطعام والدواء: هل تقتلنا من أجل الربح؟!». شارك فيها عدد من المتخصصين، مثل «أسيم مالهوترا» طبيب القلب.

 

وأكد المؤتمر عددًا من التبعات الكارثية لتغوُّل إمبراطوريات الطعام والدواء، منها تضارُب المصالح البشع الذى أضَر أشد الضرر بـ«الطب المسند بالدليل» وأثره المدمر على الصحة العامة.

 

ويُعتبر استغلال المواد الخام للدول النامية هو أساس عمل مافيا الدواء فى العالم، ففى كينيا وحدها نباتات طبية تفوق ما يوجد فى أوروبا وأمريكا، ولكن يحتكر استخدامها شركات من أوروبا وأمريكا. 

 

وتمتلك شركات مثل «جلاكسو سميث» البريطانية و«نوفارتس» السويسرية و«سانوفى» الفرنسية الحصة الأكبر فى سوق الدواء عالميًا، ورُغم أن نظام حماية الاختراعات بالبراءات بدأ مع اتفاقية باريس (1883)؛ فإن العديد من الاكتشافات الدوائية الأصيلة، مثل اكتشاف البنسلين (1929)، لم تتطلع إلى الحماية بالبراءات.

 

وفى الماضى كانت قيمة الابتكار الدوائى هى شفاء المريض، الآن أصبح العائد المادى، لذلك خاضت الشركات الدوائية العالمية مجتمعة حربًا قضائية ضد حكومة جنوب إفريقيا لمنعها من توفير أدوية الإيدز لمواطنيها بأسعار مناسبة، من خلال الترخيص بإنتاجها محليّا، الأمر الذى استنفر الرأى العام العالمى، ما دفع هذه الشركات إلى سَحب دعواها (2001).

 

وللسبب نفسه كان الرئيس الأمريكى الأسبق ريجان قد وقَّع عام 1988 قانونًا يعطى الولايات المتحدة حق توقيع عقوبات على البلدان التى ترى أن لها ممارسات تجارية غير عادلة تتداخل، على وجه الخصوص، مع حقوق المِلكية الفكرية.

 

بل تحولت الشركات الدوائية إلى بذْل كل ما تستطيعه من أجل تمديد فترة براءة الاختراع إلى أطول من مدتها الأصلية التى هى عشرون عامًا.

 

 

 

تكتيكات الحروب

 

عندما قامت بعض البلدان برفض قبول تمديد بعض البراءات فى حال رأت عدم أحقيته، أو فى إصدار ترخيص لإنتاج الدواء محليّا من أجل إتاحته بسعر مناسب لميزانية الدولة أو لمواطنيها، مع دفع نسبة من المبيعات كتعويض للشركة العالمية، دخلت فى حروب مضنية مع الدول الكبرى.

 

 السّر يكمن فى الحجم الهائل لقيمة العائدات، حتى لو على مدى يوم واحد. ومعظم الطرُق التى تلجأ إليها الشركات لتمديد فترة احتكار براءة اختراع الدواء تعتمد على استراتيجية الدفع بطبقات من البراءات، بحيث تأتى إلى التطبيق واحدة تلو الأخرى.

 

الأساس فى هذه الطرُق هو إحداث قدر من التحوير فى المستحضر الدوائى، بقصد أن يتحقق لهذا التحوير الفوز ببراءة جديدة تكون سببًا فى تمديد البراءة الأسبق، وهكذا.

 

 مع العلم أن المادة الفعّالة المسئولة عن الفعل العلاجى (التى تم بمقتضاها منح البراءة الأصلية) هى نفسها، لم تتغير فى جميع براءات التمديد.

 

ومن الطرُق الأخرى التى يُلجأ إليها أحيانًا طريقة الخلط بين دواءين، وهنا تقوم الشركة بوضع دواءين مختلفين فى مستحضر واحد، مثلًا دواء لتخفيض الدهون فى الدم، يضاف إليه دواء مخفض لارتفاع ضغط الدم، وهكذا.

 

ربما يكون التكتيك الأكثر صدمة فى التمديد هو ما يُعرف بظاهرة "التبادل المالى العكسى"، وطبقًا لهذا التكنيك يتأخر قدوم المستحضر الجنيس إلى الأسواق لبعض الوقت، لقاء مبلغ كبير من المال تتلقاه الشركة التى من المفترض أن تقوم بتصنيعه من الشركة صاحبة البراءة، فى مقابل تمديد الفرصة لمزيد من المبيعات للمستحضر الأصلى.

 

مع الأخذ فى الاعتبار أن سعر الدواء الذى يتمتع بفترة الحماية لبراءة اختراعه سارية المفعول يماثل ربما عشرة أضعاف السعر عندما تنتهى فترة الحماية للبراءة، وذو السعر المنخفض هو ذاته الدواء الاحتكارى ذو السعر المرتفع.

 

الفارق الوحيد يكمن فى اسم المستحضر، فالدواء الاحتكارى يتاح باسم تجارى اختارته له الشركة صاحبة البراءة، وأمّا الدواء منخفض السعر فيحمل ما يُعرف بالاسم النوعى (أو الجنيس)، الذى هو الاسم العلمى الشائع.

 

وفى دنيا مافيا الدواء هناك "حوائط الصد"، وهى تتعلق أساسًا إمّا بالحاجة إلى تطبيق الترخيص الإجبارى، وإمّا بالاعتراض على قبول أو تجديد براءة اختراع.

 

ورُغم أن للدول كامل الحقوق بشأن ممارسة دورها فى بناء حوائط الصد ضد قذائف الشركات العالمية؛ فإن الهند هى الدولة الوحيدة التى تجرأت وفعلتها.

 

هذه الجرأة الهندية ربما كانت وراء ما بزغ مؤخرًا خارج الهند من انتفاضات ناقدة (أو مضادة) للشركات الدوائية.

 

يشير التاريخ القريب إلى أن الحكومة الأمريكية (عندما كانت فى موقف الهند نفسه) كانت قد هددت شركة "باير" باستخدام السلاح نفسه بشأن دواء "سيبروفلوكساسين"، حتى تتمكن من توفيره لعموم مواطنيها، وذلك عندما تعرضت الولايات المتحدة لهجمة عدوَى "الأنثراكس" فيما بعد أحداث 11سبتمبر 2001.

 

 

 

إفشال عمليات

 

بخصوص التوجه الجنوب إفريقى تسربت أنباء عن وثيقة إلكترونية، جرى إرسالها من مسئول فى شركة دوائية عالمية إلى مسئولين تنفيذيين فى شركات أخرى، تشير إلى التخطيط لحملة تهدف إلى إفشال عمليات إعادة تشكيل القوانين الخاصة بالبراءات، وكيف أنه جرى اختيار شركة أمريكية متخصصة فى تكوين ما يسمى  "لوبى الضغط"، لقيادة هذه الحملة.

 

الحرب ليست محصورة بين الشركات والحكومات، بل تمتد إلى الأطباء داخل البلدان الغنية، فالحرب تتعلق بسلعة لا يمكن لمن يحتاجها أن يستغنى عنها.

 

وتقدُم شركات الدواء حول العالم ما يعرف بالدعاية المخادعة يخاطب بعضها المرضى ويخاطب البعض الآخر الأطباء.

 

وفى العام 2008، تضمنت إحدى طرُق الدعاية صورة ترويجية يظهر فيها «روبرت جارفيك» وهو عالم أمريكى مرموق ومطور القلب الصناعى، مع نص يؤكد قدرة الدواء على خفض احتمالية الإصابة بالنوبة القلبية بنسبة %36 مع أن الأبحاث أثبتت فيما بعد عدم صحة هذه المعلومات فى درء النوبات القلبية.

 

وتتعدد صور تضارُب المصالح، ففى العام 2015، نشرت مجلة علم الأوبئة السريرى دراسة شملت 185 تحليلًا يخص الأدوية المضادة للاكتئاب، لتكتشف أن ثلث تلك المواد حرّرها موظفون لدى مافيا الدواء. 

 

وكلنا نعلم أن صناعة الدواء مستعدة لتمويل دراسات تروج لمنتجاتها، لكن تمويل التحليلات التلوية التى لطالما كانت حصنًا حصينًا للطب المسند بالدليل أمر مختلف تمامًا، بل وتؤثر مافيا الدواء فى البحث العلمى بطرُق غير مباشرة. مثل النشر الانتقائى للأبحاث والتجارب السريرية ونتائجها، بما يغرى الباحثين بتصورات غير واقعية عن فاعلية الدواء ونسب المخاطر وما شابه. 

 

يحدث ذلك كثيرًا مع تجارب الدواء الفاشلة، أو تلك التى ترصد آثارًا جانبية قد تضر بسمعة الدواء فى السوق.

 

ونتيجة للوعى المتزايد بأضرار النشر الانتقائى، بدأت بعض الدول الأوروبية فى سن قوانين تجبر شركات الدواء على إتاحة نتائج التجارب السريرية والتجارب قبل السريرية؛ نظرًا للأهمية الحيوية لتلك البيانات.

 

ولايزال الوعى بألاعيب وجرائم مافيا الدواء أقل كثيرًا مما نحتاجه لمكافحة تغولها وسمومها المبثوثة بين أوراق البحوث والمراجع العلمية.

 

وفى محاولة تحقيق شفافية دولية فى اقتصادات صناعة الأدوية، سمحت منظمة التجارة العالمية فى عام 1995 للحكومات بإنتاج الأدوية المكافئة لأسواقها المحلية دون موافقة الشركات صاحبة براءة الاختراع.

 

 ولكن هذا أدى إلى عدم تمكّن الدول الأكثر فقرًا والتى لا تملك قدرات تصنيع من الحصول على هذه الأدوية، والمؤكد أن المرضى فى جميع أنحاء العالم هم ضحايا هذه المافيا.  

لا يوجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق