الخميس 6 أغسطس 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
وليد طوغان

لماذا سقط الغرب فى مواجهة كورونا؟

حسب إحصاءات منظمة الصحة العالمية فإن وباء كورونا الذى اجتاح العالم تسبب فى وفاة أكثر من 200 ألف حالة، ٪75 منهم فى أوروبا ودول الغرب، فضلًا عن إصابة ما يزيد على 3 مليون شخص.



 

والملاحظة اللافتة أن الدول الغربية وأمريكا فشلت فشلًا ذريعًا فى مواجهة الوباء الذى انتشر سريعًا فيها، بينما نجحت دول الشرق وعلى رأسها الصين ومنها مصر فى مواجهة الفيروس والسيطرة عليها.. الأسباب وراء ذلك تكشفها السطور القادمة.

 

 

فى العالم نظريتان لمواجهة فيروس (كوفيد 19)، الأولى تقوم على مبدأ علاج كل المصابين بشكل متساوٍ حتى اللحظة الأخيرة.

 

لا فَرق بين شاب أو عجوز أو حتى طفل، والإسراع وعدم التباطؤ فى اتخاذ القرارات الاحترازية اللازمة، واستنفار كل المقدرات المادية لخنق الوباء عبر الحَجْر الصحى المنزلى أو الحَجْر الطبى، وغيره من القرارات الصارمة للحد من انتشار الفيروس، وهذه النظرية اتبعتها دول الشرق بشكل عام.

 

النظرية الثانية؛ تقوم على مبدأ دراسة الجدوَى ما بين تكلفة مكافحة الفيروس والحد من انتشاره، وبين تكلفة ترْك الفيروس يأخذ دورته الطبيعية.

 

وعلى ما يبدو أن أنصار هذه النظرية (غالبية الدول الكبرى فى الغرب) فضّلوا ترْك الفيروس يأخذ دورته الطبيعية، ولينجو من إصابته من هو أقوى؛ لأن ذلك أقل تكلفة، وأقَرّ المختصون أن الفيروس أكثر خطورة على ذوى المناعات الضعيفة، سواء من كبار السِّن أو الصغار، فهم الهدف الأسهل لـ"كورونا".

 

التضحية بالضعفاء!

 

 فى صحيفة "إن إر سى" الهولندية قالت البروفسير فى كلية الطب "مارتن دفريس": يوجد 1320 مريضًا فى العناية المركزة، وكل مريض يمكث بها نحو ثلاثة أسابيع، وعلاوة على ذلك تتزايد أعداد المصابين يوميّا. فالمشكلة ليست فى عدد الأسرّة فحسب؛ وإنما أن كل سرير يحتاج لجهاز تنفس وممرض/ ممرضة، لذا غير ممكن أن تكون الأسرّة أكثر من 2400. 

 

وأضافت: إذا استمر عدد المصابين فى التزايد على هذا النحو، سنواجه كأطباء معضلة كبيرة؛ لأننا حينها ليس أمامنا إلّا ثلاث حالات.. الأولى هى أن المرضى من كبار السن أو صغار السن الذين يعانون من مشكلات صحية مزمنة (سرطان أو مرضى القلب.. إلخ) مسبقًا لن نستطيع استقبالهم ومساعدتهم.

 

الثانية؛ إذا وصلنا لمرحلة نفاد الأسرّة والأجهزة، فلن نستقبل المرضى من الـ 70 عامًا والأكبر.

 

وأردفت "دفريس": وإذا ازداد الأمر سوءًا ووصلنا للحالة الثالثة، ستحل كارثة على الأطباء؛ لأن هذا ضد شرف المهنة، وهو أننا لن ننظر إلى حالة المريض الصحية واحتمالات شفائه! ولكن سننظر إلى مَن هو أهم فى الدولة الطبيب أمْ النجار والممرضة الشابة أمْ المحامى الذى قارب على التقاعد!

 

وأكملت: فى هذه المرحلة لن نستطيع أن نأخذ القرار بأنفسنا، بل لا بُدّ أن تساعدنا الحكومة فى ذلك، وإن مجلس الوزراء هو مَن سيحدد أى مريض علينا مساعدته واستقباله. 

 

وواصلت نصائحها قائلة مستشهدة بمَثل هولندى شائع "من يأتى أولًا.. تتم مساعدته أولًا". أو سنختار المرضى عن طريق القُرعة، وبذلك لن نميز أحدًا على أحد وسيكون الكل سواء. 

 

وأبرزت الصحيفة أيضًا قولها إنه لا بُدّ من وضع قوانين تحدد كل ذلك، فهل مثلًا المريضة الأم لأربعة أطفال لها أولوية السماح بدخول المستشفى عن الزوجة العاقر، عامل النظافة أمْ الجراح! مَن سيحدد كل ذلك؟ 

 

فى الصحيفة نفسها قال مسئول بوزارة الصحة إن الحكومة الهولندية ستحاول البحث عن حلول أخرى تفاديًا لأن تصل إلى أوضاع كارثية، ومنها محاولة توفير أكثر من 2400 سرير أو إرسال بعض المرضى إلى الجارة  ألمانيا.

 

قرارات احترازية

 

دعونا أولًا نتعرف إلى النظام الطبى الذى تتبعه هولندا بما أننى أعيش بها منذ أكثر من عشرين عامًا. 

 

بدايةً، لا بُدّ أن تبحث عن طبيب فى الحى الذى تسكن فيه! وذلك فى موقع البحث "جوجل"، بعدها يمكنك أن تختار الطبيب الذى يناسبك. وبعد اختيارك أحدهم، اتصل على هاتف العيادة واسأل ما إذا كان بوسعك التسجيل لدى الطبيب. سيوضحون لك كيف يعمل النظام؟ 

 

فى أثناء المكالمة الهاتفية مع عيادة الطبيب، يمكنك دائمًا أن توجه الأسئلة التى تدور فى بالك، وبعد تسجيلك، سيكون هذا طبيبك مدى الحياة تقريبًا أنت وأسرتك، ومن الصعب جدًا جدًا، بل يكاد أن يكون ذلك غير متاح بالمرّة، أن تغير الطبيب الخاص بك بعد تسجيل اسمك أنت وأسرتك فى عيادته!

 

لذلك، عليك الحرص والدقة فى جمع المعلومات عند اختيار الطبيب، سواء كان طبيب الأسنان أو طبيب الأسرة، إلا إذا انتقلت إلى مدينة أخرى، حينها تبدأ فى البحث من جديد عن طبيب أسرة وطبيب أسنان جديدين. 

 

إذا مرضت فى هولندا، يجب أن تذهب أولًا إلى عيادة طبيبك (طبيب الأسرة) التى سجلت فيها مسبقًا. ولتحديد موعد، عليك أن تتصل بمكتب الطبيب هاتفيّا.

 

إذا كنت تعتقد أن مشكلاتك الصحية عاجلة، فمن الأفضل أن تتصل مبكرًا للحصول على موعد فى اليوم نفسه، ومن ثَم يقرر طبيبك ما إذا كان سيحولك إلى طبيب اختصاصى أمْ لا. 

 

إذا اتصلت هاتفيّا بالعيادة، سترد عليك مساعدة الطبيب وتسألك عمّا تشكو منه؟ وستطرح عليك بعض الأسئلة المطولة فى أحايين كثيرة، وبَعدها ستقرر هى إذا كان يتطلب الأمر تحديد موعد واللقاء بالطبيب أمْ لا! 

 

على سبيل المثال، لو كنت تعانى من درجة حرارة عالية، فلا بُدّ أن تكون "أربعين درجة" فيما فوق، ولا بُدّ أيضًا أن تكون حرارتك مرتفعة طوال ثلاثة أو أربعة أيام، وأن تكون جميع محاولاتك لخفضها لم تؤدِّ إلى نتيجة مُرضية، بل نتيجة وقتية، وأن تكون تناولت طبعًا حبوب الباراسيتامول طوال الأيام الثلاثة الماضية، فى هذه الحالة فقط يمكنك تحديد موعد واللقاء بالطبيب. 

 

إذا مرضت أو أصبت فى حادث، فلا بُدَّ أن تذهب لطبيبك أو لمستشفى. فالتأمين الصحى إلزامى فى هولندا لكل شخص.

 

وكل أنواع العلاج تكلف الكثير من المال، ويجب تغطية تكلفتها. هذا يعنى أن علينا جميعًا أن ندفع مبلغًا من المال شهريّا لإحدى شركات التأمين الصحى، حتى إذا لم تُصب بمرض أو حادث.

 

رأسمالية براجماتية

 

 جعلت الحكومة الهولندية التأمين الصحى إلزاميّا؛ لأنها ترى أنه من الضرورى أن يتمكن كل واحد فى هولندا من الحصول على الرعاية الصحية اللازمة.

 

ومع التأمين الصحى، توجد مسئولية خاصة "عبء مادى يتحمله المواطن فى التأمين" بخلاف القسط الشهرى؛ لأن شركة التأمين لن تدفع عنك كل تكلفة الرعاية الصحية! مع العلم بأنه توجد أربع حقائب للتأمين الصحى، وكل حقيبة لها مميزاتها. 

 

ورُغْمَ التزامك بدفع القسط الشهرى؛ فأنت المسئول بخلاف ذلك عن أن تدفع بنفسك الـ 285 يورو الأولى من التكلفة خلال العام الواحد (العبء المادى الذى يتحمله المواطن مَهما كانت حقيبته)، بعدها سيتولى التأمين الصحى دفع ما يزيد على ذلك المبلغ. والحكومة هى التى تحدد مبلغ المسئولية الخاصة سنويّا. 

 

وبسبب كل ما سبق ذِكْره عن النظام الطبى فى هولندا؛ حدث هذا التلكؤ فى الخطط الصحية فى مكافحة الوباء إضافة إلى التلكؤ فى اتخاذ إجراءات حكومية عاجلة، وهو ما أدى إلى تفشى الوباء فى أرجاء البلاد. 

 

وأكد ذلك ما ذَكره "فرانس فان هوتن" رئيس مجلس إدارة شركة فيلبس لأجهزة التنفس؛ حيث قال إن هولندا منذ أسبوعين فقط  قدمت طلب إمدادها بأجهزة التنفس اللازمة، فى حين أنه بدايةً من  يناير وفبراير، تم إرسال الآلاف من أجهزة التنفس إلى الصين، وتليها إيطاليا، وعندها نفدت من مخازنه الأجهزة.

 

رُغم أن ظهور المرض فى هولندا كان فى نفس وقت ظهوره فى مصر بفارق أيام؛ فإن مصر نجحت فى خنق الفيروس ولاتزال مستمرة فى حملة القضاء عليه. 

 

لكن تأخرت هولندا فى اتخاذ القرارات الصارمة فلم تفرض حظر تجول؛ لأنها تعلن أنها بلد حريات ولا تحبس المواطنين فى منازلهم كما ذكر "مارك روتا" رئيس الوزراء؛ وأول قرار اتخذته هولندا كان يوم 9مارس الماضى، رُغم أن أول ظهور للمرض كان فى 14فبراير.

 

وكان القرار عبارة عن منع السلام "المصافحة"، طبعًا القرار لم يكن سديدًا وأكبر دليل هو "مارك روتٌا" نفسه، الذى بعد أن فرض القرار مد يده بالسلام لـ "ياب فان ديسل" مدير المعهد الوطنى للصحة العامة والبيئة، الذى كان يقف بجانبه.

لا يوجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق