السبت 6 يونيو 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
وليد طوغان
أنفاق القناة.. استراتيجيات الأمن والتنمية

أنفاق القناة.. استراتيجيات الأمن والتنمية

للتاريخ حركة.. حركة التاريخ لها متطلبات ومحددات وعلامات أيضًا. 



 

حركة التاريخ ليست ثابتة.. وليس صحيحًا أن التاريخ أحيانًا يعيد نفسه.. لم يثبت هذا الكلام.. قليلة هى المرات التى أعاد فيها التاريخ نفسه. 

 

حركات التاريخ إما للأمام.. وإما للخلف.. أوضاع الثبات التاريخية كانت أقرب إلى الخطوات للخلف.. وأكثر شبهًا بها.

 

تعمل حركة التاريخ فى اتجاهين متباينين.. فإما أن يأخذ التاريخ بيد الشعوب ويدفع بها للأمام.. وإما أن تسحب وقائعه الشعوب من أرجلها.. وتقذف بها للخلف.. إلى الماضى.. وخلف معادلات الحاضر.. ومقتضياته. 

 

( 1 ) 

 

لا تحكم الشعوب الحديثة نفسها بالمعنى المباشر للتعبير.. ففى عالم ما بعد القبيلة والعشيرة.. ظهرت الدول.. والدول أنظمة حكم وإدارات اتخاذ قرار.. لذلك تضع الشعوب في المجتمعات الحديثة على رأس إدارتها من تتصور فيه آمالها وطموحاتها.. وتلخص فيه نظرتها للمستقبل. 

 

تختار الشعوب من ترمى على عاتقه مسئولية التعامل مع التاريخ.. نيابة عنها. 

 

صحيح أن الشعوب هى التى تصنع تاريخها.. وهى التى تحدد رغباتها فى إحدى الاتجاهات التاريخية (إما إلى الأمام وإما إلى الخلف).. فإن المسئولية المباشرة.. والأساسية تظل على عاتق من يختاره المواطن.. لإدارة الوضع.. وتحقيق الدولة.. أو تحقيق معنى الدولة وترسيخه.. وبالتالى العبور من مراجل الخطر التاريخية.. بسلام.. إلى المستقبل. 

 

( 2 ) 

 

بعد 30 يونيو، اختار المصريون عبد الفتاح السيسى.. وعقدوا عليه العزم بعدما هتفوا باسمه فى الميادين وفى الشوارع بالملايين.. قبل تسجيل اسمه فى البطاقات بصناديق الانتخابات. 

 

كانت الأسباب كثيرة.. ومختلفة.. ومتعددة.. لكن ربما أنه كان من أهمها الثقة (حتى فى اللاوعى الجمعى) بأن هذا الرجل هو الذى يجب أن يحمل أمانة قيادة معركة مع التاريخ فى لحظات حرجة.. وظروف ملتبسة.. أخطر ملامحها وصول الإخوان فيها للحكم..  ومن ثم بدء خطة تهديد الدولة.. وإلغاء الهوية والتاريخ. كانت مرحلة شد تاريخية للخلف. 

 

لم يتول الرئيس عبد الفتاح السيسى مسئولية مصر على أطباق من ذهب واستبرق وسندس.. بالعكس.. دخل الرئيس مكتبه فى قصر الرئاسة والأوضاع أكثر من غير مستقرة لا على مستوى الشارع والمواطن.. ولا على مستوى السياسة والاقتصاد. 

 

لم يكن الشارع المصرى قد استطاع الإفاقة من صدمة حكم الإخوان بعد.. وإقليميا وعلى المستوى الدولى.. كان المشهد هو الآخر مليئًا بالتغيرات والتحولات التى لها خطورتها.. التى توازى.. أو تزيد فى الخطورة عما يشهده الداخل المصرى. 

 

يكفى أن تولى الرئيس السيسى وسط قائمة من الأطماع الإقليمية، والتحولات التى حولت أفكار بعض أقزام الدول المحيطة، بحيث تصورت أنها أصبحت من العماليق.. ويكفى أن تولى الرئيس السيسى والإرهاب مدعوم من الأقزام (بأخطر وأكثر أنواع الأسلحة تطورًا فى حوزته) كاد أن يسيطر على بوابة مصر الشرقية (سيناء)، وبعد أن كان مهد له الإخوان السيطرة فعلًا على عدة مناطق فيها.. بحيث تحولت إلى بؤر سرطانية.. مرحلتها الأخيرة كان التوجه إلى قلب الدولة. 

 

كانت مصر على حافة الهاوية.. وكانت فى منتصف الطريق إلى ستين داهية. 

 

( 3 ) 

 

لمصر على طول خط التاريخ 3 اتجاهات استراتيجية.. أو ثلاثة أضلع.. ممكن وصفها بالجهات الأكثر خطورة فى معادلة الأمن القومى  الاتجاه الاستراتيجيى الغربى كان أول مواطن الخطورة بأبعاده الممتدة فى عمق الحدود اللبيبة، وغرب المتوسط.. يليه الاتجاه الحدودى الجنوبى (دول حوض النيل ومصادر مياه النيل بدءًا من السودان)، ثم الاتجاه الشرقى، بدءًا من أطراف البحر الأحمر الحدودية فى الجنوب، وانتقالا إلى الشمال الشرقى فى سيناء. 

 

الاتجاه الشرقى كان ضمن الاتجاهات الأكثر خطورة.. وهو هكذا من بدء التاريخ، وما ترتب على هذا الاتجاه من أخطار وتهديدات (زادت واستحكمت بعد 2011)، وأضيف إليها التحولات الإقليمية والدولية فى شرق المتوسط، ودفع بعض الكيانات والدول القزمة فى توطين الإرهاب.. خلال هوجة ما يسمى بالربيع العربي. 

 

تولى الرئيس عبد الفتاح السيسى.. والاتجاهات الاستراتيجية كلها للدولة مهددة.. لم تكن الدولة نفسها إلا شبه دولة.. أو ما تبقى من دولة تعافر.. ألا تسقط. 

 

مصادر تهديد متنوعة، للاتجاهات الاستراتيجية المصرية كلها فى وقت واحد، وفى شكل غير مسبوق، وغير وارد بتلك الطريقة، وبهذه الكيفية على مر التاريخ المصرى. 

 

سيناء فى الشمال الشرقى لمصر، كانت أعلى وأكثر النقاط تهديدًا للأمن القومى، وأكثر البؤر اشتعالا لأكثر من سبب.. له علاقة بالجغرافيا والتاريخ. 

 

حرر الرئيس الراحل أنور السادات سيناء، لكن لم تكن هناك خطة حقيقية لإعادة التعمير. وفى عصر الرئيس حسنى مبارك، كانت الإعلانات الحكومية مستمرة عن خطط التنمية هناك، بلا خطط فعلية شاملة، اللهم إلا من بعض المشروعات التى لم تكن قد أهلت المنطقة فعلا إلى أن يقال إن بها خطة تنمية شاملة. 

 

وبقى الحيز الصحراوى الشاسع فى سيناء (بلا عمران ولا تنمية ولا توطين ولا مشروعات بنية تحتية ولا محددات حقيقية لضمان الأمن الاستراتيجى)، إلى أن جاء ما يسمى بالربيع العربى، فكان أن سقطت سيناء فى مستنقع خرائط الإرهاب.. وسرت على أراضيها مزيد من الثعابين المسلحة.. تولى وجوهها شطر الوادى.. حيث العمق المصرى. 

 

كانت التحولات الإقليمية فيما بعد وصول الإخوان للحكم ضد الدولة فى مصر على كافة المستويات والأصعدة. 

 

لعبت الدول (الراغبة فى التعملق مثل قطر) أدوارًا مغايرة لحجمها، ومعاكسة لقدراتها. وحاولت تركيا، الاستهتار بقدرات الجيش المصرى، أو ربما تصورت أن الدولة التى تهددها كل تلك الأخطار.. لن تكون فى كامل اللياقة لتأمين اتجاهاتها.. أو سد مناطق الثغرات. 

 

كانت دول مختلفة تسعى، والحال فى مصر على هذا الوضع، إلى تمهيد الطريق لنفسها، لامتطاء حصان السيادة فى المنطقة، وربما إعادة رسم خرائطها.. فى غياب مصر.. أو هكذا كانت التصورات. 

 

( 4 ) 

 

تولى عبد الفتاح السيسى المسئولية فى البلاد.. والاختيارات محدودة.. والظروف شديدة التشابك.. وأغلب الحلول تبدو معقدة.. وأحيانًا شبه مستحيلة.. وعلى المستويات الثلاثة.. مستوى الإقليم بعد الربيع العربى.. والمستوى الدولى (بسياسات دعم الإرهاب التى اتخذتها حتى بعض الدول الكبرى).. والمستوى الداخلى بمشاكل التنمية.. وتواجد أراجوزات السياسة وتجارة الأوطان.. إضافة إلى معضلات الاقتصاد. 

 

كان الحل الوحيد وقتها أن تستعيد نفسها.. إما أن تعود.. وإما ألا تكون. 

 

لم يكن هناك أكثر من خيار.. ولم يكن القرار الذى اتخذه السيسى إلا أن تستعيد مصر المكان والمكانة. 

 

كان القرار (على مستويات عدة) شديد الجراءة.. ويفوق أغلب التوقعات تفاؤلا.. وكانت القدرة على النجاح أكبر من سقف أكثر التوقعات تفاؤلا أيضًا. 

 

بدأت دولة 30 يونيو الحلول وفق معادلات محبوكة التخطيط.. كانت المعادلة قوامها (التنمية + حفظ الامن + استعدال الوضع الاقتصادى + استعادة ثقة المصريين فى الدولة باعتبار أن الدولة هى الحل الوحيد). 

 

بدأ عبد الفتاح السيسى خطط التنمية على محورين.. داخليًا وخارجيًا بالتوازى. وكان لا بد أن تشمل خطط التنمية محاور الخطورة الاستراتيجية للدولة المصرية. 

 

تنمية سيناء كان أحد أهم المحاور.. مصطلح التنمية.. أشمل من مصطلح البناء.. يشمل مصطلح التنمية خليطًا من الأمن والبناء واستعدال الاقتصاد وخلق بنى تحتية وتمهيد طرق الاستثمار، ويشمل أيضًا النظر لمستقبل شمال مصر الشرقى وسط التحولات الدولية والإقليمية. 

 

لا يمكن وصف ما حدث على أرض سيناء من مشاريع وأنفاق وقناة سويس وخطط توطين مزيد من المصريين ورفع كفاءة أو خلق بنى تحتية بهذا الشكل وذلك المستوى.. لا يمكن وصف هذا على أنه مجرد (بناء أو حركة تعمير).

 

الواقع يشير إلى أن محور الشمال الشرقى قد تم تغيير ملامحه بالكامل من جميع الزوايا (وبتكلفة تخطت الـ 600 مليار وبواقع يزيد على 25 % تقريبا من خطة التنمية الشاملة للبلاد). 

 

حققت خطة التنمية الشاملة الجمع لأول مرة فى تاريخ سيناء معاملات (البناء + توطين مزيد من المصريين + تمهيد المنطقة كمنافس أكبر للاستثمار + حفظ أهم محددات الأمن القومى المصرى). 

 

ولأنه المحور الأهم، فقد زادت أعداد مشاريع التنمية فى سيناء عن 850 مشروعًا تنمويا شاملا، مقارنة بـ 132 مشروعًا بالحدود الغربية من مصر، ومقارنة بأكثر من 95 مشروعًا تنمويًا عملاقًا فى الجنوب (إضافة إلى مشاريع التنمية فى عمق وادى النيل الإفريقى فى السودان وأغلب دول حوض النيل). 

 

بدأت خطة تنمية سيناء، بحفر القناة الجديدة، ثم تأسيس منطقة قناة السويس الصناعية، بما ينتج عن تلك الخطوات تمهيد الطرق للاستثمار.. والتجارة.. إضافة إلى ألوف مؤلفة من فرص العمل. 

 

توازت تنمية منطقة قناة السويس، مع خطط التنمية والإعمار الكبرى داخل سيناء، خصوصًا محافظة الشمال. 

 

كانت أنفاق قناة السويس.. واحدًا من العوامل الأهم فى خطة تنمية وتأمين الاتجاه الشمالى الشرقى لمصر.. البوابة الشرقية. 

 

لم تكن أنفاق القناة مجرد وسيلة لتسهيل نقل الأفراد بين ضفتى قناة السويس. لم تكن مجرد موصلات للأفراد من مناطق ومحافظات غرب القناة لشرقها أو العكس. اعتبار الأنفاق مجرد وسيلة لتخفيف وتسريع حركة المرور على هذا المحور الاستراتيجى المهم. ليس من الإنصاف.. ولا هو فهم صحيح للواقع. 

 

حققت أنفاق قناة السويس فى إطار المفهوم الأشمل للتنمية أكثر معاملات حفظ الأمن القومى وأكثر من هدف فى نفس الوقت. 

 

ربطت هذه الأنفاق أسيا بإفريقيا.. بما ينتج من هذا الربط عوامل استثمارية تجارية.. واستراتيجية حربية، إذ يمكن نقل أى ترتيبات والتزامات تقتضيها ظروف الحفاظ على الدولة من غرب القناة لشرقها فى ساعات. 

 

الأهم.. أن دمجت أنفاق قناة السويس، مناطق شرق القناة، بغربها، الذى هو محافظات شرق الدلتا فى نفس الوقت.. وبحيث تداخلت الأطراف الشرقية لمصر مساحيا (وللمرة الأولى أيضًا) مع مناطق شرق الدلتا.. ومحافظاته. 

 

صنع التداخل المساحى بين سيناء ومحافظات شرق الدلتا أكثر من ميزة نسبية وجوهرية.. ربما أولها تمهيد الطريق لتوطين أكثر من 7 ملايين مصرى فى سيناء، فى أنجز وأسرع طريقة، للتأمين بالتعمير، بعد نجاح القوات المسلحة فى تنظيف منطقة شمال سيناء من الإرهاب.. الذى ضربها بعد عام 2011.. وكان خلوها تقريبا من السكان.. واحدًا من أهم أسباب ساعدت على توطن الإرهاب هناك. 

 

خلقت منطقة قناة السويس (بمنظومة أنفاقها) مناطق توسعات استثمارية، متوقع أن تنافس خلال فترة قليلة قادمة، مناطق النفوذ التجارى لمرور البترول المنقول من وإلى منطقة الشرق الأوسط، إضافة إلى ضمان تأمين مصالح مصر الاستراتيجية فى شرق المتوسط، اعتمادًا على الساحل الشمالى لسيناء. 

 

لم يكن ما تحقق على هذا الشكل.. وبتلك الأوضاع.. وبهذه النتائج.. ممكن تصوره قبل تولى الرئيس السيسى يونيو المسئولية. 

 

القصة ليست مجرد أنفاق.. لكن القصة فى ما وراء الأنفاق من أبعاد.. والقصة ليست فى خطط التنمية.. إنما هى فيما وراء خطط التنمية من أغراض.. وأهداف.. القصة فى الاستراتيجيات.. وفى ما وراء الاستراتيجيات.  

 

بلا مبالغات.. حققت دولة 30 يونيو المعادلات المستحيلة.. نهضت مصر من دولة ركبها دعاة الثورة.. ثم الإخوان، إلى دولة ركبت الزمن.. واخترقت الصوت.. بهدوء.. وبلا صخب. 

 

افتتح الرئيس السيسى نفق الشهيد أحمد حمدى 2 قبل أيام.. كانت إشارة إلى أن التنمية مستمرة.. مهما كانت الظروف.  فى الظروف الحالية.. كانت هناك يد تبنى.. ويد تحارب الوباء.. كما أن هناك يدًا تبنى.. ويدًا تحمل السلاح.

لا يوجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق