الأربعاء 1 أبريل 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
وليد طوغان

زمن الخواجة!

"الأجنبى" فى الثقافة المصرية المتوارثة، هو كل مَن وفد إلى مصر وأقام فيها واتخذها وطنًا، وذلك عندما أصبحت له مصلحة يقيم من أجلها.



 

 وكان كل أجنبى يفد إلى مصر ينضم إلى الأجانب الذين سبقوه من بلده حيث يقيم فى المكان نفسه، ومن هنا نشأت "الجالية"، أى التجمع الذى يضم أبناء البلد الواحد واللغة الواحدة.

 

وقد انتشرت هذه الجاليات فى طول البلاد وعرضها، وأصبحت كل مجموعة وافدة تشكل ثقافة فرعية فى المكان الذى تقيم فيها من حيث اللغة والعادات، وبالتدريج يبدءون فى الاندماج فى المجتمع الجديد عن طريق استخدام لغة أهل البلاد بلكنة مختلفة واكتساب بعض العادات، لكن فى كل الأحوال يظل يحمل فى نظر المصرى صفة "الخواجة".

 

 

بمرور الزمن أصبح للأجانب وضعٌ قانونىٌّ زمن الحُكم العثمانى لمصر، ففى عام 1535 عَقَد السلطان العثمانى معاهدة مع فرانسوا الأول ملك فرنسا، تعطى لرعايا الدولتين حق السفر إلى أراضى الدولة الأخرى والإقامة والعمل دون أى التزامات.

 

لكن الذى حدث أن الفرنسيين أفادوا من هذه المعاهدة لأنهم كانوا قد أقاموا فى مصر، ومن هنا أطلق المصريون على هذه المعاهدة "الامتيازات الأجنبية".

 

 وبناءً على هذه الاتفاقية مع فرنسا، سارعت الدول الأوروبية التى لها رعايا فى الدولة العثمانية بعقد اتفاقيات مماثلة حماية لأبنائها.

 

ومن هنا أخذ الأجانب يعيشون فى مصر "الولاية العثمانية" فى أمن وأمان، وافتتحت قنصليات فى كل المدن التى فيها أجانب من مختلف الجنسيات لرعاية مصالح أبنائها.

 

 ولما زاد عدد الأجانب فى مصر بالتدريج وزاد نشاطهم التجارى والصناعى ولحماية مصالحهم، تقرر أن أى دعوى ضد أى أجنبى تنظر فى القنصلية التابع لها الأجنبى وليس أمام المحاكم الشرعية التى كانت قائمة آنذاك.

 

 وفى عام 1875 خلال عهد حُكم الخديو إسماعيل، تقرر إنشاء "المحاكم المختلطة" من قضاة أجانب للنظر فى قضايا النزاع بين الأجنبى والمصرى.. فلما وقعت مصر تحت الاحتلال البريطانى فى عام 1882، وجد الأجانب فى سُلطة الاحتلال خير حماية ورعاية.

 

 وهكذا أخذ وضعُ الأجانب فى مصر يتحصّن سياسيّا وقانونيّا أمام المصريين رعايا الدولة العثمانية، ولم يملك المصريون سوى احترام وجود الأجنبى طالما أنه يعمل ويفيد المجتمع المصرى، حتى لقد قال مصطفى كامل خلال حديثه عن الروح الوطنية والمطالبة بجلاء الإنجليز "أحرار فى بلادنا كرماء لضيوفنا".

 

  وبمرور الوقت ازداد عدد الأجانب فى مصر, وبعد قيام ثورة مارس 1919 التى انتهت بتصريح 28 فبراير 1922 من جانب إنجلترا بإعلان مصر مملكة مستقلة ذات سيادة، بدأت الإدارة البريطانية فى مصر تفكر فى وضع قانونى جديد لمصر يلغى بقاءها "ولاية عثمانية"؛ وبخاصة بعد هزيمة تركيا صاحبة الولاية على مصر فى الحرب العالمية الأولى.

 

 ومن هنا صدر قانون "الجنسية المصرية" فى 10مارس 1929 (القانون رقم 19 لسنة 1929)؛ ليحدد مَن هو المصرى جنسية, وبمقتضاه تقرر أن كل من أقام فى مصر بصفة مستمرة منذ يوم 5 نوفمبر 1914 يُعتبر مصريّا.. أمّا الذين وفدوا إلى مصر بعد ذلك التاريخ فعليهم أن يتقدموا بطلب للحصول على الجنسية المصرية.

 

 وكان هذا القانون الجديد ينطبق على الأجانب الذين أقاموا فى مصر منذ زمن طويل كما سبقت الإشارة، بل إن الذين وفدوا إلى مصر بعد ذلك التاريخ المحدد تقدّموا بطلب للحصول على الجنسية حفاظا على ممتلكاتهم ومصالحهم المختلفة.

 

  وكان أغنياء الأجانب يقومون بتسليف المزارعين المصريين سلفًا مالية للصرف منها على نفقات الزراعة وشراء الآلات والماشية وإصلاح الأراضى برهن الأرض.

 

 وكثيرًا ما كان يحدث أن المزارع المقترض لا يرد السلفة فيقوم الأجنبى بالاستيلاء على الأرض حتى لقد بدأت الأراضى المصرية تتسرب إلى الأجانب.

 

 فلما أصبح إسماعيل صدقى رئيسًا للوزارء فى عام 1930 أنقذ الموقف وقام بإنشاء "بنك التسليف الزراعى" ونقل ديون المزارعين إلى الحكومة لتقوم بتسديدها للأجانب، فتم إنقاذ الأرض من يد الأجانب. 

 

  وبمقتضى معاهدة 1936 بين "الدولة المصرية" وإنجلترا تقرر إلغاء الامتيازات الأجنبية بعد فترة انتقالية مدتها اثنتا عشرة سنة تنتهى فى 1949.

 

وبناءً على هذا تقدّم عبدالرحمن الرافعى- عضو الحزب الوطنى والمؤرخ المعروف وكان عضوًا بمجلس الشيوخ- بمشروع قانون فى ديسمبر 1948 بشأن "حظر تملك الأجانب للأراضى الزراعية وأراضى البناء والعقارات المخصصة للسكن بالمملكة المصرية" على أن يعمل بالقانون ابتداءً من 15أكتوبر 1949 (تاريخ انتهاء الفترة الانتقالية حيث تقرر فى ذلك التاريخ إنهاء المحاكم المختلطة).  

لا يوجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق