الأربعاء 1 أبريل 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
وليد طوغان

صعود وهبوط آل «أبوالفتح»

 نالت عائلة «أبوالفتح»، التى احترفت الاستثمار فى صاحبة الجلالة، شُهرة واسعة فى هذا المجال، ثم تحوَّل اهتمامُها إلى تجارة القطن من خلال البورصة الخاصة به، والحصول على توكيلات للشركات العالمية.



 

أبرز أعضاء عائلة أبو الفتح «محمود.. أحمد .. وحسين أبوالفتح»، ثلاثة أشقاء، رفضوا العمل فى مجال القضاء «الواقف والجالس»، واتجهوا للعمل بالصحافة.

 

وكان لهم دورٌ بارزٌ فى تمصير صاحبة الجلالة، وتحجيم سيطرة الشوام عليها.

 

 

فى الأول من أغسطس عام 1893، كان الشيخ "أحمد أبوالفتح"- أستاذ الشريعة الإسلامية بكلية الحقوق جامعة فؤاد الأول- على موعد مع مولوده الأول، "محمود"، الذى ترسخت لديه المشاعر الوطنية فى مراحل التعليم الأولى، ففى مرحلة التعليم الثانوى، كتب موضوع إنشاء باللغة الإنجليزية، مفعمًا بالمشاعر الوطنية، ودعا فيه إلى الاستقلال عن الاحتلال البريطانى، وإقرار دستور جديد للبلاد.

 

موضوع الإنشاء أثار أزمة شديدة، فرُغم أن الموضوع نال استحسان مُدرس المادة، ومنحه الدرجة النهائية؛ فإن ناظر المَدرسة وكان إنجليزى الجنسية، اعترض على ذلك، وأعطاه "صفرًا"، وتصاعدت الأزمة حتى وصلت إلى ناظر المعارف "سعد باشا زغلول"، الذى انحاز للطالب والمدرس، الأمْرُ الذى  أغضب " دنلوب" المستشار الإنجليزى للتعليم الذى عيّنه اللورد كرومر لتقليص صلاحيات سعد باشا زغلول.

 

"دنلوب" زار المَدرسة؛ لدعم ناظرها، فى مواجهة سعد باشا زغلول ورفض الاستماع إلى شكوى الطالب "محمود أبوالفتح"، ما دفعه للهتاف ضده، ما أدى إلى فصله نهائيّا من المَدرسة، واستكمل مشواره التعليمى بنظام المنازل حتى حصل على شهادة البكالوريا.

 

التحق محمود أبوالفتح بالكلية نفسها التى يعمل بها والده، وهى كلية الحقوق جامعة فؤاد الأول، وبعد تخرُّجه، رفض محمود أبوالفتح، العمل بمهنة المحاماة، واتجه إلى صاحبة الجلالة، ليبدأ مشواره الصحفى بجريدة "الأهالى" اليومية، التى ترأس تحريرها عبدالقادر حمزة- أحد رُوّاد الصحافة-، الذى أبدى اهتمامًا كبيرًا بالشباب المتحمس للعمل بمهنة البحث عن المتاعب.

 

عندما تعرضت جريدة "الأهالى" للمصادرة والإغلاق لدعمها الوفد المصرى فى مفاوضات الاستقلال عن الاحتلال الإنجليزى، انتقل "أبوالفتح" للعمل بجريدة "وادى النيل"، التى ترأس تحريرها عبدالله أبو مسعود- أحد تلاميذ رفاعة الطهطاوى- مقابل جنيه ونصف شهريّا، ونتيجة لإتقانه اللغتين الإنجليزية والفرنسية، تم تكليفه من قِبَل سعد باشا زغلول بترجمة كل ما يُنشر عن مصر فى الصحف الأجنبية، وإرسال الردود على الأكاذيب لتلك الصحف باللغتين الإنجليزية والفرنسية.

 

ونظرًا لموهبته الصحفية، وإجادته اللغتين الإنجليزية والفرنسية، اختاره سعد باشا زغلول ليسافر مع الوفد المصرى إلى لندن.

 

انفرادات صحفية

 

"الأهرام" كانت أبرز المحطات المهمة فى التاريخ الصحفى لمحمود أبوالفتح، الذى تدرَّج فى المناصب القيادية بجريدة "الأهرام"، حتى شغل منصب سكرتير التحرير، وبعد وفاة "داود بركات"- رئيس التحرير-، كان من أبرز المرشحين لمنصب رئاسة التحرير، إلّا أن "تقلا باشا" مالك الجريدة اختار أنطوان الجميل، فاعتبر "أبوالفتح" ذلك إهانة شخصية، فقرر تقديم استقالته، والبدء فى إعداد مشروع صحفى جديد قادر على منافسة "الأهرام"، وطلب من زميلى ورفيقَى دربه "محمد التابعى وكريم ثابت" تقديم استقالتهما من "الأهرام" ومشاركته فى تأسيس وإصدار جريدة "المصرى".

 

عَقد الأصدقاء الثلاثة عدة اجتماعات؛ لخروج المولود الجديد إلى النور، ودفع كل منهم ألف جنيه، ليصل رأس مال الجريدة 3 آلاف جنيه. فى البداية واجهت الصحيفة صعوبات كثيرة، ورُغم أنها كانت ندّا قويّا للأهرام؛ فإن خسائرها كانت تزداد يومًا بعد الآخر، لم تستمر الشراكة كثيرًا، حيث قرر كريم ثابت بيع حصته إلى محمود أبوالفتح، بعدما اختاره الملك فاروق مستشارًا صحفيّا له، أمّا محمد التابعى، فقرر التفرغ لمجلته الأسبوعية "آخر ساعة" وباع حصته إلى أحمد أبوالفتح، وبذلك أصبحت مِلكية "المصرى" خالصة لـ"آل أبوالفتح".

 

نجح الأشقاء «أبوالفتح» فى التخلص من البداية المتعثرة، بتطوير الأسلوب التحريرى، وإعادة التبويب، والاستعانة بكبار الكُتّاب، ما ساهم فى زيادة معدلات التوزيع من 8 آلاف نسخة إلى 160 ألف نسخة، وأدّى ذلك إلى تعظيم حصيلة المبيعات والإعلانات التى تمثل العمود الفقرى للمؤسّسات الصحفية ، وهو ما جعل جريدة "المصرى" من أكثر الصحف انتشارًا فى مصر والعالم العربى.

 

تأسيس النقابة

 

بعد النجاحات الكبيرة التى حققها فى العمل الصحفى، حرص "أبوالفتح" على أن يتوّج أعماله بإنشاء كيان يدافع عن الصحفيين، فقدّم للحكومة أوراقًا لتأسيس نقابة الصحفيين، فاشترطت الحكومة توفير مكان مناسب، فتبرع بشقة فى عمارة الإيموبيليا لتكون أول مقر للنقابة.

 

وتقديرًا لجهوده، تم اختياره بالتزكية نقيبًا للصحفيين، عام 1941، ثم انتخابه 4 دورات، وعندما خصصت الحكومة أرضًا للنقابة، تبرّع "أبوالفتح" بالجزء الأكبر من نفقات إنشاء المبنى، وعند افتتاحها كان قد استنفد مرّات انتخابه، فتم اختيار شقيقه "حسين أبوالفتح" نقيبًا للصحفيين بالتزكية.

 

بعدما نجحت جريدة "المصرى" فى تحقيق أهدافها، وأصبحت من الصحف الأوسع انتشارًا فى مصر والعالم العربى، قرر "أبوالفتح" أن يتجه إلى عالم المال والأعمال، فاتجه إلى تجارة القطن، وحصل على عدد من التوكيلات العالمية، بعدما أوكل مهمة رئاسة تحرير وإدارة جريدة "المصرى" إلى شقيقيه "أحمد وحسين أبوالفتح".

 

اتجهت عائلة أبو الفتح للعمل بالسياسة، بعد الشهرة الواسعة التى حصلت عليها من صاحبة الجلالة، حيث قرّر حسين أبوالفتح ترشيح نفسه عن دائرة شبرا، على مبادئ حزب الوفد، رُغم أن عبداللطيف المندرلى هو النائب الدائم للدائرة، فاشتكى المندرلى للنحاس باشا رئيس الوفد وقتها، وكان رأى النحاس أن الوفد حزب ديمقراطى ينجح مَن تريده الدائرة، ونجح "أبوالفتح".

 

أما أحمد أبو الفتح الذى وُلد عام 1917، فلا يختلف كثيرًا عن شقيقه الأكبر، فهو واحدٌ من رواد الصحافة فى مصر، التحق بكلية الحقوق، ثم عمل وكيلًا للنائب العام، إلّا أنه قدّم استقالته 1946، وبعدها اتجه إلى بلاط صاحبة الجلالة، وعيّنه شقيقه سكرتيرًا يراقب ويلاحظ ويتعلم من الدكتور محمد مندور الذى كان يتولى مهام رئيس التحرير، وبعد ثلاث سنوات وعقب وفاة الدكتور مندور، خلفه "أبوالفتح"؛ لتشهد الصحيفة عصرًا جديدًا من التطوير قفز بتوزيعها لتصبح الصحيفة الأولى، فى مصر والوطن العربى، واستمر فى رئاسة تحريرها حتى تم إغلاقها عام 1954.

 

علاقات مضطربة

 

ولعائلة أبوالفتح أدوار وطنية كثيرة، حيث ارتبط أحمد أبوالفتح بعلاقات وطيدة بأعضاء مجلس قيادة الثورة؛ واستغل الضباط الأحرار مطابع "المصرى" لطباعة البيانات، وعَقد الاجتماعات السّرّيّة.

 

 وعندما علم "أبوالفتح" أن البوليس السّرّى يراقب الدار، وأن أحمد نجيب الهلالى باشا سيؤلف الحكومة، وسيكون اللواء حسين سرى وزيرًا للحربية وهو يعرف الضباط الأحرار جيدًا، وستكون أولى مهامه تصفية هذه الحركة التى بدأت تنتشر فى الجيش، فأبلغ "أبوالفتح" "عبدالناصر" بتلك التحركات، ما أدّى إلى الإسراع بقيام حركة الضباط الأحرار، فى الليلة نفسها عقب المكالمة التليفونية، ليتم تقديم موعد الثورة إلى 23يوليو بدلًا من 5أغسطس.

 

كانت الثقة كبيرة بين أحمد أبوالفتح وأعضاء مجلس قيادة الثورة، لدرجة أن جمال عبدالناصر كان يخرُج من مجلس الوزراء ويذهب إلى مقر جريدة "المصرى" ويمضى معظم الوقت مع "أبوالفتح" فى حديقة الجريدة، ما يتيح للصحيفة الحصول على الانفرادات الصحفية دون باقى الصحف، حتى أصبحت "المصرى" لسان حال الثورة.

 

وبعد أقل من عامَيْن من ثورة يوليو، قرّر مجلس قيادة الثورة مكافأة عائلة أبوالفتح، فاستدعى اللواء محمد نجيب، محمود أبوالفتح، صاحب جريدة "المصرى" وعرَض عليه شراء دار شركة الإعلانات التى تتحكم فى سوق الإعلانات للصحف الوطنية، فضلًا عن امتلاكها عددًا من الصحف الأجنبية باللغتين الفرنسية والإنجليزية ومن بينها "الإجيبشان ميل، والبورصى إيجيبشان، والإجيبشان جازيت، التى كانت تمتلكها مدام "فينى" فى أضخم مبنى بوسط القاهرة، حيث كانت تلك الصحف تكتب أخبارًا لا تتماشَى مع أهداف الثورة.

 

وفى كتابه "لمصر لا لعبدالناصر" قال "هيكل" إن العلاقة توترت بين عبدالناصر وأحمد أبوالفتح، بسبب قانون تحديد المِلكية المعروف بالإصلاح الزراعى، إضافة إلى أسباب سياسية واقتصادية واجتماعية، وتحوّل الخلاف فى الرأى حول الديمقراطية إلى العداء منها أن "عبدالناصر" انزعج من الاتصالات الخارجية التى قام بها محمود أبوالفتح مع بعض الحكومات فى أوروبا ومع نورى السعيد- رئيس وزراء العراق- الذى يروّج لفكرة حلف بغداد، حيث كان يرى "عبدالناصر" أن تلك العلاقات لها طابع سياسى.

 

وأحيل نشاط محمود أبوالفتح وشقيقه إلى محكمة الثورة، بعدما أسقطت الجنسية عن محمود أبوالفتح، وصدر الحُكم غيابيّا على "محمود" الذى كان خارج مصر بالسجن 10 سنوات، وعلى شقيقه "حسين" بالسجن مع إيقاف التنفيذ وإغلاق جريدة "المصرى" ومصادرة مملتكاتها.

 

بعد 4 سنوات من قرار المحكمة، أسقطت الجنسية العراقية عن محمود أبوالفتح، الذى غادر بغداد متجهًا إلى سويسرا، وتوفى فى جينيف، فى 15أغسطس 1958، عن عمْر يناهز 65 عامًا، ودُفن فى تونس.

 

وبعد ثلاث سنوات من تولّى الرئيس السادات الحكم، دعا لعودة أسرة  أبوالفتح إلى مصر، وعمل أحمد أبوالفتح فى "الأهرام" و"أخبار اليوم". وعندما عاد حزب الوفد، خصّص فؤاد سراج الدين- رئيس الحزب- عمودًا لأحمد أبوالفتح  تناول فيه قضايا المجتمع ونقد للحكومة، واستمر فى كتابة مقالاته فى جريدة الوفد حتى توفى 21مارس عام 2004، عن عمْر ناهز الـ87 عامًا.

لا يوجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق