الثلاثاء 4 أغسطس 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
وليد طوغان

عبيد.. عائلة القيادة الوطنية

تُعد عائلة مكرم عبيد الشهيرة بمحافظة قنا، واحدة من العائلات القبطية التى ساهمت بدور فعال فى تاريخ الحركة الوطنية المصرية، ولا تعود أفضال هذه العائلة لزعامة مكرم عبيد باشا ودوره فى ثورة 1919 وحزب الوفد فقط.



 

وإنما تكشف السيرة التاريخية للعائلة عن أدوارها المبكرة فى مصر، ولم يتوقف عطاء العائلة بوفاة رموزها التاريخيين وإنما يواصل أبناؤها وأحفادها مسيرة العطاء فى مجالات عديدة حكومية وأهلية.

 

 

 لم تكن العائلات القبطية بمنأى عن مجرى الحياة السياسية المتقلبة فى مصر، لاسيما فى العصر الحديث؛ إنما كانت شريكًا أصيلًا وجزءًا لا ينفصل من نسيج المجتمع المصرى، وفى هذا المناخ نشأت عائلة مكرم عبيد فى الأصل فى محافظة أسيوط، وهى مَهد العائلة منذ قرون طويلة، لكن خلال العقد الثالث من القرن التاسع عشر انتقلت العائلة إلى محافظة قنا، وهناك استقرت العائلة وتفرعت. 

 

أمّا الجد الأكبر للعائلة "عبيد" فقد تزوج من ابنة المعلم جرجس الجوهرى من أعيان أسيوط .. وأمّا مكرم عبيد "الأب"، فقد كان فردًا واحدًا فى أسرة كبيرة تضم أحد عشر أخًا وأختًا أنجبهم "عبيد"، وكان يمتلك نحو ثلاثين فدانًا من الأراضى الزراعية، ولهذا كان يعتبر من متوسطى ملاك الأراضى الزراعية، ولهذا السبب قرّر أن يبحث عن مجال عمل آخر بعيدًا عن الزراعة وهمومها.

 

 اتجه "مكرم" للعمل فى مجال المقاولات والأشغال العامة، وهو الذى نفذ بمشاركة أحد أشقائه أعمال الإنشاءات الخاصة بمرفق السكك الحديدية بين نجع حمادى ومدينة الأقصر، ويعود إليه الفضل فى الكثير من الإنشاءات والمرافق القديمة فى محافظة قنا.

 

 وعندما أنجز أعماله فى مشروع السكك الحديدية قلده الوالى "الوسام المجيدى"، كما أنعم عليه بلقب الباكوية من الدرجة الثانية، وكوَّن مكرم الأب ثروة كبيرة فاشترى نحو تسعمائة فدان من أراضى الخاصة الملكية بالدائرة "السّنية" بالقرب من قنا، وتوفى فى ديسمبر سنة 1925، وكان وقتها "مكرم" الابن فى قمة نشاطه السياسي. 

 

وشهدت العائلة انقسامًا مذهبيّا كبيرًا، عندما قرر مكرم عبيد "الأب" أن يتحول إلى البروتستانية سنة 1900؛ حيث تسبب فى إحداث انقسام كبير فى الأسرة.. إلّا أن "مكرم" الابن ظل على أرثوذكسيته طيلة حياته، كما ظل الكثير من أفراد العائلة على المذهب نفسه.

 

 ومن الملاحَظ أن عائلة مكرم لم تكن فى الأصل من العائلات القبطية الأرستقراطية، وذلك لأن الوضع الاجتماعى لهذه العائلة لم يكن على نفس مستوى العائلات الثرية المعروفة منذ البداية.

 

وإنما شهدت العائلة طفرة كبيرة بعد تحوُّل الأب للعمل فى مجال المقاولات والإنشاءات، لكن العائلة اهتمت كثيرًا بتربية أبنائها، وكان مكرم عبيد الزعيم والمناضل الوفدى الكبير هو أول ثمرات هذا الاهتمام. 

 

زعيم المَكرميين

 

يُعد "وليام مكرم عبيد" الشهير بمكرم عبيد، الزعيم السياسى الراحل، من ألمع الشخصيات التاريخية فى العصر الحديث، وكان له دور كبير فى ترسيخ مكانة العائلة "المَكرمية" على الصعيد السياسى والاجتماعى، فقد تلقى تعليمه الابتدائى بالمَدرسة الأميرية بقنا، وبعدما أمضى فترة من حياته التعليمية فى المدرسة التوفيقية الثانوية بالقاهرة، عاد مرة أخرى والتحق بالمدرسة الأمريكية فى أسيوط التى كان يديرها ويشرف عليها المبشرون الأمريكيون، ثم سافر إلى أكسفورد ودرس بـ "النيو كويلدج" وكان أصغر الطلاب بها؛ حيث سافر إليها وهو فى سِنّ 16 عامًا، ثم نال الدرجة العلمية فى القانون سنة 1907 والتحق بجامعة ليون بفرنسا بعدها.

 

 وشغل "مكرم" العديد من المناصب السياسية، فكان من أبرز الشخصيات القبطية بالوفد، وقد تبع اختيار النحاس باشا رئيسًا لحزب الوفد تعيين مكرم عبيد سكرتيرًا عامّا للحزب وكان اختيار عبيد النتيجة الطبيعية لعدة عوامل، أهمها تأكيد الميراث السياسى لسعد زغلول والتقاليد التى حرص عليها بإشراك الأقباط مع المسلمين فى زعامة الحركة الوطنية. 

 

لكن اختيار عبيد من بين الأقباط بدلاً من واصف ويصا الذى تم انتخابه كرئيس لمجلس النواب أو واصف بطرس غالى الذى كان أكثر اهتمامًا بالشئون الخارجية، كان بسبب التفاهُم الشخصى بينه وبين النحاس؛ لأنهما كانا معًا فى المنفى بسيشل وقد أظهر كلاهما ولاءً شديداً لسعد زغلول ومنهجه السياسى إلى جانب الدور الفعال لمكرم عبيد فى اختيار النحاس لرئاسة الوفد.

 

 وانتهت هذه العلاقة بانشقاق "مكرم" عام 1942عن الوفد وتكوينه حزب الكتلة الوفدية، وإصداره "الكتاب الأسود" الذى وجّه فيه العديد من الاتهامات باستغلال النفوذ والثراء للنحاس باشا، ولا شك أن ما قيل فى هذه الاتهامات؛ خصوصًا المتصلة منها بصفقات التموين، كانت تشير لدور الطبقة الجديدة بالحزب فى استخدام السُّلطة لزيادة ثرواتها. 

 

وتُوفى مكرم عبيد فى 5يونيو سنة 1961، وألقى أنور السادات، الذى كان رئيسا لمجلس الأمّة وقتها، خطابًا فى تأبينه بالكنيسة المرقسية، مشيدًا بدوره فى النضال الوطنى من أجل الاستقلال . صديق العائلة

 

لم تكتب وفاة مكرم عبيد شهادة النهاية للعائلة المَكرمية؛ وإنما وجدت العائلة لنفسها متنفسًا آخر تمَثل فى شخصية فكرى مكرم عبيد، عميد العائلة الراحل، وهو الشقيق الأصغر للزعيم وليام مكرم عبيد.

 

 وكان "فكرى" مقربًا للرئيس السادات، وُلد‏ ‏فى 1916 ‏بمحافظة‏ ‏قنا‏، ‏ورحل‏ ‏فى عام‏ 2006،  فعاش ‏نحو تسعين‏ ‏عامًا قضاها فى العمل السياسى والوطنى‏‏.

 

وكان‏ "فكرى" ‏هو الابن‏ ‏الأصغر‏ ‏لوالديه‏ ‏بعد‏ ‏ستة‏ ‏أشقاء‏- ‏مكرم‏ ‏وحلمى ‏ورياض‏ ‏وجورج‏ ‏وليندا‏ ‏ومرجريت‏-‏ وكان‏ ‏شقيقه‏ ‏الأكبر‏ ‏الزعيم‏ ‏مكرم‏ ‏عبيد‏ ‏بمثابة‏ ‏الأب‏ ‏والمعلم‏ ‏والذى سبقه ‏فى ‏الميلاد‏ ‏بستة‏ ‏وعشرين‏ ‏عاما‏. ‏

 

‏وتخرَّج‏ ‏"فكرى" ‏فى ‏كلية‏ ‏الحقوق‏ ‏عام‏ 1937، ‏وظل مرتبطا بشقيقه "مكرم" لسنوات طويلة فى العمل السياسى والوطنى.. ‏وتزوج‏ ‏"فكرى" ‏من‏ ‏ابنة‏ ‏عائلة‏ ‏برجوازية‏ ‏فى ‏أسيوط‏..‏ هى ‏السيدة‏ "وداد‏ ‏إسكندر‏ ‏مينا‏" التى ساهمت قبل رحيلها فى تحويل منزل العائلة ‏بمنشية‏ ‏البكرى ‏إلى ‏ملتقى ‏سياسى ووطنى وثقافى.‏

 

‏كان فكرى مكرم عبيد يتمتع بعلاقات وثيقة بالعديد من رجال الدولة فى العهدين الناصرى والساداتى، وكان الرئيس الراحل‏ ‏أنور‏ ‏السادات من أشد المقربين لفكرى وللعائلة عمومًا‏.

 

 ‏وترجع صداقتهما‏‏ ‏إلى فترة طفولة ‏عندما‏ ‏جمعتهما‏ ‏فرقة‏ ‏كشافة، ‏وعاشا‏ ‏معًا‏ ‏عن‏ ‏قرب‏ ‏فى ‏معسكرات‏ ‏عمل‏.

 

وعندما‏ ‏فكرالسادات بعد‏ ‏تجربة‏ ‏المنابر‏ ‏فى تأسيس حزب‏ ‏مصر، كلف‏ ‏فكرى ‏مكرم‏ ‏عبيد‏ بهذه‏ ‏المهمة‏، ‏وكانت‏ ‏كل‏ ‏الاجتماعات‏ ‏تتم‏ ‏فى ‏مكتبه، ‏ومنه‏ ‏خرجت‏ ‏كل‏ ‏تشكيلات‏ ‏الحزب‏، ‏وكان‏ ‏"فكرى" ‏هو‏ ‏الأمين‏ ‏العام‏ ‏والرجل‏ ‏الثانى ‏فى ‏الحزب‏ ‏بعد‏ ‏الرئيس‏ ‏أنور‏ ‏السادات‏، وتم تعيينه نائبًا لرئيس الوزراء.

 

وظلت العلاقة بينهما قائمة حتى رحيل "السادات" فى حادثة المنصة؛ حيث كان فكرى مكرم جالسًا إلى جواره. 

 

ولم يتوقف عطاء فكرى مكرم عند رحيل السادات؛ وإنما واصل مشوار العطاء خلال عصر الرئيس الأسبق حسنى مبارك، فتم تعيينه وزيرًا فى أول وزارة فى عهده، كما شغل عضوية مجلس الشورى لمرّات عديدة. 

 

وتضم أسرة فكرى مكرم الآن العديد من النماذج الشابة الواعدة، فالابن الأصغر هو "سامح‏" ‏تخرّج‏ ‏فى ‏الجامعة‏ ‏الأمريكية‏ ‏بعد‏ ‏أن‏ ‏درس‏ ‏الاقتصاد‏، ‏كما أنه كان الابن المقرب من والده فكرى مكرم.. ومن ضمن النماذج الواعدة أيضا‏ شقيقه ‏"عاطف"،‏ الذى يعمل ‏رجل‏ ‏أعمال‏ فى مجال ‏ التجارة‏ ‏بين‏ ‏مصر‏ ‏وكندا‏،‏ أمّا "‏سعيد"‏ فهو ‏مهندس‏ و‏يمتلك‏ ‏مصانع‏ ‏فى ‏مسطرد‏. ‏

 

الأكثر نجاحًا!

 

تحظى العائلة المَكرمية بالعديد من الرموز البارزة فى المجال السياسى، إلّا أن العنصر النسائى هو الأكثر  نجاحًا وتأثيرًا.. على رأس هذه الرموز تأتى السيدة منى مكرم عبيد، التى وُلدت بالقرب من مركز العائلة بمحافظة قنا، وعمّها هو الزعيم مكرم عبيد، وقد أنهت دراستها العليا بجامعة هارفارد الأمريكية، ثم عادت إلى مصر لتبدأ مسيرتها العملية لتقضى 24 عامًا كأستاذ للعلوم السياسية بالجامعة الأمريكية، ثم أستاذ فى الأكاديمية العربية للنقل والتكنولوجيا والنقل البحرى، وكانت أول امرأة تشغل منصبًا بالهيئة العليا لحزب الوفد.

 

 وخاضت منى مكرم الانتخابات فى أصعب الدوائر بشبرا والشرابية وروض الفرج والزاوية الحمراء.. أمّا نجاحها فى العمل الخدمى فقد أوصلها إلى اعتراف هيئة الأمم المتحدة بجمعية النهضة بالتعليم التى ترأستها لمدة 15عامًا، وقد تركت حزب الوفد ثلاث مرّات ثم عادت إليه كمستشار سياسى.

 

 أمّا الدكتورة نادية مكرم عبيد- وزيرة البيئة السابقة- فكانت أول امرأة تتقلد منصب وزير البيئة فى مصر والعالم العربى عام 1997، وتولت الوزارة لمدة 5 سنوات متواصلة.. وهى ابنة أخ الزعيم مكرم عبيد، وتدرجت فى عدة مناصب؛ حيث بدأت حياتها العملية بتولى مسئوليات إدارة وحدة متابعة البرامج، ببرنامج الأمم المتحدة للتنمية.

 

وآخر الوجوه النسائية البارزة فى عائلة مكرم عبيد هى الدكتورة نبيلة مكرم عبيد وزيرة الهجرة الحالية التى تم تعيينها بعد ثورة 30 يونيو.

 

البيت الكبير

 

فى شارع 23 يوليو،  وسط مدينة قنا، يقع قصر عائلة مكرم عبيد، وهو القصر الذى انتقلت مِلكيته لملاك جُدُد، قاموا بهدم الكثير من أجزائه لبناء عمارة سكنية محله.

 

ويقع القصر على مساحة 6 قراريط، وعندما سعى الملاك الجُدد لهدمه تقدّم أحد مفتشى الآثار ببلاغ لقسم الشرطة لوقف عمليات الإزالة لهذا الأثر التاريخى الذى احتضن بين جدرانه رموز عائلة مكرم عبيد.

 

 وقد تم استئجار العقار من العائلة كمَقر لمدرسة سيدى عمر الابتدائية، وتم تسجيله ضمن المبانى ذات الطراز المميز التى يجب أن تحافظ عليه الدولة سنة 1999، وفق حصر منطقة آثار قنا، ولكن تم الطعن على هذا القرار، بعدما تم بيعه لمجموعة من المُلاك الجُدد، وهو الآن يواجه المصير المحتوم بالإزالة رُغم أنه يحكى عن فترة مهمة من تاريخ مصر، كما يسجل تفاصيل إنسانية نادرة عن واحدة من أهم العائلات القبطية فى مصر فهل يصمد التاريخ أمام معاول الهدم؟!

لا يوجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق