الأربعاء 1 أبريل 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
وليد طوغان

البطارسة عائلة الدبلوماسية والقانون

 العائلة البطرسية هى واحدة من أقدم العائلات التى ساهمت بشكل كبير فى صياغة التاريخ المصرى الحديث؛ حيث قدّمت أول مصرى قبطى يتولى منصب رئيس الوزراء وهو بطرس باشا غالى. 



 

كما خرج منها أول مصرى يتقلد أرفع منصب عالمى وهو بطرس غالى، الأمين العام للأمم المتحدة. وعلى مدار نحو قرنين من الزمان كانت العائلة ـ ولا تزال ـ تشكل جزءًا مُهمّا من حركة التاريخ والحاضر والمستقبل.. وذلك منذ أن نمت جذورها الأولى بشمال الوجه القبلى.

 

جذور تاريخية

 

الجد الأكبر للعائلة هو "غالى بك نيروز"، وكان يعمل موظفًا بدائرة الأمير مصطفى فاضل الواقعة بقرية الميمون ببنى سويف.

 

وكان غالى بك شخصية ذات نفوذ كبير؛ حيث كان ناظر تفاتيش الأمير مصطفى فاضل شقيق الخديو إسماعيل، وقد أنعم عليه برتبة البكوية وكان يمتلك مجموعة من الأطيان الزراعية.

 

والميمون إحدى قرى مركز الواسطى، وهى من القرى ذات التاريخ القبطى العريق، فقد حاول الرومان إرهاب أهل القرية وحدثت بها مذبحة كبيرة، كما تضم القرية دير الميمون وهو أول دير يسكنه الرهبان فى العالم؛ حيث خرج الأنبا أنطونيوس عام 306 ميلادية من وحدته بدير الميمون واستقبل محبيه ممن رغبوا أن يتبعوا طريقته وإرشاده فتتلمذ على يديه الكثيرون وصار لهم أبًا ومرشدًا كما سكنوا من حوله.

 

 ومن هنا؛ فإن العائلات القبطية التى عاشت فى القرية أو سكنت بها تضرب بجذورها فى أعماق التاريخ، ومن ضمنها عائلة غالى نيروز الجد الأكبر للعائلة البطرسية.

 

 

 

 

 

الحديث عن العائلة البطرسية لا يمكن أن يكون وافيًا أو موضوعيّا إلا بالتوقف طويلا أمام سيرة بطرس باشا غالى، الابن الأبرز لغالى بك نيروز، الذى صنع المجد للعائلة عندما أصبح رئيسًا لوزراء مصر فى واحدة من الحقب التاريخية الصعبة قبيل اغتياله عام 1910.

 

  فقد أنجب غالى بك فى شبابه طفلًا أسماه "بطرس"، تيمنًا باسم القديس "بطرس" الرسول أحد التلاميذ الاثنى عشر الذين اختارهم المسيح لنشر رسالته ويحتلّ مكانة بارزة فى أناجيل العهد الجديد وسِفْر أعمال الرسل وفقًا للرواية المسيحية.

 

وقد وُلد الطفل "بطرس" بتاريخ 15مايو 1846، وكانت العادة المتبعة فى القرى فى تلك الأثناء إرسال الأطفال الصغار إلى "الكتاتيب" حتى يتعملوا مبادئ القراءة والكتابة والحساب، وبالفعل التحق الطفل الصغير بأحد الكتاتيب وهو فى السادسة من عمره، ثم انتقل إلى القاهرة ليلتحق بإحدى المدارس؛ حيث تعلم "بطرس" عدة لغات أهمها العربية والفرنسية كما أتقن الإنجليزية والإيطالية فى وقت لاحق.

 

وقد ساعدته تلك اللغات كثيرًا فى تغيير مساره ليصبح بطرس غالى ابن ناظر تفاتيش الأمير مصطفى فاضل واحدًا من أهم رجال السياسة فى مصر.    

 

  بدأ بطرس غالى حياته العملية مُدرسًا فى إحدى المدارس، ثم انتقل بعد ذلك مترجمًا بمجلس التجارة بالإسكندرية، وظل يترقى فى عمله حتى أصبح رئيسًا لكُتّاب المجلس، وكانت النقلة النوعية فى حياته عندما تعرَّف على ناظر الداخلية محمد شريف باشا، الذى أعجب بمعرفته باللغات وأصدر قرارًا بتعيينه رئيسًا لكُتّاب نظارة الحقانية.

 

أصبح بطرس أفندى غالى قريبًا من دوائر الحُكم والسُّلطة فى مصر، وهو ما ساعده أيضًا على التعرف على "نوبار باشا" رئيس النظار وقتها، الذى قرّر أن يمنحه رتبة البكوية تقديرًا له على دوره كعضو فى لجنة توصية الديون أيام الأزمة المالية فى عهد الخديو إسماعيل، وتوقع له المندوب الإنجليزى فى اللجنة أن يكون ناظرًا للمالية يومًا ما.. ثم أُنعم عليه برتبة الباشوية ليصبح أول قبطى يحصل على هذه الرتبة، وذلك بتدخُّل وتذكية من الزعيم أحمد عرابى. 

 

 

 

 

الرعيل الثانى

 

ظل بطرس باشا وكيلًا لنظارة الحقانية حتى تمت ترقيته ليصبح ناظرًا للمالية فى نظارة حسن باشا الأولى.

 

وفى نظارة نوبار باشا التالية أُختير بطرس باشا ناظرًا للخارجية واستمر فى المنصب فى وزارة مصطفى باشا رياض، وخلال عمله بالخارجية قام بأدوار تاريخية عظيمة، منها التوقيع ممثلًا عن الجانب المصرى على اتفاقية 1899 التى حددت وضع السيادة ودور مصر فى السودان، كما شهدت هذه الفترة موقفًا صارمًا من بطرس باشا ضد طلب إنجلترا ومؤسّس المشروع الصهيونى "تيودور هيرتزل" عام 1902 بإنشاء شركة لتوطين اليهود فى سيناء، ولعب دورًا كبيرًا فى إنهاء الأزمات الحدودية بين مصر والدولة العثمانية فى الحدود الغربية والشرقية.

 

لكن لم يخلُ تاريخ بطرس باشا من المواقف السلبية التى ساهمت فى تأجيج نيران القوى الوطنية ضده.

 

وكان من أبرز المواقف المؤسفة التى سجّلها التاريخ دوره فى محاكمة دنشواى؛ حيث كان وقتها ناظرًا للحقانية بالنيابة، وكان يترأس المحكمة التى أصدرت أحكامًا قاسية بإعدام الفلاحين الأبرياء، كما يؤخذ على هذه المحكمة أنها سمحت بتجهيز وإرسال المشانق قبل أيام من النطق بالحُكم.

 

وبعدها بفترة قصيرة تولى بطرس باشا رئاسة النظارة "رئاسة الوزارة" وأصدر مجموعة من القرارات. منها إصدار قانون المطبوعات الذى ساهم فى الحد من حرية الصحافة، والسماح بمد امتياز شركة قناة السويس.. ثم قام شاب يُدعى "إبراهيم ناصف الوردانى" باغتياله بإطلاق الرصاص عليه وهو خارج من ديوان الخارجية فى 20فبراير 1910، فى حادثة هى الأشهَر وربما الأولى من نوعها فى تاريخ الدولة المصرية الحديثة. 

 

فى حياته تزوج بطرس غالى من السيدة "صفا خليل أبو العز"، وأنجب منها 3 أولاد وبنتًا واحدة، وهم: نجيب وواصف وراغب وجليلة، وكان نجيب هو ثانى أشهَر فرد فى العائلة البطرسية، بصفته الابن الأكبر لبطرس غالى، الذى درس الحقوق فى فرنسا، وبعد عودته من باريس تم تعيينه فى وظيفة مساعد نائب فى المحاكم المختلطة، ثم تم نقله لنظارة الخارجية، وأصبح وكيلًا للنظارة، وبعد سنوات من العمل العام انصرف "نجيب" عن العمل السياسى لإدارة أملاكه التى ورثها من والده. 

 

وتزوج "نجيب" فى عام 1907 من السيدة "أنا كيفورلا"، وهى فتاة من أسرة أرمينية وأنجب منها "ميريت وجفرى"، واشتهرت زوجته باسم "أنا غالى"  وكانت من رائدات العمل الأهلى وأسّست جمعية القبطيات. 

 

أمّا الابن الثانى لبطرس باشا غالى فهو "واصف غالى"، الذى رافق شقيقه "نجيب" أثناء الدراسة بفرنسا، وتم ترشيحه لعضوية الوفد المصرى برئاسة سعد باشا زغلول، كما تم اعتقاله مع بعض أعضاء الوفد، وسُجِنَ فى ثكنات قصر النيل وصدر ضده حُكم بالإعدام ولكن تم تخفيف الحُكم لسبع سنوات وغرامة قدرها 5 آلاف جنيه، ولكن تم الإفراج عنه فى النهاية.

 

أمّا الابن الأخير لبطرس باشا غالى، فهو "راغب"، الذى لم يدخل عالم السياسة؛ وإنما اهتم بإدارة أملاك الأسرة، وامتلك مساحات شاسعة من الأراضى الزراعية، وكان مشهورًا باسم "يوسف"، وتزوج من "صوفى شاروبيم" وأنجب عددًا من الأبناء أكبرهم "بطرس يوسف بطرس غالى"، الذى تولى منصب وزارة الدولة للشئون الخارجية، وأصبح الأمين العام للأمم المتحدة فيما بعد. 

 

جيل الأحفاد

 

واستمرت العائلة فى العطاء؛ حيث كان جيل الأحفاد أكثر نشاطا.. فكان أبرزهم "ميرت" ابن نجيب بطرس غالى، الذى درس الحقوق أيضًا فى فرنسا وترقى حتى وصل إلى منصب وزير الشئون البلدية والقروية فى وزارة "أحمد نجيب باشا الهلالى" الثانية، وكان له دور فى الملف الإثيوبى، وتهدئة التوترات بين الكنيسة القبطية والكنيسة الإثيوبية. 

 

أما الابن الثانى لنجيب بطرس فهو الرحالة "جيفرى"، الذى لم يكتب له القدر أن يعش طويلًا؛ حيث رحل وعمره لا يتجاوز 48 عامًا، وكان معروفًا بالترحال، كما كان نائبًا بالبرلمان كعضو وفدى فى مجلس النواب خلال حقبة الأربعينيات. 

 

شخص واحد فقط استطاع أن يحافظ على أمجاد العائلة البطرسية، وأن يصل الماضى بالحاضر.. إنه "بطرس غالى" حفيد بطرس باشا، الذى وُلد فى القاهرة فى نوفمبر من عام 1922، وتوفى فى فبراير 2016، وهو الدبلوماسى المصرى الذى وصل لأعلى منصب عالمى حينما شغل منصب الأمين العام السادس  للأمم المتحدة فيما بين عامَى 1992 1996؛  كما كان أول أمين عام  "المنظمة الدولية للفرنكوفونية" للمنظمة الدولية للفرنكوفونية فى الفترة من 16نوفمبر 1997 إلى 31ديسمبر 2002.

 

وتخرَّج بطرس غالى فى جامعة القاهرة "جامعة القاهرة عام 1946، وحصل على درجة الدكتوراه فى"قانون دولي عام" القانون الدولى العام من جامعة باريس" جامعة باريس ودبلوم فى  علاقات دولية" العلاقات الدولية من معهد الدراسات السياسية بباريس" معهد الدراسات السياسية بباريس فى عام 1949.

 

وكان عضوًا فى اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكى العربى فى الفترة من 1974 إلى 1977. وشغل منصب  وزير خارجية مصر من عام 1977 حتى أوائل عام 1991.  

لا يوجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق