الأربعاء 1 أبريل 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
وليد طوغان

مقاهى الصمت

قبل أن أطلب فنجان القهوة.. فوجئت بالقهوجي.. يقول لي: اكتب عندك كلمة السر الخاصة بـ الـ (واى فاى) الخاص بالمقهى.  نظرت له مندهشًا وسحبت مقعدًا إضافيًا أضع عليه كتبي وحقيبتي، تلفت حولي لم أجد إلا الصمت، على المقاعد، كل الوجوه مركزة في صفحات الفيس بوك على الموبايل.. والألعاب الإلكترونية! انتهزت فرصة أنني زبون قديم في هذا المقهى، وأن القهوجي يعرفني منذ كان شابًا صغيرًا، وسألته عن التغير الذي حدث في نوعية زبائن القهوة!



 وضع فنجان القهوة أمامي وسحب مقعد وجلس: "يا أستاذ دول زبائن الفيس بوك وتويتر"، يجلسوا بالساعات وجوهم مركزة في شاشة الموبيل يعيشوا في عالم افتراضي، لا يعيشوا معنا على الأرض".  سحبني معه إلى "الفلاش باك" عندما كانت موائد القهوة.. عبارة عن ندوات متفرقة.. وكل مائدة يجلس عليها كبير.. يحيط به الشباب.. يستمعوا إليه.. كانت المشاجرات في هذا الزمن بسبب قصيدة شعر أو قصة قصيرة أو مقال منشور في مجلة أو جريدة.  كان يتكلم وأنا هناك أستعيد رحلاتي اليومية على زهرة البستان والحميدية والندوة الثقافية "مثلث الرعب" في منطقة وسط البلد. هذه الأماكن التي تعرفت فيها على الناقد فاروق عبد القادر والكاتب إبراهيم عبد المجيد وجلست في حضرة الناقد إبراهيم فتحي مستمعًا لآرائه وحكاياته.  على زهرة البستان تعرفت على صديقي محمود جمال الدين.. الكاتب الواعد الذي رحل في حادث أليم في الشارقة بدولة الإمارات.. ولكنه ظل في حياتي نقطة فارقة في تغير بوصلة القراءة، بعد أن أعارني دواوين أمل دنقل وقصص يحيي الطاهر عبدلله.. وقرأ لي قصائد محمود درويش!   وكان سببًا في تغير نوعية كتاباتي في الفن.. بعد أن سحبني معه إلى "لاباس" للجلوس مع صلاح ابوسيف ومحسن زايد وعبد الحي أديب.  "لاباس" الذي خرجت منه بصداقة استاذي سامي السلاموني..  الذي كان يصطحبني معه في جلسات السينمائيين في كافتريا "شهرزاد" على النيل.. الملحقة بفندق شهراد! أو "أوديون" في وسط القاهرة.. الذي جلست فيه لأول مرة مع الكاتب على سالم.. وسمعته بنفسي يطلق نبوءة.. أن صدام حسين سوف يغزو الكويت.. وتعرض للسخرية والاستهزاء أن خياله المسرحي هو ما يحرك نبوءاته.  أذكر أنى قضيت سهرة مرة بصحبة الناقد الكبير فاروق عبد القادر.. في "الف ليلة" في ميدان التحرير.. التي كان يجلس فيها الكاتب نجيب محفوظ في الصباح.. وفوجئت بعلاقة خاصة في التعامل بين الناقد الكبير، وعم عبد الله الذي يقدم الطلبات. انتهزت فرصة انشغال عم فاروق بحوار جانبي، وسألت عم عبدالله.. هل يعرفه من زمان؟ ضحك وقال لي: أعرفه وأعرف "الأبنودي وأمل واحمد زكي..  والعشرات غيرهم من الأدباء والفنانين".. معظمهم كانوا زبائن عندي.. ومنهم ناس لى عندهم فواتير شاي وقهوة لم تدفع بعد.  في هذه الجلسة سألت عم فاروق عبد القادر.. عن مقهى "متاتيا" الذي سمعت إنه كان ملتقى عدد من الرواد والزعماء والمشاهير ليس المصريين فحسب، بل من كافة البلدان العربية، اتخذوا منه مكانا يجلسون فيه ويلتقون خلاله بأصدقائهم بل ويمارسون أنشطتهم الثقافية والتنويرية بين أركان المقهى وفوق كراسيه ومن أهم رواد المقهي جمال الدين الأفغانى، أديب إسحق الصحفى الشامى، والمصرى عبد الله النديم، محمود سامى البارودى، الشيخ محمد عبده، سعد باشا زغلول، أمير الشعراء أحمد بك شوقى، شاعر النيل حافظ إبراهيم، إبراهيم عبد القادر المازنى، الرئيس التونسى الحبيب بورقيبة. فقال لي: كنا نلتقي في "متاتيا" بالعظماء من نوعية لويس عوض ود. محمد مندور وزكي نجيب محمود، كنا في مثل هذه الجلسات مجرد مستمعين.. نتابع مناقشتهم.. ولا نجرؤ على التدخل في الحوار الذي كان يتجاوز مستوى ثقافة كل شخص فينا، وبالمناسبة كل شاب هذه الجلسات كانت له انحيازاته، عن نفسي كنت من مدرسة د. محمد مندور.. معجب بآرائه وأفكاره.. ولا أنكر أنني تأثرت به.  صوت مشاجرة بجواري بين شاب وفتاة تجلس معه.. أعادني للواقع من جديد.. فهمت من نقاشهما المرتفع أنها غاضبة من انشغاله عنها "بالفيس بوك" وأنها تجلس أمامه من ساعة ولم يتكلم.. مشغول عنها بـ (الشات). أخذت أتأمل وجه الفتاة الغاضبة من التجاهل.. وأستعيد من جديد قصص حب كنت شاهد عليها على هذا المقهى منها ما انتهى بالزواج.. وأخرى بالفراق.. وكانت "الشبكة" مجموعة كتب صادرة عن هيئة الكتاب أو رواية جديدة "لماركيز".. أو ألبوم لمحمد منير.. سحبت شنطتي وكتبي.. وهربت من هذا الصمت إلى ضجيج الشوارع! 

لا يوجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق