الأربعاء 1 أبريل 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
وليد طوغان
المتوسط  فى حماية مصر

المتوسط فى حماية مصر

 باتت منطقة شرق المتوسط هى الأكثر سخونة فى صراعاتها وتحالفاتها الإقليمية لتتصدر الصراعات الدائرة فى منطقة الشرق الأوسط. ما يشهده شرق المتوسط من تحركات وتجاوزات وتدخلات غير مشروعة يقودها الرئيس التركى رجب أردوغان حول الحدود اليونانية والقبرصية وليبيا، من شأنها التأثير المباشر على استقرار الشرق الأوسط. لذلك وقفت مصر بالمرصاد دفاعًا عن أبعادها الاستراتيجية دفاعًا عن الإقليم.



 

بالنظر لكل تصعيد يشهده شرق المتوسط، نجد أن "قضية الغاز" هى كلمة السِّر الأساسية فى كل تحرُّك أو تحالف قائم، وعليه تأتى مصر فى قلب تلك التطورات بفضل الطفرة الكبيرة التى حققتها فى ملف اكتشافات وإنتاج الغاز خلال السنوات الأخيرة، بشكل جعلها مركزًا إقليميّا لإنتاج وتصدير الغاز.

وخلال عام 2019، واصلت الدولة المصرية مسارها فى زيادة معدلات إنتاج الغاز، بجانب توسيع دائرة الاستكشافات الجديدة فى المتوسط والبحر الأحمر، كما نجحت فى الوقت نفسه فى تدشين منتدى غاز المتوسط ومقرّه القاهرة ليكون أشبه بمجلس طاقة إقليمى جديد يؤكد دور مصر الريادى حاليًا فى ملف الغاز.

المكاسب المصرية، أثارت انزعاجًا إقليميّا لتركيا الداعمة لجماعة الإخوان الإرهابية وللميليشيات الإرهابية بالمنطقة؛ حيث شهدت المنطقة مخططات من النظام التركى بقيادة أردوغان، الطامع فى نهب ثروات الغاز من دول شرق المتوسط بطرُق غير قانونية، وعليه يقوم بعدد من التحركات والتدخلات غير القانونية التى من شأنها إشعال الصراع يومًا بعد يوم فى شرق المتوسط.

فوسط الجهود والخُطى الثابتة التى تسير فيها الدولة المصرية نحو التحوُّل لمركز إقليمى للطاقة والغاز، كانت التدخلات غير القانونية والتجاوزات التى تقوم بها تركيا للتنقيب غير المشروع عن الغاز بالحدود القبرصية فى المتوسط، فى محاولة من أردوغان للهرب من الأزمات التى يواجهها الاقتصاد التركى وانهيار قيمة العملة التركية أمام الدولار.

وواصل الأمر بإبرام اتفاق مع حكومة فايز السراج غير المعترف بها والمتهمة بالخيانة العظمى، فى ليبيا للتدخل العسكرى فى طرابلس، ما أثار ردود فعل أوروبية ودولية واسعة. ووسط هذا الأمر يأتى الاتفاق الثلاثى بين قبرص واليونان على إنشاء خط لتصدير الغاز إلى أوروبا، وتحديدًا إلى إيطاليا، ما يطرح العديد من التساؤلات حول تطورات ملف الغاز وما يشهده العام الجديد 2020 من تطورات فى منطقة شرق المتوسط.

 تدخلات أردوغان

يبقى عام 2019 شاهدًا على ما يمكن وصفه "بالجرائم الدولية" التى يرتكبها نظام أردوغان بالمنطقة، فبداية من خرقه لكل قواعد القانون الدولى بالتنقيب غير المشروع عن الغاز فى منطقة الحدود اليونانية والقبرصية، ثم قيامه بالعدوان العسكرى على الشمال السورى، وصولًا لتوقيع الرئيس التركى مذكرتَى تفاهم بحرى وأمنى مع حكومة فايز السراج، بليبيا فى 27نوفمبر الماضى، وما تلاها من تداعيات سياسية وعسكرية واقتصادية، دفعت أردوغان لإعلان نقل قوات عسكرية لطرابلس.

تحركات كثيرة قامت بها تركيا لإفشال أى صور تعاون مصرى مع قبرص واليونان والمستمر بصورة ثابتة على مدى خمس سنوات، إلى أن اختارت أنقرة التحرك بشكل غير قانونى وخرق السيادة القبرصية بالتنقيب عن الغاز فى الحدود القبرصية البحرية.

وأعلنت تركيا منتصف العام أن سفنها ستجرى عمليات حفر فى البحر المتوسط حتى سبتمبر المقبل للتنقيب عن الغاز واستخراجه، فى ظل احتلالها لجزء من شبه الجزيرة القبرصية.

أثار هذا التحرك ردود فعل دولية، وكان الرد المصرى حاسمًا؛ حيث حذرت مصرُ تركيا من اتخاذ أى إجراء أحادى الجانب فيما يتعلق بأنشطة حفر أعلنتها فى منطقة بحرية غرب قبرص، وقالت وزارة الخارجية المصرية إن إقدام تركيا على أى خطوة دون الاتفاق مع دول الجوار فى منطقة شرق المتوسط، قد يكون له أثر على الأمن والاستقرار فى المنطقة.

فى الوقت نفسه أعلن الاتحاد الأوروبى استعداده التام للرد، فى حال حصول أى عمل من هذا النوع، ردّا ملائمًا يجسد التضامن الكامل مع قبرص.

هنا جاء التقارب "المريب" بين أردوغان وحكومة السراج فى طرابلس، وهى حكومة عميلة للجماعات الإرهابية، ما يشكل خطوة استفزازية تزيد من حدة التوتر فى شرق المتوسط.

فمن خلال مذكرات التفاهم التى وقّعها أردوغان والسراج، يبدو أن الهدف هو غاز شرق المتوسط وليس التدخل العسكرى فى الأزمة الليبية، التى تحوّلت إلى مطية سياسية فى يد أنقرة، قد تمكنها من الحصول على مكاسب تحلم بها فى المتوسط.

لكن التحالف الثلاثى بين مصر وقبرص واليونان والثابت على مدى السنوات الأخيرة يرفض تحركات تركيا حول الغاز بوضوح، ويطالب بتحرك دولى لمواجهة خروقات أردوغان للقانون الدولى، وفى الوقت نفسه ترفض مصر بوضوح تواجُد تركيا العسكرى على الأراضى الليبية، لما تمثله ليبيا من بُعد مباشر للأمن القومى المصرى، وهو ما دفع القاهرة لتكون على أهبة الاستعداد لأى عمل يهدد أمنها القومى.

الموقف فى مصر

القضية تحمل كثيرًا من التفاصيل المُعقدة فى معركة حقيقية تخوضها الدولة المصرية باستراتيجية شاملة من شأنها الحفاظ على حقوقها وثرواتها من الطاقة وفى حدودها البحرية، بجانب العمل على التسويق والاستثمار الجيد لهذه القدرات بما يمكنها من التحول لمركز إقليمى لإنتاج ونقل الغاز فى المنطقة.

فتتحرك الدولة المصرية مع شركائها الإقليميين وتحديدًا قبرص واليونان؛ بهدف الحفاظ على ثرواتهم من الغاز فى شرق المتوسط، والتصدى للتحركات التركية وفقًا لمحددات القانون الدولى، وفى الوقت نفسه تكثف القاهرة اتصالاتها الدبلوماسية رفيعة المستوى مع الدول الكبرى والاتحاد الأوروبى للتصدى لتحركات أردوغان؛ خصوصًا فى ليبيا.

وفى الوقت نفسه تعمل مصر على زيادة الاستكشاف والإنتاج حتى إن المنتظر أن تنجح مصر فى  النصف الأول من العام المالى 2019/2020 فى تحقيق الاكتفاء الذاتى من الغاز الطبيعى والتوقف عن الاستيراد من الخارج.

ووفقًا للبيانات الصادرة من وزارة البترول؛ فإن إنتاج مصر من الغاز شهد تطورًا كبيرًا خلال هذا العام؛ حيث اقتربت الطاقة الإنتاجية للغاز بحقل «ظُهْر» من 3 مليارات قدم مكعب يوميًّا، بعدما كانت 2.1 مليار قدم مكعب فى فبراير الماضى.

كما أن الشركاء الأجانب سيستثمرون 1.2 مليار دولار فى العام المالى الحالى 2019-2020 لتكثيف الأنشطة التنموية بمنطقة شرق المتوسط، كما أن هذا يساعد الدولة بشكل كبير لتحقيق هدفها فى جعلها مركزًا إقليميًّا لتداول الطاقة؛ خصوصًا بعد إنشاء منتدى غاز المتوسط الذى جعل مصر هى الدولة المسئولة عن نقل وتصدير الغاز من الدول الأعضاء إلى المستوردين من أوروبا.

وقالت وزارة البترول أيضًا إن اجمالى استثمارات مشروع تنمية حقل ظُهْر وباقى حقول إنتاج الغاز فى شمال الإسكندرية والدلتا بلغ نحو 10.6 مليار دولار حتى ديسمبر الماضى.

منتدى المتوسط

حسب التوقعات والخطة فأنه خلال شهور مفترض أن تنتهى كافة الإجراءات لتحويل منتدى غاز شرق المتوسط إلى منظمة دولية بهدف توحيد السياسات والتنسيق بين دول المنتدى وتحقيق الاستقلال الاقتصادى الأمثل للثروات الغازية بالمنطقة.

يأتى ذلك بعد أن نجحت مصر فى اتخاذ خطوة تأسيس المنتدى، فى يناير 2019 بمشاركة 7 دول متوسطية، وهى مصر وقبرص واليونان وإسرائيل وإيطاليا والأردن وفلسطين"، وصدر وقتها "إعلان القاهرة" لتأسيس المنتدى كمنظمة دولية تحترم حقوق الأعضاء بشأن مواردها الطبيعية بما يتفق ومبادئ القانون الدولى.

وتم عَقد الاجتماع الوزارى الثانى للمنتدى فى القاهرة خلال يوليو الماضى بحضور وزير الطاقة الأمريكى ومدير عام الطاقة فى الاتحاد الأوروبى وممثلى كل من فرنسا والبنك الدولى، وتم إقرار القواعد والإجراءات الحاكمة لفريق العمل رفيع المستوى المكلف بتنفيذ فعاليات المنتدى وإنشاء اللجنة الاستشارية لصناعة الغاز.

وفى الوقت ذاته تأتى استراتيجية الدولة المصرية لتعزيز التعاون مع دول الجوار، وعلى رأسها آلية التعاون مع قبرص واليونان؛ لمواجهة أطماع إقليمية من دول مثل تركيا، وتطوير قدراتها العسكرية بتعزيز إمكانيات القوات البحرية المصرية.

وتوضيحًا لاستراتيجية الدولة المصرية كان توجُّه الدولة المصرية مع بداية فترة حُكم الرئيس عبدالفتاح السيسى بتدشين آلية التعاون الثلاثى بين مصر وقبرص واليونان فى شرق المتوسط، وكان انعقاد أول قمة لقادة الدول الثلاثة فى نوفمبر 2014 بالقاهرة، لتتوالى انعقادها حتى نسختها السابعة فى نوفمبر الماضى بالقاهرة.

ومع كل دورية انعقاد لآلية التعاون الثلاثى تثبت جدواها حتى تحولت لتحالف ثلاثى إقليمى يقدم نموذجًا للعلاقات مع دول الاتحاد الأوروبى بالمنطقة، وحقق كثيرًا من المكاسب، لعل أبرزها التعاون فى مجال استكشاف الغاز والطاقة وتعزيز التعاون فى النقل البحرى والربط الكهربائى والتنسيق المشترك فى مواجهة تحدى الإرهاب.

  محاور استراتيجية

وبالنظر لطبيعة التحركات المصرية نجد أن استراتيجية الدولة المصرية فى هذا الملف قامت على عدة محاور أعلن عنها وزير البترول طارق الملا، يمكن توضيح هذه المحاور فى عدة محاور أولها المحور القانونى، ويشمل ملفين أساسيين؛ الأول: الالتزام بنصوص وأحكام القانون الدولى واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار؛ خصوصًا فيما يتعلق بترسيم الحدود البحرية مع قبرص واليونان وإبرام اتفاقيات التعاون فى مجال الطاقة والغاز.

أمّا الشق الثانى فكان إصدار التشريعات الداعمة للاستثمار فى مجالات الغاز والبترول؛ حيث تم إصدار قانون تنظيم أنشطة سوق الغاز وإنشاء جهاز تنظيمى مستقل. مشيرًا إلى أن مصر تمتلك البنية التحتية والتسهيلات اللازمة من مصانع إسالة الغاز ومعامل التكرير ومستودعات التخزين وأرصفة الموانئ وشبكة خطوط أنابيب البترول والغاز.

ويشمل المحور السياسى تعزيز التعاون الإقليمى مع الدول المنتجة للغاز الطبيعى فى منطقة شرق المتوسط، فضلًا عن شراكة مع الاتحاد الأوروبى فى مجال الطاقة لتحقيق أقصى استفادة من ثروات الغاز الطبيعى المكتشفة والمتوقع اكتشافها مستقبلًا، بجانب تأسيس أول منتدى لدول غاز شرق المتوسط يضم الدول المنتجة للغاز فى هذه المنطقة، يهدف إلى دعم التعاون من خلال حوار منظم ومستمر بين الدول المنتجة والمستهلكة والأطراف التى تقوم بنقل الغاز، كما يبدو هذا التعاون جليّا مع قبرص واليونان وإيطاليا ودول عربية.

ويختص المحور الأمنى بتعزيز قدرات مصر الأمنية والعسكرية لتأمين ثرواتها فى البحر المتوسط والبحر الأحمر، وفى ذلك طورت القوات المسلحة من قدرات القوات البحرية بانضمام الوحدات البحرية الحديثة التى تتناسب مع التحديات الحالية والمستقبلية، وعلى رأسها حاملتا طائرات مروحية طراز المسترال "جمال عبدالناصر وأنور السادات"، إضافة إلى الفرقاطة طراز فريم "تحيا مصر" وعدد من لنشات الصواريخ والغواصات التقليدية المتقدمة.

 إضافة لمحور تطوير البنية التحتية لتسييل الغاز وإنتاجه؛ حيث تُعد مصر الدولة الوحيدة فى شرق المتوسط التى تملك بنية تحتية لتسييل الغاز.

ويوجد بمصر مصنعان لإسالة الغاز الطبيعى؛ الأول مصنع إدكو، المملوك للشركة المصرية للغاز الطبيعى المسال، ويضم وحدتين للإسالة، والآخر فى دمياط ويضم وحدة واحدة فقط.  ومن ضمن محاور الاستراتيجية؛ العمل على زيادة استكشافات البترول والغاز؛ حيث قامت الدولة ممثلة فى وزارة البترول بالتعهد والالتزام بسداد مديونيات الشركات الأجنبية والشركاء الأجانب، كما قامت بتوقيع عدد من عقود البحث والتنقيب مع كبرى الشركات العالمية المتخصصة فى مجال البترول والطاقة وعلى رأسها شركة إينى الإيطالية وبى بى البريطانية.

لا يوجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق