الأربعاء 1 أبريل 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
وليد طوغان
خريف «العثمانلى»

خريف «العثمانلى»

لم يخطر على بال أنصار الرئيس التركى الحالى الذين خرجوا إلى الشوارع ابتهاجًا بفوزه فى الانتخابات المبكرة يونيو 2018 أنهم سيحيون ذكرى هذا اليوم بعد عام واحد فقط وهم فى حزن شديد بعد خسارة مرشحهم فى انتخابات بلدية إسطنبول التى "مَن يفوز بها يفوز بتركيا بأكملها"، حسبما يقول رجب طيب أردوغان نفسه.



فبتعهّده القتالَ "من أجل الديمقراطية فى صندوق الاقتراع"، تمكّن مرشح حزب الشعب الجمهورى المعارض "أكرم إمام أوغلو "من تحقيق "فوز مريح" على منافسه بن على يلدريم مرشح حزب العدالة والتنمية الحاكم الذى يتزعمه أردوغان.

تاريخيّا؛ توصف الهزيمة الانتخابية لحزب العدالة والتنمية بـ"النادرة"، أمّا سياسيّا فتوصف بـ"النكسة" التى مُنى بها أردوغان وحزبه فى أكبر مدينة بتركيا.

ويبدو أن أهالى إسطنبول وقتها قد رأوا، الذى كثيرًا ما تحدّث عنه إمام أوغلو فى حملاته الانتخابية، بقوله: "أنظر إلى الناس فى إسطنبول وأرى أملًا. هل تعلم ما هو الأمل؟ أن ترى الضوء حتى فى الظلام".

درس قاسٍ

أكرم إمام أوغلو هو رأس الحربة فى المعارضة التركية الذى زلزل عرش أردوغان هو السياسى التركى الشاب الذى جاء  من الصفوف الخلفية، واستطاع أن يحتل موقعًا متقدمًا ضمن المشهد السياسى التركى بفوزه فى انتخابات الإعادة لرئاسة بلدية إسطنبول.

هذا الفوز، رُغم أهميته؛ فإنه حمل دلالات رمزية أعمق تجلت فى مقارعة السياسى الشرس لرجل تركيا القوى رجب طيب أردوغان، ووضع حدّا لطموحه السياسى النهم.

حسب خبراء، فإن "أوغلو" استطاع أن يهزم "أردوغان" فى معقله، إسطنبول، المدينة التاريخية العريقة، التى فتحت أعين "أردوغان" على ألاعيب السياسة، وشهوة السُّلطة، وشهدت صعود نجمه إلى أن وصل إلى سدة الرئاسة، ما يعنى أن فوز مرشح حزب الشعب الجمهورى المعارض شكّل درسًا قاسيًا لأردوغان الذى كان قد ألغى كلمة الهزيمة من قاموسه السياسى.

ويُعتبر أكرم إمام أوغلو من الأسماء الصاعدة التى قدمت نفسَها بقوة، من دون أى تاريخ سياسى بارز، فهو ينتمى إلى جيل الشباب (1970) نسبيّا، على عكس قيادة حزب الشعب الجمهورى، الذى ينتمى إليه، والذى يتزعمه كمال كليجدار أوغلو البالغ من العمر 71 عامًا.

بدا "أوغلو" فى خطاباته هادئًا، بعيدًا عن تلك النبرة الحماسية الصاخبة التى اتسمت بها خطابات "أردوغان" على الدوام، محاولًا استقطاب شريحة الشباب، والحرص على سمعة بلاده التى تضررت نتيجة سياسات "أردوغان" ”المتهورة“، ما أدى إلى تردى الوضع الاقتصادى، ناهيك عن السجل الردىء لتركيا فى مجال الحريات وحقوق الإنسان؛ خصوصًا بعد محاولة الانقلاب المزعومة صيف 2016.

الأب الروحى

واستطاع "أوغلو" فى العام 2014 انتزاع رئاسة بلدية حى بيليك دوزو فى القسم الأوروبى من إسطنبول من حزب العدالة والتنمية، الحاكم، واستغل حزب الشعب الجمهورى الأداء الجيد لإمام أوغلو فى إدارة الحى، على مدار خمسة أعوام، فرشحه فى الانتخابات الأخيرة لرئاسة بلدية إسطنبول التى تضم أكثر من عشرة ملايين ناخب و16 مليون نسمة.

وإذا كان الشاب "أوغلو" هو رأس الحربة حاليًا فى المعارضة التركية؛ فإن هذه المعارضة لها أب روحى وتاريخى كبير هو عبدالله جول.

فمنذ بزوغ نجم الرئيس التركى رجب طيب أردوغان، وظهوره فى الحياة السياسية التركية، ارتبط اسمه بلقب "المتسلق"، فى حين صمم كثيرون؛ خصوصًا من رفقائه على ربط اسمه بـ «الخائن»، فقد سبق وخان كلَّ من ساعده، وسرق أمجاد من علّموه فى سبيل الانفراد بالسُّلطة والحُكم، ولتحقيق حلمه فى أن يصبح «السُّلطان العثمانى".

المتتبع لمسيرة صعود الرئيس التركى رجب طيب أردوغان يجد أن أبرز من ساعدوه فى الوصول إلى تلك المكانة فى أن يصبح على رأس الحُكم فى تركيا العديد من الأشخاص لكن من بينهم 4 فقط هم أصحاب علامات فارقة ودعم كبير فى حياة أردوغان، وهم "نجم الدين أربكان - عبدالله جول - داود أوغلو - فتح الله جولن"، لكنه سرعان ما سرق إنجازاتهم، وتسلق على أكتافهم قبل أن يخذلهم ويقمعهم ويطرد بعضهم خارج البلاد.

فعلى مدار السنوات الماضية، لم تتوقف اتهامات الرئيس التركى رجب طيب أردوغان للداعية الإسلامى فتح الله جولن؛ حيث إن "أردوغان" لا يعتبر أى شخص أشد عداوة له من فتح الله جولن الذى يقيم فى الولايات المتحدة الأمريكية، لكن هل يتوقع أحد أن كل تلك العداوة التى يحملها أردوغان لـ جولن سبقتها صداقة كبيرة.

"جولن" الذى كان السند الكبير لـ أردوغان للوصول إلى السُّلطة نتيجة الدعم الكبير الذى وفّره لحزب العدالة والتنمية وقت تأسيسه، بجانب الشبَكة الكبيرة من الصوفية أتباع "جولن" فى أجهزة الدولة التى ساعدت الحزب الجديد "العدالة والتنمية" فى الوصول للحُكم، إلّا أنه سرعان ما انقلب "أردوغان" على مَن مد له يد العون ونصّبه على عرش تركيا، حتى اكتشف "جولن" مع مرور الوقت أن "أردوغان" ليس سوى ديكتاتور صغير، فبدأ فى مهاجمته، متهمًا إياه بأنه يسعى منذ عام 2011 لإقامة دولة الرجل الواحد الديكتاتورية.

أيضًا الصداقة بين أردوغان والرئيس السابق عبدالله جول وما قدّمه "جول" من دعم لأردوغان لم تمنع الرئيس التركى من خيانة صديقه المقرب وأن يطيح به بعد الخلافات التى اندلعت بينهما حول كيفية التعامل مع الاحتجاجات التركية التى اندلعت فى ميدان تقسيم فى عام 2013 للاعتراض على سياسات أردوغان.

كان "جول" يرى ضرورة التفاهم مع المتظاهرين للوصول إلى حل مُرضٍ للجميع، فى حين كان يرى "أردوغان" ضرورة قمع تلك الاحتجاجات لعدم تكرارها ومنع نزول أى أحد للميدان الشهيرة مرّة أخرى.

وفى العام التالى على احتجاجات ميدان تقسيم، اعترض عبدالله جول على ما فعله أردوغان من حجب موقع التواصل الاجتماعى «تويتر» على خلفية نشر تسجيلات صوتية لنجل أردوغان تثبت تورطه فى قضايا فساد، حتى بلغ الخلاف بينهما ذروته بعد قرار أردوغان التحول إلى النظام الرئاسى ليتمكن من إعطاء نفسه فرصة جديدة ليصبح رئيسًا حتى عام 2029، وهو ما رآه "جول" ساعتها استحواذًا على المشهد السياسى، وما اعتبره استمرارًا لسياسة "أردوغان" فى ممارسة ديكتاتوريته رُغم أنف الجميع.

حرص "جول" على مصلحة تركيا رُغم طرد "أردوغان" له من الحكومة، دفعه لتوجيه نصيحة للرئيس التركى خلال حفل إفطار حضره أردوغان فى تركيا فى عام 2015، قال فيه جول: "البلاد تحتاج إلى مراجعة سياستها فى الشرق الأوسط من خلال تبنّى وجهات نظر أكثر واقعية، وبصراحة أعتقد أننا نحتاج إلى مراجعة سياستنا الخارجية تجاه الشرق الأوسط، والعالم العربى من منظور أكثر واقعية، وعلى تركيا تقوية وتعزيز علاقاتها مع دول الشرق الأوسط بدءًا من مصر"، وهو ما رَدّ عليه "أردوغان" فى الإفطار نفسه بشكل عصبى فى كلمته ووصفه بطريقة غير مباشرة بـ "الخائن والجبان".

سيناريوهات المستقبل

المؤكد أن الحزب الحاكم فى تركيا أصبح يعانى خلال الفترة الحالية حالة من الانقسامات الداخلية؛ خصوصًا بعد استقالة أبرز مؤسّسى الحزب، مثل على باباجان وأحمد داود أوغلو نتيجة سياسات الحزب التى باتت تخدم مصالح شخص أردوغان وانفراده بالقرارات الداخلية والخارجية، إضافة  إلى وجود أكثر من مليون عضو انسحبوا من عضويه الحزب وبالتالى فإن هذه الانشقاقات ستؤثر بصورة كبيرة على مسار حركة الحزب الحالية والمستقبلية.. ولا أدل على ذلك أكثر مما كشفه  بكر آغيردر، مدير شركة "قوندا" التركية لاستطلاعات الرأى والدراسات، عن تراجع القاعدة الشعبية لحزب الرئيس التركى رجب طيب أردوغان من 38 % إلى 27 %.

ما يحدث فى تركيا نتيجة سياسات "أردوغان" المرتبكة جعلت المحللين يضعون سيناريوهات محددة لمستقبل تركيا مؤكدين أن هناك 3 أسماء ستقود تركيا فى المرحلة المقبلة، وهم: على باباجان وأحمد داود أوغلو وأكرم إمام أوغلو.

حيث يُعد اسم "على باباجان"، كبيرًا فى السياسة التركية؛ خصوصًا فيما يتعلق ببصمته على الاقتصاد، كما أنه يمتلك كل المؤهلات ليكون رئيسًا، فقد كان نائب رئيس الوزراء للشئون الاقتصادية وزير الاقتصاد والخارجية وشئون المفاوضات مع الاتحاد الأوروبى، وأحد مؤسّسى "العدالة والتنمية".

واستقالة "باباجان" من الحزب الحاكم من المؤكد سيكون لها تأثير كبير فى شعبية الحزب؛ حيث أعلن بجانبها عن نيته تأسيس حزب جديد، تضمن أسباب الانتقادات، ورصد أوجه انحراف حزب العدالة والتنمية عن مساره وقيَمه التى أُسّس عليها.

فى الوقت الذى يعتقد فيه البعض عدم وجود حزب جديد بقوة العدالة والتنمية فى بداياته، إلّا أن أى حزب جديد يضم عبدالله جول حتى وإذا كان محرّكًا وموجهًا من الخلف وباباجان كقيادى به يشكل خطرًا حقيقيّا على "أردوغان" وحزبه فى ظل حالة الاستقطاب وتقارب الحظوظ فى المحطات الانتخابية الأخيرة، وفى ظل توحّد قوى المعارضة والقبول الواسع الذى يتمتع به جول وباباجان فى أوساط «العدالة والتنمية» والأحزاب الأخرى.

يرى الكثيرون أن "باباجان" لا يرغب فى أن يتم النظر إلى حزبه على أساس أنهم منشقون عن حزب العدالة والتنمية، كما يسعى "أردوغان" إلى تصويرهم، ولذا فهو لا يسعى إلى تشكيل كتلة فى البرلمان، رُغم توقّع أن ينضم إليهم 40 نائبًا من نواب «العدالة والتنمية» يمثلون الكتلة الموالية للرئيس السابق "جول"، إضافة إلى رفض "باباجان" ورفاقه أن يظهر فى كوادر الحزب الجديد أشخاص وردت أسماؤهم فى منظمات مختلفة، أو سبق اعتقالهم، أو صدرت بحقهم أحكام قضائية، أو عقوبة السجن؛ لقطع الطريق على محاولة أردوغان توجيه ضربة إلى الحزب والقضاء عليه فى مهده.

ولهذا، فالشخصيات التى يفكرون بضمها للحزب شخصيات تتمتع بشعبية لدى الشارع فى مناطقها أو فى تركيا بصورة عامة، وليست على خلاف مع أى جهة.

 وبذلك يمثل "باباجان" وحزبه الجديد تهديدًا مباشرًا لأردوغان وحزبه؛ خصوصًا أن تركيا تعيش أوضاعًا اقتصادية صعبة وتحتاج لعقل يشبه عقل "باباجان" لإنعاش الاقتصاد التركى من جديد.

وفى الإطار تُعدّ استقالة أحمد داوود أوغلو أيضًا ضربة جديدة لحزب العدالة والتنمية وفى حالة قرار "أوغلو" منافسة "أردوغان" فى السباق الرئاسى فمن المرجح أن يشكل أوغلو تهديدًا مباشرًا لقاعدة أردوغان الشعبية؛ حيث إن "أوغلو"  يحظى بثقة واحترام كبيرين ليس داخل تركيا كلها ولكن خارجها أيضًا.

إن أحمد داود أوغلو الذى جاء بنظريته الشهيرة "صفر مشاكل" عندما كان وزيرًا للخارجية، قد استطاع تسوية مشكلات تركيا الخارجية التى كان معظمها وصل إلى مرحلة يستعصى عليها الحل، ورُغم عدم استطاعته تسوية بعض المشكلات الكبرى بشكل نهائى كالمشكلة الأرمينية أو الخلافات مع اليونان، أو المشكلة القبرصية؛ فإنه عمل على تهدئة تلك الجبهات، وفتح قنوات للتعاون مع هذه الدول بشكل أو آخر.

 كما عمل داود أوغلو على إقامة علاقات قوية مع العالم العربى، والانفتاح على العالم الخارجى بشكل كبير، كما كان لأوغلو عندما كان رئيسًا للوزراء فضل كبير فيما حققته تركيا من طفرة اقتصادية انعكست بشكل كبير على أنشطة الحياة المختلفة فى تركيا.

واليوم "أوغلو" وبَعد استقالته من حزب العدالة والتنمية ورفضه لسياسات "أردوغان" أصبح منافسًا قويّا لأردوغان، فشعبته كبيرة، إضافة إلى تاريخة الطويل فى العمل السياسى.

وبعد فوز أكرم إمام أوغلو ببلدية إسطنبول رافقه الكثير من التنبؤات حول قدرته على المنافسة فى الانتخابات الرئاسية المقبلة؛ حيث تزايدت شعبيته يومًا تلو الآخر، ففى استطلاع رأى أجرته شركة متروبول لاستطلاعات الرأى أكدت أنه بالعمل الميدانى فى منطقتَى الفاتح وأيوب سلطان فى إسطنبول (هذه هى مناطق المدينة التى سيطر عليها حزب العدالة والتنمية الحاكم سياسيّا على مدار العَقديْن الماضييْن) تحولت الآن إلى تأييد إمام أوغلو بفارق كبير.

وأضاف الاستطلاع: إن تأييد أكرم زاد فى منطقة الأناضول الكبرى إلى نحو 60%، ووفقًا لشركة آدمور لاستطلاعات الرأى، وهى مؤشرات تؤكد أن عددًا كبيرًا من ناخبى حزب العدالة والتنمية على استعداد الآن لإعطاء الفرصة لسياسى معارض على اتصال مع الواقع ويعترف بالصعوبات الاقتصادية ويسعى للحلول ويقدمها بناءً على نظرة إيجابية.

لا يوجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق