الثلاثاء 4 أغسطس 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
وليد طوغان

شبح «جولن»الذى يطارده «الأغا»!

 منذ الانقلاب العسكرى المزعوم فى عام 2016، تشنُّ السُّلطات التركية حملة شرسة لاستئصال شأفة حركة "خدمة" ورئيسها فتح الله جولن، الذى يتهمه الرئيس رجب إردوغان بتدبير محاولة الانقلاب، من منفاه الاختيارى فى ولاية بنسلفانيا الأمريكية، حتى طلب "إردوغان" مرارًا من حكومة البيت الأبيض تسليم "جولن" إلّا أن الإدارة الأمريكية قابلت هذه الطلبات بالرفض.



 

ينظر كثيرون إلى "جولن" باعتباره الأستاذ الحقيقى لإردوغان. وتشير تجربة حزب العدالة والتنمية فى الحُكم بتركيا إلى أن "جولن" هو صاحب التوجه الفكرى والمُنَظّر الأول لتوجهات "إردوغان"، لكن فجأة بدأت الصراعات بين الرجُلين حين غادر "جولن" إلى أمريكا دون أسباب معلنة، وفى 18يونيو 1999 تحدّث جولن فى التليفزيون التركى، وقال كلامًا اعتبره البعضُ انتقادًا ضمنيّا لمؤسّسات الدولة التركية.

 وبَعد ذلك بدأ المُدّعى العام للدولة تحقيقًا فى تصريحات جولن، وساعتها تدخَّل رئيسُ الوزراء التركى آنذاك "بولنت أجاويد" ودعا الدولة إلى معالجة الأمر بهدوء، بدلًا من فتْح الموضوع للنقاش على المحطات التليفزيونية التركية، كما دافع عن جولن وعن مؤسّساته التعليمية وقال: "مدارسه تنشر الثقافة التركية حول العالم، وتُعرِّف تركيا بالعالم، مدارسه تخضع لإشراف متواصل من السُّلطات".

 بعد ذلك اعتذر "جولن" علانية عن تصريحاته، إلّا أن البعض ظل متشككًا فى أهدافه، ولاحقًا وُجِّهت له الحكومة التركية اتهامات بمحاولة تحقيق مكاسب سياسية على حساب مؤسّسات الدولة بما فى ذلك الجيش.

فساد ورشاوَى

قدَّمَ "جولن" آراءه حول القضايا التركية، بدءًا من التحقيقات فى قضايا الفساد والرشوة وتبييض الأموال، وانتهاءً إلى القضية الكردية، وتطرَّق إلى حركة التصفية والنفى والتشريد الشاملة فى صفوف الكوادر القضائية والأمنية والشرطية في تركيا. وأكّد أن البعض يسعون لتقديم الجهود الرامية إلى كشف الغطاء عن أعمال الفساد فى البلاد وكأنها "جريمة"؛ لذلك لجأوا إلى الإيهام بوجود "دولة موازية" داخل الدولة؛ بسبب استيائهم من عمليات الفساد الجارية، مع غضّ البصر عن جميع ممارسات الفساد والرشاوَى والانتهاكات القانونية فى العطاءات الرسمية ومحاولة التستّر عليها وتقديم كل ذلك للرأى العام وكأنه أمرٌ اعتيادى.

وتزايدت تصريحات "جولن"، التى يهاجم فيها سياسية الحزب الحاكم، حين قال: "إن حزب العدالة والتنمية التركى وَعَدَ بدفع المسيرة الديمقراطية إلى الأمام، وبناء دولة القانون حين أتى أول مرّة إلى الحُكم، إلّا أنه بَعد الانتخابات البرلمانية سنة 2011 غيَّرَ مجرَى سَيْره نحو إقامة دولة الرجُل الواحد وبالتالى ابتعد عن ذاته". وأضاف بأن الناخبين من حركة "خدمة"، قد "دعَّموا الحزب الحاكم فى البداية إلّا أنهم بعد ظهور هذا التغيير الملاحَظ فى مسيرة الحزب اتخذوا تجاهه موقفًا مناقضًا له، بعدما "تبينت محاولة حزب العدالة والتنمية ربط كل شىء بالسُّلطة التنفيذية".

رَدَّ "إردوغان" على اتهامات "جولن" بتشديد سيطرة الحكومة على المحاكم، ونقل الآلاف من ضباط الشرطة ومئات المدعين والقضاة، فيما يقول مناصروه إنه مسعَى لتطهير القضاء من نفوذ الداعية التركى المقيم فى المنفَى.

شيطنة الحركة

بدأ حزب إردوغان الطامع فى السيطرة على السُّلطة الكاملة فى مسلسل شيطنة حركة "خدمة"، نهاية 2010؛ حيث بدأ الصراع على النفوذ الذى سبَّبَ شرخًا فى الشراكة الاستراتيجية بين الحركة وحكومة إردوغان خلال أزمة السفينة التركية "مرمرة" خلال توجهها لكسر الحصار على غزة، وفى ذلك الوقت قال "جولن" إن "الجانب التركى هو المخطئ؛ لأن مرمرة لم تحصل على إذن لدخول غزة". واصفًا ذلك بـ"التعدى على الشرعية".

ولكن حزب إردوغان وتنظيم الإخوان الارهابى حاولا المتاجرة كالعادة بالقضية الفلسطينية والتسويق لحادث السفينة "مرمرة"؛ للبحث عن قاعدة شعبية وجماهيرية بعيدًا عن حركة "خدمة".

وكان 2013عام الصدام الأكبر، ففى مايو من العام نفسه، اصطدمت الشرطة التركية بمتظاهرين أتراك من أتباع حركة "خدمة" فى «ميدان تقسيم» باسطنبول، وهم يحتفلون بعيد العمال؛ ما فجّر أزمة بين فريق إردوغان وفريق حركة "خدمة."

كان تعامُل الشرطة بعنف مفرط مع المتظاهرين، ما أدّى إلى اندلاع المظاهرات فى مدن تركية أخرى، وهنا يحاول "إردوغان" الخروجَ من الورطة باستحضار العدو الداخلى؛ حينما اندفع فى اتهام "فتح الله جولن" بتدبير أزمة ميدان تقسيم، مدعيًا أن قوات الأمن التى تعاملت بعنف مفرط مع المحتجين الذين هم من أنصار "جولن"، يسيطرون على مواقع مهمة داخل قوات الشرطة التركية، وعلى أثر ذلك قام بالتخلص من مئات القيادات الأمنية.

بعدها بشهور قليلة استطاعت الشرطة التركية وهيئة الادعاء العام، الكشف عن مجموعة قضايا فساد كبيرة، تورّط فيها وزراء ومسئولون وأبناء مسئولين وامتدت لتطال أسرة إردوغان.

ومرّة أخرى استحضر "إردوغان" العدو المصطنع، مندفعًا نحو اتهام جماعة "خدمة" بالسيطرة على القضاء.

وفى عام 2015 شنّ إردوغان حملة ضارية وهجومًا شرسًا على الجميع، متهمًا حزب الشعب وجماعة خدمة وحزب الشعوب الديمقراطى، بالتواطؤ معًا من أجل تدمير الهوية الإسلامية لتركيا، ووقف مشروع تركيا المستقبل.

ظلت حملة التصفية والمطارَدة مستمرة حتى جاء الانقلاب المزعوم فى يوليو 2016 ليكون طوق نجاة لنظام إردوغان وفرصته للتخلص بشكل كبير من "جولن" وجماعته عبر تحميلهم مسئولية والتخطيط للانقلاب الفاشل.

فمنذ الإعلان عن الانقلاب، سارعت قيادات الحزب إلى اتهام حركة "خدمة"، وباشرت السُّلطات تنفيذ حملة اعتقالات لم يشهد لها مثيلًا طالت عشرات الآلاف من الموظفين فى الشرطة والجيش والقضاء والمخابرات والتعليم والمالية، بالإضافة إلى غلق مئات المؤسّسات التعليمية والإعلامية، وهى الحملة المستمرة حتى اليوم.

لا يوجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق