الثلاثاء 4 أغسطس 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
وليد طوغان

«أرمنلى» رئيس «نظّار»؟!

فى الثامن والعشرين من أغسطس 1878 أصدر الخديو إسماعيل أمرَه بإنشاء مجلس النظار "مجلس الوزراء" وتخويله مسئولية الحُكم وعهد إلى نوبار باشا  بتأليف الوزارة على هذا الأساس.



وهكذا قدّر لمصر أن يكون أول رئيس نظارة لها أرمنى الأصل.

وقد تضمّن الأمرُ الصادر إلى نوبار باشا بتأليف النظارة (الوزارة) القواعد التى اتخذت منذ ذلك التاريخ أساسًا للحُكم فى مصر.

 

أصبح مجلس النظار (الوزراء) هيئة مستقلة عن ولى الأمر وأصبحت رئاسة المجلس لنوبار باشا وليس للخديوى.

وأصبح اختصاص مجلس النظار هو: النظر فى جميع الأمور المهمة المتعلقة بالقطر المصرى على أن تصدر قراراته بالأغلبية، ويتعين على الخديوى التصديق عليها فتصبح مُلزمة للنظار، وأصبح كل ناظر مسئولًا عن إدارة نظارته، كما اعتبر النظار مسؤلين بالتضامن عن تصرفات كل ناظر على حدة، وأصبح من اختصاص المجلس لأول مرّة تعيين وعزل كل موظفى الدولة الكبار، وأبقى للناظر سُلطة تعيين وعزل الموظفين الصغار.

وفى هذا المجلس احتفظ نوبار باشا لنفسه بنظارة الخارجية، وعَيّن وزيرين أوروبيين هما ريفرز ويلسون الإنجليزى لنظارة المالية ودى بليمير الفرنسى للأشغال، فيما عَيّن مصطفى رياض للداخلية وراتب باشا للحربية وعلى باشا مبارك للمعارف والأوقاف،  فيما رفض محمد شريف باشا الاشتراك فى هذه الوزارة التى رأى فيها عدوانًا على سيادة مصر ووصفها بأنها وزارة أوروبية للأوروبيين وليست للمصريين.

نوبار باشا

تقول سيرة نوبار باشا أنه وُلد فى أزمير فى عام 1825 بتركيا لعائلة عريقة ترجع أصولها إلى أعالى أرمينيا، ودرس فى جينيف بسويسرا ثم تولوز بفرنسا.

وفى عام 1842 استدعاه خاله بوغوص بك الذى كان يشغل منصب ناظر التجارة والأمور الإفرنجية لوالى مصر محمد على، وعمل نوبار سكرتيرًا فى مكتب خاله حتى وفاة بوغوص فى عام 1844، وبعدها انتقل نوبار ليصبح سكرتيرًا ومترجمًا لمحمد على.

بعدها التحق نوبار بخدمة إبراهيم باشا، الذى اصطحبه فى كل أسفاره حتى وفاته فى عام 1848، ثم تراجع دور نوبار باشا فى عهد الوالى محمد سعيد، حتى واصل الصعود فى عهد الخديو إسماعيل الذى استدعاه ليكون أول رئيس وزراء فى تاريخ مصر الحديثة عام 1878، وكانت أول نظارة «وزارة» لمصر تضم سبع نظارات، وهى: الخارجية والحقانية والداخلية والجهادية والأوقاف والمعارف والأشغال.

وكتب نوبار باشا مذكراته فى عهدى الخديو إسماعيل والخديو توفيق وانتهى من كتابتها فى مايو 1894، ونشرت أولًا بـ«الفرنسية» واستغرق فى كتابتها مدة ثلاث سنوات ونصف السنة (1890- مايو 1894) واختصت بالفترة (1842 - 1879)، وفى أثناء ذلك تمكن البعض من الاطلاع على المخطوط أول مرّة فى العاصمة اللبنانية بيروت.

ومما قاله فى مذكراته «كم من الحكام احتلوها! (قاصدًا مصر) كم من الشعوب دهست بأقدامها أرض مصر، بدءًا من ملوك الرعاة إلى آخر المماليك، جميعهم تركوا آثار أقدامهم وبصماتهم العظيمة على أرض مصر من أهرامات وتماثيل ضخمة ومعابد ومآذن ومنارات وعجائب كلها سحر ورونق، كلهم استغلوا وتجاوزوا الحدود فى استغلال هذا الشعب الذى عمل بجد وعرق وشيّد لهم هذه الروائع والآثار التى نعجب بها دون أن نفكر فى الألم الذى عانى منه الشعب، فى حين أن لا أحد من هؤلاء الحكام، استطاع التغلغل فى أعماق هذا الشعب الذى ظل ساكنًا مثل المحيط».

صمود مصر

فى المسافة بين اندلاع الثورة العرابية وإخفاقها تشكلت أكثر من وزارة تعاقب على رئاستها محمد شريف باشا ورياض باشا ومحمود سامى البارودى، وكانت آخر هذه الوزارات وزارة شريف باشا الذى استقال احتجاجًا على المطلب الإنجليزى بانسحاب مصر من السودان، فما كان من الخديو توفيق إلّا أن استدعى رياض باشا ليكلفه بتولى الوزارة، لكنه رفض تأييدًا لموقف شريف باشا فكلف نوبار باشا بتشكيل الوزارة فكانت وزارته الثانية فى 10يناير 1884.

وتشكّل مجلس الوزراء على النحو التالى: نوبار باشا لرئاسة مجلس الوزراء ووزيرًا للحقانية (العدل) والخارجية، ومحمد ثابت باشا للداخلية ومصطفى فهمى باشا للمالية وعبدالقادر حلمى باشا للحربية والبحرية ومحمود باشا الفلكى للمعارف وعبدالرحمن باشا رشدى للأشغال، وكان برنامج الوزارة يتلخص بالدرجة الأولى بتنفيذ نصيحة إنجلترا بإخلاء السودان من خط الاستواء حتى مدينة وادى حلفا التى قرر الإنجليز أن جعلها حدودًا جنوبية لمصر.

 وانتهزت إنجلترا فرصة تأليف هذه الوزارة لتقوى قبضتها على شئون مصر الداخلية، فطلبت من نوبار باشا تعيين كليفورد لويد وكيلًا لوزارة الداخلية فأجابها إلى ذلك، كما لم تنتظر إنجلترا ما تتخذه مصر من إجراءات لإخلاء السودان، بل أسرعت من جانبها وأصدرت قرارًا بتكليف جوردون باشا للقيام بهذه العملية.

واستقال وزير الداخلية محمد باشا ثابت من الوزارة احتجاجًا على تمادى وكيل الوزارة الانجليزى وتجاوزه سُلطات الوزير وألغائها، وفى السابع من يونيو 1888 أقال الخديو توفيق وزارة نوبارعلى إثر خلاف نشب بينهما ليأتى مصطفى رياض باشا خلفًا له.

أمّا المرّة الثالثة التى تولى فيها نوبار باشا الوزارة فكانت بعد وفاة الخديو توفيق، وجاءت فى عهد الخديو عباس حلمى الثانى.

ففى الرابع من أبريل 1894 قدّم مصطفى رياض باشا استقالته من رئاسة مجلس النظار فكلف نوبار باشا بتشكيل الوزارة، التى جاءت على هذا النحو: نوبار باشا رئيسًا ووزيرًا للداخلية، ومصطفى فهمى باشا للحربية وحسين فخرى باشا للأشغال والمعارف وبطرس باشا غالى للخارجية وإبراهيم فؤاد باشا للحقانية (العدل) وأحمد مظلوم باشا للمالية، وفى الثالث من نوفمبر من ذلك العام تم تعيين المستر ألدون جورست مستشارًا لوزارة الداخلية بأمر الخديوى، وفى نوفمبر 1895  استقال نوبار باشا متعللًا بمرضه وحالته الصحية فقبلها الخديو على الفور؛ خصوصًا أن العلاقة بينهما قد ساءت وكلف مصطفى فهمى باشا بتشكيل الوزارة الجديدة.

وقد اتهم  البعضُ نوبار باشا بموالاته للأجانب على حساب المصريين، فيما جاءت مذكراته ليدلل من خلالها على مدى وطنيته واهتمامه بالمصريين، وسعيه لتأسيس المحاكم المختلطة للحد من سيطرة الإنجليز، وهذا أدى إلى استقلال القضاء عن الدولة وإرساء قواعد التشريعات الغربية، كما كشفت مذكراته أنه كان من أشد المتعاطفين مع الفلاح المصرى وكان ضد الضرائب والسّخرة فى مشروع قناة السويس.

3 وزارات

تولى هذا الرجل الأرمنى رئاسة الوزراء ثلاث مرّات، الأولى فى عهد الخديو إسماعيل ثم فى عهد توفيق بين عامَى 1884 حتى 1888 وأخيرًا فى عهد عباس حلمى 1894- 1895.

عايش نوبار باشا سبعة حكام فى مصر، أولهم محمد على باشا الكبير، ثم إبراهيم باشا والوالى عباس الأول ثم الوالى محمد سعيد باشا والخديو إسماعيل ثم الخديو توفيق وأخيرًا عباس حلمى الثانى، ولعب دورًا مُهمّا وخطيرًا وكان محط ثقة الحكام السبعة الذين تعاقبوا على حكم مصر فى كل ما تولاه من مناصب.

وبعد استقالته من وزارته الثالثة والأخيرة انسحب من الحياة العامة وذهب إلى باريس؛ حيث توفى يوم  14يناير 1899 ودفن بالإسكندرية فى مسجد النبى دانيال، وكرّمته مصر بإصلاق اسمه على  شارع فى القاهرة، وآخر فى الإسكندرية، بالإضافة إلى قناة تحمل اسمه وهى ترعة “النوبارية” فى دلتا النيل.

لا يوجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق