الجمعة 4 ديسمبر 2020
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

هل تواطأ النحاس؟!

سيظل يوم 4فبراير 1942 مثيرًا للجدل بكل ما به من كواليس؛ حقائق؛ خبايا وأسرار، لاتزال ترمى بظلالها إلى الآن؛ خصوصًا بالنسبة لتاريخ الزعيم السياسى مصطفى النحاس ووزارته الأخيرة.



هناك العديد من الكُتّاب والمبدعين كانت أولى خطواتهم ممتزجة بهذا الحدث؛ وعلى رأسهم الروائى الكبير إحسان عبدالقدوس الذى صنع مَجدًا صحفيّا بقلمه نتيجة لتأثره بهذا الحدث.

ففى عام 1945 كتب مقالًا ضد السفير البريطانى بالقاهرة "اللورد كليرن" صاحب حادث محاصرة الدبابات الشهير فى 4فبراير 1942، وبسبب هذا المقال اعتقل فى سجن الأجانب لعدة أيام، وبعد هذا الحادث أصبح رئيسًا لتحرير مجلة "روزاليوسف".

هناك  مئات الكُتب عن هذا  اليوم، الذى تبعه تشكيل الوزارة ومنها كتاب لطيفة سالم "فاروق وسقوط المَلكية فى مصر"، وكتاب هدى عبدالناصر "الرؤية البريطانية للحركة الوطنية المصرية 1936-1952"، وبالطبع شهادة الصحفى الأشهَر محمد حسنين هيكل المعنونة باسم: "الانقلاب العسكرى الأول فى السياسة المصرية".

شعبية الزعيم

الحقيقة حادثة 4 فبراير كان لها أثرها بالنسبة للنحاس مع كل إنجازاته وشعبيته الطاغية، التى صمدت من قَبل للمقارنة بشعبية سعد زغلول، ولكنه تعرَّض لكثير من النقد والسخرية والهجوم القاسى بسبب يوم 4 فبراير 1942، وإن كان هناك من يدافع عنه ويقول إنه ذهب للسفير البريطانى رافضًا الوزارة ومحاصرة القصر، معتبرًا هذا تصرُّفًا لا يليق بمعاهدة 1936.

 ولكن الواقع يقول إن يوم 4فبراير 1942 أكد على العلاقة المتوترة بين الوفد وزعيمه من ناحية والملك من ناحية أخرى، التى اشتعلت بعد محاصرة القوات البريطانية قصر عابدين، وإجبار فاروق الأول ملك مصر على التوقيع على قرار باستدعاء زعيم حزب الوفد مصطفى النحاس لتشكيل الحكومة بمفرده أو أن يتنازل عن العرش من خلال تهديد السفير البريطانى فى القاهرة السير مايلز لامبسون.

 وهناك من يفسر إجبار الملك على وزارة النحاس، التى فعلها الإنجليز، لإرضاء غالبية الشعب فى وقت كان القائد الحربى روميل يتقدم فى الصحراء الغربية، فطلب السفير البريطانى تأليف وزارة تحرص على الولاء لمعاهدة 1936، وعند قيام الملك باستدعاء قادة الأحزاب السياسية فى محاولة لتشكيل وزارة قومية أو ائتلافية، وكانوا جميعًا عدا مصطفى النحاس مؤيدين لفكرة الوزارة الائتلافية تحول دون انفراد حزب الوفد بالحُكم؛ خصوصًا أن لهم أغلبية بالبرلمان.

ما دفع  السفير لمقابلة رئيس الديوان الملكى أحمد حسنين باشا وسلّمه إنذارًا موجّهًا للملك هدّده فيه بأنه إذا لم يعلم قبل الساعة السادسة مساءً أنه قد تم تكليف مصطفى النحاس بتشكيل الحكومة فإنه يجب عليه أن يتحمل تبعات ما يحدث.

 وكان السفير جادّا فى هذا الإنذار، وفى مساء 4فبراير 1942 توجَّه السفير- ومعه قائد القوات البريطانية فى مصر «الجنرال ستون» ومعهما عدد من الضباط البريطانيين المسلحين- بمحاصرة ساحة قصر عابدين بالدبابات والجنود البريطانيين، ودخل إلى مكتب الملك وكان معه رئيس الديوان أحمد حسنين باشا، ووضع أمامه وثيقة تنازله عن العرش.

 وقد كتب بالوثيقة:    "نحن فاروق الأول ملك مصر، تقديرًا منا لمصالح بلدنا فإننا هنا نتنازل عن العرش ونتخلى عن أى حق فيه لأنفسنا ولذريتنا، ونتنازل عن كل الحقوق والامتيازات والصلاحيات التى كانت عندنا بحُكم الجلوس على العرش، ونحن هنا أيضًا نحل رعايانا من يمين الولاء لشخصنا".

فرصة أخيرة

عندما وضع وثيقة التنازل أمام الملك، طلب رئيس الديوان الملكى أحمد حسنين باشا من «لامبسون» فرصة أخرى أخيرة ليستدعى مصطفى النحاس على الفور وفى وجوده إذا أراد أن يكلفه على مسمع منه بتشكيل الوزارة.

 هذا الحدث لايزال حتى الآن يحتاج إلى كشف كواليس الممارسات السياسية فى تلك الفترة، ولماذا  قبل النحاس- زعيم أكبر حزب شعبى فى مصر- أن يأتى إلى الحُكم بهذا الأسلوب الذى وصفه البعض بأنه جاء إلى الوزارة على أسنة الحراب البريطانية، ما أثر على شعبية الوفد.

لذلك يرى محمد حسنين هيكل أن هذه الحادثة عبّرت عن مآزق وطنية، ومآزق شرعية، ومآزق سُلطة ترتبت عليها نتائج خطيرة فيما جرى بعدها؛ إذ إن الدبابات التى حاصرت قصر عابدين- مقر الملك فاروق- لم تترك لأحد فرصة للشك فى أن الإنجليز هم المصدر الأعلى للقرار السياسى فى مصر، وكان قبول الوفد بهذه الطريقة فى الصعود للسُّلطة اعترافًا بشرعية هذا المصدر الأعلى للقرار، ثم تأكد ذلك عندما قام قادة المظاهرات الوفدية التى حملت النحاس إلى مقر الوزارة بحمل "مايلز لامبسون"- الرجل الضخم الجثة الذى كان فاروق يسميه جاموس باشا- فوق الأعناق، وهو ذاهب إلى مقر الوزارة لتهنئة النحاس بعودته للسُّلطة.

بالطبع علينا الآن الربط بين ما حدث فى ذلك اليوم وتطورات الحرب العالمية الثانية؛ خخصوصًا أن ألمانيا كانت على أعتاب مصر بعد ما حققت من الانتصارات والسيطرة على عدد من بلدان شمال أوروبا بسهولة كبيرة، مثل بلجيكا ولوكسمبورج، وهولندا، ثم تدفق الألمان إلى باريس وسيطروا على فرنسا، ثم قرار هتلر بهاجمة الإمبراطورية البريطانية على ضفاف البحر المتوسط.. واتجه جيش ألمانى قوى بقيادة القائد الشهير أروين روميل، بهدف دخول مصر واجتيازها إلى قناة السويس، والتقدم من سيناء إلى سوريا نحو الشمال والشرق لتحقيق هدف آخر وهو تكوين كماشة على الاتحاد السوفيتى، تطبق عليه بالتزامن مع هجوم ألمانى من أوروبا ينطلق من بولندا.

 لقد كانت مصر محورًا مُهمّا فى هذا الصراع الدولى، وازدادت أهمية القاهرة والخوف منها، مع تأثر بعض النخبة السياسية فى مصر بالانتصارات الألمانية؛ خصوصًا فاروق، بل إن البعض رأى فى الألمان منقذًا لمصر من الاحتلال البريطانى، عن طريق التنسيق مع الألمان ضد بريطانيا مقابل حصول مصر على استقلالها.

لذلك كانت القيادة الرئيسية فى مصر ومقرها القاهرة، التى يتولاها وزير مفوض ومعه السفير البريطانى فى القاهرة والقائد العام لقوات الشرق الأوسط، ترى أن مافعلته فى 4فبراير 1942 كان وفق ما تقتضيه الضرورة دون الرجوع إلى لندن، ولكن فى إطار الاستراتيجية العليا.

أدار الملك فاروق معركته على أساس أن تتولى الحكومة وزارة من أحزاب الأقلية، بحيث تخضع له، وتنفذ ما يريد، وتكون مُعبرة عن الطبقات التى تمثلها، على أن يُحل البرلمان الوفدى، وتُجرَى انتخابات جديدة تصطنع نتيجتها بما يكفل تمثيل أحزاب الأقلية التى تشكل الوزارة فى البرلمان، بحيث لا يكون لأى حزب أغلبية مطلقة، وكان القصد من ذلك الاستعداد لفترة ما بعد الحرب، والتصدى للحركة الشعبية المتوقعة، ومحاربة الوفد، وأن تكون السُّلطة الحقيقية بيد الملك، وبقدر ما يزداد عدد الأحزاب فى الوزارة والبرلمان يصعب على أى حزب منها منافسة سُلطة القصر.

وبعد وزارتين من دون الوفد، الأولى رئيسها محمد محمود رئيس حزب الأحرار الدستوريين، وقد مثلت جميع الأحزاب ما عدا الوفد، ثم وزارة على ماهر المشكّلة من المستقلين وحزب السعديين، وبعد مُضىّ عام على نشوب الحرب العالمية الثانية، التى بدأت تقترب من مصر، فحرصت بريطانيا على الحصول على أكبر تأييد لها من الحكومة المصرية، وضمان قيام هذه الحكومة بتقديم كل التسهيلات للقوات البريطانية، كما أن السياسة البريطانية كانت تخشى من ظهور حركة وطنية على غرار حركة رشيد عالى الكيلانى فى العراق المتصلة بالألمان ومع تصاعُد شكوك الإنجليز ضد الملك، من وجود قنوات اتصال بينه وبين ألمانيا وحلفائها.

تغيير الحكومة

تمت إقالة حكومة على ماهر ووجهت أمرًا إلى الملك فى يونيو 1940 بتغيير الحكومة القائمة، على أن تكون حكومة قوية، وممثلة للشعب، وتستطيع أن تنفذ بنود معاهدة 1936 نصّا وروحًا، وباختصار حكومة يوافق عليها النحاس، على حد تعبير القائد البريطانى ويفيل. وبالتالى شكلت حكومة برئاسة حسين صبرى ثم وزارة حسين سرى، وبدأ التخطيط لحادثة 4فبراير؛ لتجريد الملك من نفوذه بإرغامه على تعيين حكومة لا يريدها وبذلك يفقد السيطرة عليها، ويضعف فى الوقت ذاته حكومة الوفد التى صعدت لكرسى الحُكم على الدبابات البريطانية.

 وتشير دراسات متنوعة إلى أن ما ساعد على ذلك كان خروج مظاهرات صاخبة فى مصر تهتف: “يحيا روميل، يحيا الملك، يسقط الإنجليز”، وتردد وقتها أن القصر كان وراء هذه المظاهرات التى استمرت يومين. كما راج أيضًا أن الإنجليز أجروا اتصالات سرّية مع "النحاس" حتى يتأكدوا من أنه سيقبل بالوزارة التى سيقدمها له الإنجليز عن طريق القوة بعيدًا عن الطريق التقليدى وهو الانتخابات.

 وكان الوسيط الذى أجرَى هذه الاتصالات هو السياسى أمين عثمان الذى قال لـ "لامبسون": “إن النحاس الذى عمل بولاء معنا فى وقت السّلم سيكون متعاونًا معنا أكثر عشر مرّات فى وقت الحرب، ولكن لتحقيق ذلك يجب أن تكون له يد حُرة؛ خصوصًا فى مواجهة القصر”.

وانتشرت تسريبات أن مصطفى النحاس ومكرم عبيد وأمين عثمان دفعوا الأمور إلى التأزم وكان الهدف عزل الملك فاروق بواسطة الإنجليز·

ووقتها تعرَّض الوفد للعديد من الأزمات، منها خروج السياسى البارز مكرم عبيد من الحزب، وتأليفه “الكتاب الأسود” ضد حكومة النحاس، وبدأ النمو السياسى لجماعة الإخوان الإرهابية، وفَكّرَ (جمال عبدالناصر) فى تأسيس حركة الضبط الاحرار؛ وزادت شوكة اليسار الممثلة فى التنظيمات الشيوعية.

وتراجعت شعبية الوفد واستغل فاروق هذا التراجع فحاول أن يتقرب إلى الجماهير مستغلًا إهانة مصر كدولة من قِبَل بريطانيا، وأظهر ورعه وتدينه؛ خصوصًا مع السماح للمحامين الوفديين بالمرافعة فى القضايا العسكرية الناجمة عن الأحكام العرفية التى طبقت فى البلاد لظروف الحرب العالمية الثانية.

 وتورط الوفد فى سياسة اعتقالات واسعة للمعارضين و اضطهاد خصومه بالنفى والاعتقال بعد حادث 4فبراير؛ ولكن الملك فاروق كلف أحد رجاله "يوسف رشاد" بتشكيل تنظيم مسلح ينتقم له من خصومه بعد الحادث؛ حتى إن "رشاد" كان يُعَد الرئيس الفعلى لـ"الحرس الحديدى" الذى كان تأسيسه كميليشيا تابعة للملك حادث 4فبراير 1942.

لا يوجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق