الثلاثاء 4 أغسطس 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
وليد طوغان

محمد محمود.. الـ«جنتلمان»؟!

كان محمد محمود باشا.. أحد الشخصيات السياسية البارزة التى حفرت لنفسها مكانة مميزة فى الذاكرة الوطنية؛ حيث كان مُقدَّرا له أن يلعب دورًا تاريخيّا مُهمّا إبان ثورة 1919، وقبلها أيضًا بالنظر للعديد من المناصب الإدارية التى تولاها بفضل خلفيته العلمية والنفوذ السياسى والاجتماعى لعائلته.



وكان الرجل صاحب شخصية مليئة بالأسرار والسطوة والإعجاب بالذات والإحساس بالتفرد.

ظل محمد محمود باشا محل إعجاب الزعيم سعد باشا زغلول، وموضع ثقة السياسى البارز عدلى باشا يكن، كما كان القصر ينظر له بعين الاعتبار، أمّا الإنجليز فقد كان له معهم صولات وجولات لدرجة أنهم وصفوه "بالسياسى الجنتلمان"..

لم ينشأ نفوذ محمد محمود باشا من فراغ، ولم يصل للمناصب التى تولاها بمحض الصدفة؛ إنما كان مُقدّرا للطبقة التى ينتمى إليها أن تلعب دورًا مُهمّا فى خريطة التفاعلات السياسية خلال فترة حُكم أسرة محمد على بأكلمها وعلى مدار نحو 150 عامًا.

 وفقًا لدراسة بعنوان "المعتدلون فى السياسة المصرية.. دور محمد محمود باشا" للدكتورة ماجدة محمد حمود؛ فإن أسرة محمد محمود باشا تنتمى لطبقة أعيان الريف، وهى الشريحة المصرية التى تتكون أساسًا من طبقة كبار الملاك؛ حيث ينحدر الأب والجَدّ من أصل عربى وهو سليمان عبدالعال الذى ينتهى نَسَبُه لقبيلة بنى سليم بالحجاز.. وكان جَدُّه "سليمان بك" يشغل منصب عمدة قرية "ساحل سليم" التابعة لمركز أبو تيج بأسيوط فى منتصف القرن التاسع عشر تقريبًا، ثم وصل هذا الرجل إلى منصب مدير مديرية قنا فى عهد عباس باشا الأول ونال رتبة البكوية، وهو منصب يعادل منصب المحافظ فى وقتنا الحالى، وكان سليمان بك ضمن أول أربعة من المصريين الذين يحصلون على رتبة البكوية..بأملاك فى تلك الفترة تبلغ نحو  528 فدانًا من أجود الأطيان الزراعية التى استطاع أن يستحوذ عليها خلال فترة حُكم الوالى محمد على.

خصوصية النشأة

أمّا الأبُ محمود سليمان فقد درس العلوم الفقهية واللغوية بالأزهر الشريف، ثم تم تعيينه عمدة لقريته ساحل سليم خلفًا لوالده الراحل، ثم ناظرًا لقسم أبو تيج وديروط، وبعدها ترك الوظائف الحكومية من أجل أن يتفرغ لإدارة أملاك والده واستطاع أن يضم 200 فدان جديدة لأملاك الأسرة ثم زادت إلى 1500 فدان فيما بعد.. وفى انتخابات مجلس النواب عام 1881، أى فى عهد الخديو توفيق، تم اختياره ليكون عضوًا فى اللجنة التى تولت الرد على خطاب العرش، وهو مَن ألقى الخطاب فى 29ديسمبر من نفس العام نفسه.

 وبعد الثورة العرابية اعتزل السياسة وعاد إلى بلدته.. ثم عاد مرّة أخرى للعمل السياسى، وجرَى انتخابه عضوًا فى مجلس شورى القوانين، واستمر وكيلًا للمجلس حتى عام 1912.. وكان هذا  الرجل صاحب سطوة ومكانة سياسية عظيمة، لدرجة أن عائلته ظلت تتفاخر بأن الإنجليز عرضوا عليه عرش مصر عقب وفاة السُّلطان حسين كامل، إلّا أنه رفض هذا العرض لأنه جاء عن رغبة إنجليزية.. وعندما هبت رياح ثورة 1919، كان محمود سليمان قد بلغ الثمانين من عمره، وخلال أحداث الثورة تولى رئاسة لجنة الوفد المركزية وذلك بعد سفر الوفد إلى أوروبا إلى أن توفى سنة 1929 عن عمر يناهز نحو 90 عامًا.. وقد شهد تولى نجله محمد محمود رئاسة الحكومة فى حياته.

 إلى أكسفورد

فى هذا المناخ الأسرى نشأ وترعرع محمد محمود باشا؛ حيث كان الوسط الاجتماعى الذى نشأ به كفيلًا بأن يدفعه للأمام أميالًا وأميالًا نحو السُّلطة والنفوذ.

فقد وُلد فى الرابع من أبريل عام 1878 فى قرية ساحل سليم بمركز أبو تيج بأسيوط، ونال الشهادة الابتدائية من مدرسة أسيوط عام 1892، والتحق بعد ذلك بالمدرسة التوفيقية بالقاهرة، وقد أتم دراسته بها عام 1897.. ثم أرسله والده إلى إنجلترا؛ حيث درس بجامعة أكسفورد وحصل على الدرجة الثانية فى التاريخ أو دبلوم علم التاريخ الحديث.

ويُعَد محمد محمود باشا أول مصرى يتخرّج فى جامعة أكسفورد، ولهذا اصطبغ بالصبغة الإنجليزية وكان يجيد التحدث بهذه اللغة كما كان يجيد الترجمة وكتابة الشِّعر والقصة القصيرة.  

وقد ساهم والده محمود سليمان فى توجيهه السياسى فى بداية شبابه؛ حيث استدعاه فور حصوله على شهادة الدبلوم من أكسفورد للعمل بوزارة المالية، فكان أول المناصب التى تولاها منصب وكيل تفتيش بوزارة المالية، ثم نائب مفتش الوزارة بين عامَى 1901 و1903، ثم سكرتير خاص لمستشار الداخلية الإنجليزى فى نوفمبر عام 1905.

 ثم تم تعيينه مديرًا "محافظًا" للفيوم فى عام 1906.. ثم تم تعيينه محافظًا للقنال وأخيرًا محافظًا للبحيرة إلى أن أجبره الإنجليز على الاستقالة عام 1917 نظرًا لخلافاته الدائمة معهم حول شئون إدارة الأقاليم.

ومن هنا بدأ محمد محمود يتفرغ للعمل السياسى كبديل للعمل الحكومى والإدارى.  

مغادرة الوفد

مع قيام ثورة 1919، كان محمد محمود فى مقدمة صفوف الحركة الوطنية بصحبة أبيه السياسى الكبير فى تلك الفترة،  ولكن بعدما انقسم أعضاء الوفد إلى فريقين، كان محمد محمود مع فريق لطفى السيد وعلى شعراوى وعبدالعزيز فهمى، وساند هذا الفريق عدلى يكن باشا فى وزارته ومواقفه الوطنية والسياسية، ومع ذلك كان موقفه من تصريح 28فبراير 1922 أنه لم يحقق كامل آمال الأمة المصرية؛ لأنه احتوى على مبادئ تعوق حقوق المصريين فى الاستقلال، ثم كان محمد محمود باشا من مؤسّسى حزب الأحرار الدستوريين فى 30أكتوبر 1922.. وكان هو من أعلن مبادئ الحزب خلال حفل تأسيسه فى فندق شبرد، فى هذا التاريخ بالتحديد؛ حيث تم اختيار عدلى يكن باشا رئيسًا للحزب.. وتم اختيار محمد محمود وكيلًا للحزب، وقد ساهم هذا الحزب فى صياغة دستور 1923. وهو الدستور الذى عطّله محمد محمود فيما بعد!.

 شكّل محمد محمود وزارته الأولى فى 25يونيو 1928، وهو التاريخ ذاته الذى تولى فيه رئاسة حزب الأحرار الدستوريين، واستمرت الحكومة حتى أكتوبر 1929، وقد ابتدع محمد محمود نهجًا غريبًا فى هذه الفترة، فقد بلغت به الجرأة السياسية حدّا لا يتصوره أحد، بل إنه كان ينافس إسماعيل صدقى باشا فى اللعب بالدستور والعبث بالحياة النيابية التى ساهم هو فى تأسيسها، فقد أعلن الرجل خلال رئاسته الوزارة فى هذه الفترة أنه سوف يحكم بـ "اليد القوية" وأنه لا يعبأ بالحُكم الدستورى أو الحزبى، وألقى سلسلة من الخُطب السياسية التى كشفت عن رؤيته للحُكم.. لكن الوزارة استقالت بعد تشكيلها بنحو عام؛ ليؤلف عدلى يكن وزارة محايدة لإجراء انتخابات 1930.

وفى عهد الملك فاروق، تولى محمد محمود باشا رئاسة الوزارة الثانية فى مشواره السياسى، التى استمرت فى الفترة من 29 ديسمبر 1937 حتى 18أغسطس 1939، واحتفظ فيها أيضًا بمنصب وزير الداخلية (30 ديسمبر 1937 - 27 إبريل 1938).

 وبدأت الوزارة أعمالها بحل البرلمان الوفدى، وفصلت الموظفين الوفديين، وسيطرت على الانتخابات.. ثم شكّل وزارته الثالثة (27 إبريل - 24 يونيو 1938)، واستمرت فى استخدام سياسة اليد القوية.

ثم شكّل وزارته الرابعة  خلال الفترة من 24يونيو 1938 -  18أغسطس 1939، وكان ذلك آخر عهد بالعمل السياسى.

خلال هذه الوزارة قام بالعديد من الإنجازات المهمة،  منها زيادة تدعيم الجيش والاعتمادات المدرجة للقوات المسلحة ومشروعات الدفاع الوطنى، وقد تقرر اعتماد المبالغ لشراء 23 طائرة متوسطة لتعليم طلاب كلية الطيران المَلكية، واعتماد إنشاء أول قوة بحَرية للدفاع عن شواطئ مصر، وإنشاء مصانع للأسلحة الصغيرة والمفرقعات، والموافقة على  إقامة مطار النزهة، وتسمية وزارة الحقانية بوزارة العدل، وتعديل تشريعات الضرائب.  

السياسى المتفرد

 وصف سعد باشا زغلول فى مذكراته محمد باشا محمود بأنه "شخص غيور جدّا ومعجب بنفسه".. إلّا أنه فى الوقت ذاته كان يوصف بالزعيم النبيل الذى يحترم شرف الخصومة، فلم يكن يلفظ بلفظ نابٍ تجاه خصومه‏,‏ وكان صاحب ثقافة إنجليزية ميزته عن كل السياسيين فى هذا العصر ممن تميزوا بإتقان اللغة والثقافة الفرنسية، لهذا كان محمد محمود أكثر تفرُّدًا فى الاطلاع الدائم على الثقافة والصحافة الإنجليزية، لهذا كان يحتكر أغلب المعلومات حول تطورات السياسة الإنجليزية.

وكان من صفاته أيضًا الجفوة الشديدة وصلابة الرأى.. وكان يصفه الإنجليز أيضًا بأنه أول جنتلمان مصرى صعيدى نظرًا لوجاهته وتدرُّجه السريع فى المناصب رُغم حداثة سِنّه.

فيلا الفلكى

ولأنه كان ينتمى لأسرة ثرية، فقد انعكست ثقافته وتربيته على تعاملاته المالية فى المناصب التى تولاها، لدرجة أنه رفض أن يصرف شيكًا بوصفه عضوًا فى مجلس إدارة ترام الرمل؛ حيث كان يشغل فى هذا الوقت منصب وزير المالية عام 1927، وكان رفضه لقبول الشيك يرجع إلى أنه لم يحضر جلسة واحدة من جلساته.. وعندما مرض بشدة وامتنع عن الذهاب لمجس النواب عام 1941، أراد أن يستقيل من المجلس لأنه كان يتقاضى راتبه وهو لم يَدخله منذ عشرة أشهُر.. ولكن ابنه أقنعه بالبقاء، فوافق على البقاء بشرط التبرع بالراتب للجمعيات الخيرية. كما رفض الاشتراك فى أى شركة أو عضوية أى بنك وهو يرأس عملًا سياسيّا.

ومن أدلة نزاهته أن مساحة أرضه البالغة 1508 أفدنة ظلت ثابتة حتى وفاته فى 1941.  

كان منزله الكائن فى شارع الفلكى، الذى بلغت مساحته نحو 1964 مترًا مربعًا من أشهَر المقرات التى كانت شاهدة على أحداث سياسية كثيرة.. فقد كان هذا المنزل مكانًا للاجتماعات السياسية؛ حيث عقدت فيه اجتماعات لجنة الوفد المركزية، كما شهد المنزل عَقد المؤتمر الوطنى برئاسة سعد زغلول سنة 1926، وهو المنزل الذى انطلقت منه الجبهة  الوطنية فى عام 1935.

كما كان المنزل أيضًا مقر لقاءات شِعرية وندوات كان من أشهَر الحاضرين فيها كامل الشناوى وحافظ إبراهيم ومحمود حسن إسماعيل.. وكان محمد محمود أيضًا يكتب الشعر والقصص ويتحدث فى العلم والدين والسياسة.

وسقطت وزارة محمد محمود باشا الأخيرة بفضل مناورات على ماهر رئيس الديوان الملكى، فاستقال الرجل تحت تأثير ظروفه الصحية فى شهر أغسطس سنة 1939، وقضى محمد محمود باشا فى سرير المرض نحو ثمانية أشهُر وتوفى فى 1فبراير ‏1941.

لا يوجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق