الثلاثاء 4 أغسطس 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
وليد طوغان

حكومة فتح الكوبرى!

تظل حادثة كوبرى عباس التى وقعت فى عهد حكومة النقراشى باشا الأولى فى فبراير 1946، من الحوادث التاريخية التى لا يمكن نسيانها؛ حيث تحتفظ بموقع خاص فى ذاكرة المصريين التى تأبَى دائمًا أن تغفل عن تلك الوقائع التى كان لها تأثير كبير فى مجرَى السياسة المصرية المتدفق خلال النصف الأول من القرن الماضى .



تسببت هذه الحادثة فى إسقاط واحدة من أعتى الحكومات التى قادت الحركة الوطنية بعد الحرب العالمية الثانية.. إنها حكومة النقراشى باشا التى سُميت مجازًا باسم "حكومة فتح الكوبرى"؛ نظرًا لمسئوليتها التاريخية والقانونية عن هذا الحادث المروّع.

فما هى الخلفيات الحقيقية لهذه الحادثة؟ وماذا عن دور هذه الحكومة فى السياسة المصرية؟ وكيف سقطت سقوطا مروعًا نتيجة فتح الكوبرى؟ وكيف كان هذا الكوبرى بمثابة الفخ الذى كان يستهدف الإيقاع بالحركة الطلابية فى النيل؟!..      

 

 

 

 

مصيدة الطلاب

منذ أن نشأت الحركة الطلابية وترعرعت فى رحاب ثورة 1919 وإنشاء الجامعة، وهى تبحث دائمًا عن دور فاعل فى تغيير مسار الأحداث، كانت هناك شكوك مستمرة لدى جموع الطلبة خلال الحقبة الليبرالية فى نوايا وقدرات الساسة المصريين تجاه قضيتَى الجلاء والدستور.. وكان معقل الحركة الطلابية مرتبطا دائمًا بمقر الجامعة والمدارس الأميرية المحيطة بها، بينما كانت مواقع التأثير واتخاذ القرار فى الشق الآخر من النيل.. لهذا كان "كوبرى عباس" هو الجسر الفاصل بين الطلاب وصناع القرار السياسى.. من هنا كان عبوره فى أوقات كبيرة بمثابة التحدى الأكبر أمام الحركة الطلابية.

وكان كوبرى عباس "الأصلى الذى شهد الواقعة" قد تم إنشاؤه فى عام 1908 وحمل اسم "الخديو عباس حلمى الثانى"، وكان هدفه أن يربط بين محافظتَى القاهرة والجيزة، وتغيَّر اسمه بعد ثورة يوليو 1953؛ حيث أُطلق عليه "كوبرى الجيزة"؛ حيث تم تغيير الكوبرى وإزالته نهائيّا واستبداله بكوبرى خرسانى آخر وهو الكوبرى الموجود الآن، وقد كان الكوبرى الأصلى معدنيّا وكان يتم فتحه بطريقة آلية وكان تتوسطه صينية دائرية قابلة للفتح لضمان عبور المراكب الشراعية، وكان يتم فتح الكوبرى بهذه الطريقة لإعاقة وصول المظاهرات من الجيزة للقاهرة.

وشهد هذا الكوبرى واقعتين مؤسفتين، الأولى هى المذبحة التى وقعت فى 13نوفمبر 1935 فى عهد حكومة توفيق نسيم، وراح ضحيتها بعض المتظاهرين من طلاب الجامعة وكانت تلك الاحتجاجات ردّا على تصريح صامويل هور وزير خارجية بريطانيا بأن دستور 23 لم يعد صالحًا للعمل.. وترتب على هذه الأحداث تشكيل الجبهة الوطنية من الأحزاب وعَقْد معاهدة 1936.

أمّا الحادثة الثانية- التى نحن بصددها- فهى التى وقعت فى ضمن انتفاضة الطلبة فى فبراير 1946 احتجاجًا على موقف بريطانيا المتعنت تجاه قضية الجلاء، وكانت حكومة النقراشى الأولى فى هذا التوقيت محل هجوم منقطع النظير من جميع الوطنيين.      

كانت حكومة محمود فهمى النقراشى باشا التى فتحت كوبرى عباس وتسببت فى هذه الحادثة الأشهَر فى تاريخ الحركة الطلابية المصرية هى الوزارة التاسعة والخمسين فى تاريخ مصر الحديث، إذ صدر المرسوم الملكى بتشكيلها فى 24فبراير 1945، فى أعقاب اغتيال أحمد ماهر باشا، وكانت وزارته تتكون من أعضاء من حزب الأحرار الدستوريين وحزب الهيئة السعدية وحزب الكتلة برئاسة مكرم عبيد، وهى أحزاب الأقلية فى مواجهة الوفد حزب الأغلبية آنذاك.. وقد احتفظ "النقراشى" فى هذه الوزارة بمنصب وزير الداخلية إلى جانب منصب رئيس الوزراء وتم تعيين عبدالحميد بدوى باشا وزيرًا للخارجية.

وقد تولى النقراشى باشا رئاسة الوزراء فى حقبة عصيبة للغاية، وكان على الدولة المصرية أن تحدد موقفها تجاه القوى المشاركة فى الحرب العالمية الثانية، وهنا اتضحت سياسة الحكومة المصرية بشأن مبدأ إعلان الحرب بين مصر ودولتَى المحور؛ ألمانيا واليابان، وأصدرت مرسومًا يقضى باعتبار مصر فى حالة حرب.. وكانت الحكومة المصرية تأمل أن تُقدّر بريطانيا الموقف المصرى الداعم للحلفاء خلال الحرب.. لكن هذا لم يحدث، وكانت النتيجة مظاهرات واحتجاجات عارمة ضد التعنت البريطانى..

 

 

 

الأزمة

مع نهاية الحرب العالمية الثانية وزيادة آمال المصريين فى الاستقلال التام.. عُقد ميثاق الأمم المتحدة بمدينة سان فرانسيسكو يوم 26يونيو سنة 1945، واشتركت فى توقيعه بادئ الأمر 53 دولة منها مصر، وهذا الميثاق من أعظم المواثيق الدولية شأنًا، واحتوى من الأحكام والنظم ما جعل الشعوب تنتظر أن يكون له أثره المحمود فى العلاقات الدولية وإقامتها على أسُس جديدة من العدل والمساواة والسلام واحترام استقلال الأمم كبيرها وصغيرها.

ورأى النقراشى باشا مثلما رأى كل المصريين أن نصوص الميثاق الجديد قد فتحت الباب أمام مصر لتعديل معاهدة 1936، وما اشتملت عليه من قيود كبقاء القوات الأجنبية فى مصر وارتباط مصر بمحالفة أبدية مع بريطانيا مما يتعارض مع أحكام الميثاق ويخلق وضعًا كفيلًا بأن يعرض السلم والأمن الدوليين للخطر.. فاضطرت الحكومة إلى التقدم بمذكرة تطالب بريطانيا بإعادة النظر فى معاهدة 1936 حتى تساير الحالة الدولية الجديدة، وطالبت بانسحاب القوات البريطانية ووضع مبدأ التحالف بين الدولتين كأساس محدد للعلاقة بينهما، وقام سفير مصر فى لندن بتسليم هذه المذكرة إلى وزارة الخارجية البريطانية فى 20ديسمبر 1945.

ولكن تبين للشعب من طريقة رد الحكومة البريطانية على طلب المفاوضة مبلغ سوء نية الإنجليز نحو مصر وإصرارهم على إبقاء قواعد معاهدة سنة 1936 كأساس للعلاقات بين البلدين، فكأن انتهاء الحرب العالمية الثانية، وإعلان ميثاق الأطلنطى والحريات الأربع، والمبادئ الحديثة التى قررها ميثاق هيئة الأمم المتحدة.. كل أولئك لم يغير من سياسة الإنجليز الاستعمارية حيال مصر، فاشتد سخط الشعب على هذه السياسة، وتجلى هذا السخط فى مظاهرات عمّت أرجاء البلاد فى شهر فبراير.

وكان من نتيجة هذه الحالة من الاضطرابات التى شهدتها البلاد فى هذه الآونة أن استقالت وزارة محمود فهمى النقراشى بعد أن اتضح أن معاهدة 1936 لم تعد صالحة للاستمرار ولا أهلًا للبقاء ولا متماشية مع طبيعة هذه الفترة الجديدة.

سقوط الحكومة

مع بداية العام الدراسى فى أكتوبر 1945، نجح طلاب الوفد والشيوعيين وبعض الأحزاب فى تكوين جبهة وطنية طلابية، وانضم إليها فيما بعد طلبة الأزهر، والمعاهد العليا والفنية.  وحددت هذه الجبهة الجديدة أهدافها فى: النضال من أجل الاستقلال الوطنى، والتخلص من السيطرة الاستعمارية الاقتصادية والسياسية والثقافية، والعمل على تصفية العملاء المحليين للاستعمار، ورفض التفاوض مع المستعمر.. وتألفت اللجنة التنفيذية للطلبة من هذه الجبهة الطلابية، وأصدرت بيانًا أبدت فيه رأيها فى مذكرة الحكومة المصرية وانتقدت تدويلها للقضية، كما انتقدت الرد البريطانى على المذكرة المصرية.. ثم وجهت اللجنة التنفيذية الدعوة للطلبة لعقد مؤتمر عام فى 9فبراير، للنظر فى الموقف الراهن.

 عُقد اجتماعٌ كبيرٌ داخل الحرم الجامعى، وانتهى بإصدار بيان موجّه إلى الملك طالبوا فيه الحكومة برفض الرد البريطانى رفضًا قويّا، وعدم الدخول فى مفاوضات مع بريطانيا إلّا بعد اعترافها بحقوق مصر، وبعد عَقد المؤتمر قرر الطلبة التوجُّه فى مظاهرة كبرى إلى قصر عابدين لرفع مطالبهم إلى الملك.

 

 

 

وعند هذه اللحظة وقَعت أحداث كوبرى عباس الثانية، عندما قام البوليس بفتح الكوبرى ومهاجمة الطلبة من الخلف فأصيب الكثير منهم، ورُغم إجماع العديد من المصادر التاريخية على عدم سقوط شهداء فى صفوف المتظاهرين فى هذا اليوم؛ فإن أعداد المصابين كانت كبيرة، وكانت المشاهد نفسها مأساوية ضد جموع الطلاب الوطنيين الذين أرادوا فقط أن يُعبّروا عن آرائهم بشىء من الحرية.  

الكثير من المصادر تؤكد المسئولية التاريخية والجنائية للنقراشى باشا عن هذا الحادث، لاسيما إنه كان وزيرًا للداخلية بجانب كونه رئيسًا للوزارة، فى حين ترى مصادر أخرى أن حكمدار القاهرة هو المسئول عن الطريقة الوحشية التى تم فض المظاهرات بها.. لكن على أى حال، فقد ثار خلاف بين رؤساء الأحزاب الممثلة فى الوزارة حول هذه الطريقة فى مواجهة الاحتجاجات التى اندلعت بدافع وطنى، وتَقدّم الكثير من الوزراء بالفعل باستقالاتهم، فحدث فراغ دستورى، ولم يجد النقراشى باشا سوى تقديم استقالته هو الآخر إلى الملك فاروق فقبَلها فى يوم 15فبراير عام 1946، أى بعد 6 أيام فقط من الحادثة.

وبعدها تم تكليف إسماعيل صدقى باشا بتشكيل الوزارة الجديدة فشكّلها فى اليوم التالى 16فبراير عام 1946.

رُغم السقوط الدراماتيكى لهذه الوزارة التى لم تلبث فى الحُكم سوى نحو عام؛ فإنها حققت الكثير من الأهداف والإنجازات على أرض الواقع.. فقد شهدت هذه الوزارة تعيين عبدالحميد باشا بدوى وزيرًا للخارجية، وهو من تولى رئاسة وفد مصر فى مؤتمر سان فرانسيسكو الذى تم فيه إبرام ميثاق هيئة الأمم المتحدة.

وشهدت هذه الحكومة أيضًا توقيع ميثاق جامعة الدول العربية فى مصر بعضوية 7 دول عربية فى البداية، وهى: مصر وسوريا والعراق والسعودية ولبنان واليمن والأردن.   

ومن الغريب أن هذه الوزارة التى تصدت بالعنف والقمع للمظاهرات الطلابية، هى نفسها الوزارة التى أوقفت الأحكام العرفية، وأطلقت الحريات العامة، ورفعت الرقابة عن الصحف، وهى الرقابة التى ظلت قائمة منذ اندلاع الحرب العالمية الثانية.

لا يوجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق