الثلاثاء 4 أغسطس 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
وليد طوغان

وزارة الـ«43 يوم»

عندما تمكَّن تنظيم الضباط الأحرار بالجيش بقيادة جمال عبدالناصر من تولى السُّلطة فجر 23يوليو 1952، بدأتْ مصرُ تشهد مرحلة جديدة فى تاريخها أخذت معالمها تتضح تدريجيّا مع أول أيام النظام الجديد. وذلك طبقًا للبيان الذى أصدره التنظيم باسم اللواء أركان حرب محمد نجيب بشأن قيام الجيش بالثورة التى أطلق عليها آنذاك اسم "حركة الجيش المباركة".



 هدفُ "الحركة" المُعلَن كان تقويم نظام الحُكم وإصلاح الأحوال، مع بقاء النظام المَلكى القائم ممثلًا فى الملك فاروق الأول. وكان الإبقاء على المَلك حيلة ذكية من جانب الضباط لإبعاده عن التدخل؛ حيث فهم الملك أن الغرض من حركة الجيش تغيير الحكومة القائمة وليس تغييره هو.  وآنذاك كانت مصر تَمُرُّ بمرحلة اضطراب وعدم استقرار سياسى منذ اندلاع حريق القاهرة يناير 1952؛ حيث تمت إقالة حكومة الوفد بقيادة مصطفى النحاس باشا (تولت الحُكم بانتخابات عامّة فى مطلع يناير 1950). وأخذ المَلك يختار شخصيات من خاصته لتأليف الحكومة دون اللجوء للانتخابات العامة، وذلك على النحو التالى: على ماهر (27يناير- أول مارس 1952)، يليه أحمد نجيب الهلالى (أول مارس- 28يونيو 1952)، ثم حسين سرى (2يوليو-20يوليو 1952)، تلاه أحمد نجيب الهلالى مرّة أخرى حين تم تكليفه ظهْر يوم 22يوليو.  وأثناء قيامه بإجراء المشاورات اللازمة لاختيار أعضاء حكومته مساء اليوم نفسه استعدادًا لتقديمها للمَلك صباح يوم 23يوليو، فوجئ "الهلالى" بقيام حركة الجيش. وكان الهلالى فى الإسكندرية؛ حيث اعتاد مجلس الوزراء أن يَعقد جلساته فى الصيف فى الإسكندرية بمَقر الحكومة فى بولكلى، وسمع بمطالب الجيش بشأن تغيير الحُكم والإصلاح، فبادر بالاتصال تليفونيّا بالقائد العام للجيش ليبلغه باستعداده لإجابة طلبات الجيش، فأبلغه القائد العام أن الجيش يريد تغيير الوزارة، فما كان منه إلّا أن قدّم استقالته للملك فاروق الذى قبَلها، فعُرفت حكومته "بحكومة اليوم الواحد". تكليف الملك فى هذا المنعطف من الأحداث، طلب تنظيم الضباط الأحرار من "على ماهر" تشكيل الحكومة، لكنه طلب أن يتم تكليفه من الملك فاروق الذى وافق وأصدر أمر التكليف فى يوم الخميس 24يوليو، وهو فى قصر المنتزه بالإسكندرية؛ حيث كان يقضى إجازة الصيف شأن وزراء الحكومة، ودون أن يفكر بالمجىء للقاهرة رُغم سخونة الأحداث وصعوبة الموقف السياسى. وأصبح "على ماهر" حاكمًا عسكريّا استمرارًا للأحكام العرفية الى كانت قد أعلنت عقب حريق القاهرة. وكان اختيار على ماهر من جانب ثورة الجيش خطوة ذكية أخرى، وذلك لإيهام الملك فاروق بأن الجيش ليس ضد الملك؛ خصوصًا أنهم علموا أن "فاروق" أجرى اتصالًا بالسفير الأمريكى جيفرسون كافرى الذى سارع بمقابلته فى قصره بالمنتزه بالإسكندرية، الذى اكد له أنه مع الإصلاح الذى لا يمكن أن يحدث إلّا مع تغيير الوزراء والمسئولين.  وكان على ماهر فى كل الأحوال محسوبًا على النظام الملكى، فقد تولى رئاسة الوزارة عند اندلاع الحرب العالمية الثانية، ورفع شعار "تجنيب مصر ويلات الحرب" ردّا على طلب السفير البريطانى أن تعلن مصر الحرب على ألمانيا، كما تولى منصب ناظر الخاصة الملكية، وهذا كله يعنى أنه من المقرّبين للملك فاروق والأسْرة الحاكمة. وبما أن الجيش اختار على ماهر ليكون رئيسًا للحكومة، فكان هذا معناه أنه سوف ينفذ طلبات الضباط دون مجادلة؛ حيث أخذوا يُحركون الأحداث من وراء ستار وجعلوا على ماهر يتقدم بالاقتراحات بنفسه باعتباره رئيسًا للحكومة، وذلك من باب طمأنة الملك والعناصر الموالية لنظام الحُكم الملكى. وعلى هذا وبناءً على طلب الجيش، طلب على ماهر صبيحة يوم 25يوليو من الملك فاروق (أى اليوم التالى لتوليه رئاسة الحكومة)، إبعاد ستة من حاشية الملك فاروق وهم: أنطون بوللى مدير الشئون الخصوصية للملك، ومحمد حسن خادمه الخاص، وإلياس أندراوس المستشار الاقتصادى، ويوسف رشاد كبير الأطباء، وحسن عاكف طيار الملك الخاص، والأميرالاى محمد حلمى حسين مدير إدارة السيارات الملكية، وكان  كريم ثابت سكرتير الملك ضمن قائمة الأشخاص المطلوب عزلهم لكنه كان قد تقدَّم باستقالته مسبقًا. اما الخطوة التالية فكانت اقتراح على ماهر ـ بإيعاز من الضباط وفى إطار شعار الحركة "إصلاح الجيش" ـ تعيين اللواء محمد نجيب قائدًا عامّا للقوات المسلحة فأذعن الملك فاروق مضطرّا وغير راضٍ؛ لأنه لم ينس أن محمد نجيب تم انتخابه لرئاسة مجلس إدارة نادى ضباط الجيش فى أكتوبر 1951 بدلًا من اللواء حسين سرى عامر مرشح الملك للمنصب ، وكان جمال عبدالناصر وعبدالحكيم عامر وراء تشجيع "نجيب" آنذاك للتقدم لانتخابات مجلس إدارة النادى. وتسارعت الأحداث، وأصبح على ماهر لينًا فى يد الضباط يحركونه كيفما شاءوا وهم من وراء ستار، وذلك تجنبًا للتدخل الخارجى؛ وبخاصة من جانب بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية.  ثم تلتها خطوة باقتراح من على ماهر ـ وبإيعاز من الضباط بطبيعة الحال ـ على الملك فاروق التنازل عن عرشه لابنه أحمد فؤاد، ووافق "فاروق" وأصدر أمرًا ملكيّا رقم 65 لسنة 1952 بذلك فى يوم 26يوليو، وغادر البلاد إلى إيطاليا فى اليوم نفسه على متن الباخرة "المحروسة" التى كان الخديو إسماعيل قد اشتراها فى إطار الاحتفال بافتتاح قناة السويس للملاحة، بل تم توديعه وداعًا رسميّا بإطلاق المدافع طبقًا للأصول المتبعة، وقام محمد نجيب بتحيته تحية عسكرية باعتبار أن الملك هو القائد الأعلى للقوات المسلحة.  ومن ثم أخذت الإجراءات تتوالى على طريق التمكن من أداة الحُكم للسيطرة على الموقف، وعلى ماهر باشا رئيس الحكومة لا يتردد أو يتأخر فى اتخاذ القرار المطلوب. وهكذا وفى 31يوليو تمت دعوة الأحزاب والهيئات السياسية القائمة لتقوم بتطهير صفوفها مثلما فعل الجيش، وأن تعلن برامجها بوضوح وبمعالم محددة.  وفى الثانى من أغسطس (1952) صدر قرارٌ بإلغاء الرتب والألقاب المدنية (بك وباشا)، كما صدر مرسومٌ فى اليوم نفسه بالعفو الشامل عن جرائم العيب فى الذات الملكية أو الملكة أو ولى العهد، وهى تهمة كانت توجَّه إلى كل من كان ينتقد النظام الملكى بأى شكل من الأشكال. خصومة حزبية  فى العاشر من أغسطس عام 1952 اصدر على ماهر بيانا حمل فيه على الأحزاب حملة شعواء قائلًا: إن الشعب يضيق ذُرعًا بتلك الأحزاب وأن الخصومة الحزبية وصلت إلى حد الجريمة، وأن الحياة البرلمانية لن تتطهر إلّا بتطهير الأحزاب.  لكن الأحزاب لم تفعل شيئًا ذا بال سوى فصل بعض العناصر غير المؤثرة من صفوفها، فكان هذا التصرّف دافعًا لإلغاء الأحزاب فيما بعد فى 17يناير 1953، وإنشاء هيئة سياسية جديدة باسم "هيئة التحرير" تضم كل المواطنين دون تمييز فى وحدات على مستوى الأحياء والمصالح الحكومية. وفى السادس من أغسطس (1952) اتخذت الثورة أول قرار اقتصادى لمواجهة التهريب والعجز فى إيرادات الجمارك، وذلك بزيادة الرسوم الجمركية على بعض الواردات مثل الدخان.  وكان مثل هذا الإجراء يتعارض مع مصالح أصحاب رأس المال التجارى ومن ثم بدأت حركة مضادة للنظام الجديد تمثلت فى قيام عمال شركة مصر للغزل والنسيج الرفيع بكفر الدوار بإضراب فى يومَى 12و13أغسطس (1952) ورافقه إشعال النار فى سيارات الشركة وإحراق بعض المكاتب. ولان دوام الحال من المحال، فسرعان ما حدث الخلاف بين على ماهر وبين رجال الثورة رُغم موافقته إياهم على كل الإجراءات التى تم اتخاذها، ففى إطار مبادئ الثورة وأهدافها كان الثوار قد صاغوا مبدأ "القضاء على الإقطاع وسيطرة رأس المال على الحُكم"، وبعد القضاء على إضراب عمال شركة كفر الدوار فى 18أغسطس ، رأوا الشروع فى تنفيذ أول المبادئ الاقتصادية- الاجتماعية للثورة وأهدافها ألا وهو القضاء على الإقطاع وسيطرة رأس المال على الحُكم، وتقرر تحديد المِلكية الفردية للأرض الزراعية بمائتى فدان للفرد ومائة للأسْرة، وكان هناك من يملك أكثر من عشرة آلاف فدان.  غير أن على ماهر رفض الموافقة على إصدار هذا القانون رُغم أنه لم يكن من كبار ملاك الأراضى الزراعية. وهنا آثر أن يتقدم باستقالته فى 7سبتمبر (1952) بَعد ثلاثة وأربعين يومًا فى الحُكم كان فيها طيعًا فى يد رجال الثورة ، فقبلت الاستقالة بمعرفة مجلس الوصاية على العرش، وتم تكليف "محمد نجيب" الذى أذيع بيان حركة الجيش باسمه، وعلى الفور صدر قانون الإصلاح الزراعى فى 9سبتمبر (القانون رقم 178 لسنة 1952)، وقانون تنظيم الأحزاب رقم 179 لسنة 1952 فى يوم واحد. ونَصّ قانون تنظيم الأحزاب السياسية على أن كل من يريد تشكيل حزب إخطار وزارة الداخلية بخطاب موصى عليه بعلم الوصول يتضمن نظام الحزب، وأسماء أعضائه المؤسّسين، وموارده المالية. وتقدّم ستة عشر حزبًا كانت برامجها واحدة تقريبًا. وكإجراء وقائى لمواجهة أى حركة مضادة مثل حركة عمال كفر الدوار، تم اعتقال 74 شخصًا من رجال السراى ورجال الأحزاب وتم إيداعهم المدرسة الثانوية العسكرية، ثم أفرج عنهم بالتدريج خلال نوفمبر وديسمبر (1952). ومضت الأمورُ فى طريق الثورة الذى رسمه جمال عبدالناصر.

لا يوجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق