الثلاثاء 4 أغسطس 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
وليد طوغان

18ساعة.. دولة الهلالى!

يمتلئ تاريخ مصر بقصص وحكايات لوزارات ومسئولين، بعضها كان فى العهد المَلكى أو بعد ثورة يوليو، حتى بلغت 124 حكومة لم تتجاوز مدة بعضها شهورًا وأخرى أيامًا.



وهناك من لم يقضِ فى منصبه أكثر من ساعات مثلما حدث مع حكومة أحمد نجيب الهلالى الثانية التى تولاها يوم 22يوليو وتَقدَّم باستقالته 23يوليو، مع قيام الثورة، أى بعد 18ساعة فقط من صدورالقرار الملكى .

 

وقتها اتصل "الهلالى" من الإسكندرية؛ حيث كان الوزراء يعقدون اجتماعاتهم خلال أشهُر الصيف، بالقائد العام للجيش وأبلغه أنه على استعداد أن يلبى مطالب الثورة، فكان الرد أن الجيش يريد تغيير الوزارة، فقَدم استقالته للملك فاروق الذى قبلها فورًا.

كانت الحياة الحزبية الاجتماعية قبل يوليو تشهد حراكًا كبيرًا أو ما وصفه الكاتب الراحل السيد يس فى كتابه "ما قبل الثورة - مصر بين الأزمة والنهضة" موقفًا ثوريّا، وكان يعنى بذلك الصراع الطبقى الذى بلغ ذروته، وقد ينفجر ليعيد صياغة البناء الاجتماعى كله ليكون أكثر عدالة.

 لذا كان من الطبيعى أن تشهد مصر تعاقب 4 حكومات فى الشهور القليلة التى سبقت الثورة من بينها اثنتان للهلالى.

ففى يناير 1950 رفض "الهلالى" أو "السياسى المظلوم" كما كان يُسَمى، الاشتراك فى الوزارة الوفدية التى كان يتولاها النحاس باشا، وأعلن اعتزال الحياة السياسية. فقد كان معروفًا عنه أنه أحد أعداء القصر الألداء منذ سنة 1942، وأنه اتخذ قرارًا بعدم الدخول إلى قصر الملك أو حلف يمين الإخلاص له.

 لكن فى صيف ذات العام (1951) أجرَى اتصالات ببعض رجال السراى والإنجليز ثم خرج عن عزلته بعد إلغاء معاهدة 1936بتصريح هاجم فيه الوزارة فقرر الوفد فصله من الحزب.

مع التراجع الذى شهدته مصر سواء على المستوى السياسى أو الاجتماعى والدخول فى مرحلة فقدان الثقة بين الشعب والأحزاب السياسية التى كانت تتصارع فيما بينها على السُّلطة، بالإضافة إلى حريق القاهرة الذى أعقبته استقالة حكومة النحاس باشا، رأى رجال الديوان الملكى أنه يجب اختيار شخصية لرئاسة الوزراء يتقبلها الشعب وتكون قادرة على إحداث تغيير.

 وقد وجدوا ضالتهم فى "الهلالى" المعروف بالصلابة بالإضافة الى ماضيه النظيف، وهو ما يمكن أن يقدما صورة رئيس الوزراء القادر على إنقاذ البلاد مما هى فيه، إلّا أنه اعتذر وأشار باختيار على ماهر باشا.

بعدها تولى "الهلالى" الوزارة للمرّة الأولى خلال الفترة من 1مارس 1952 حتى 28يونيو 1952، وجاء فى جوابه على تكليف الملك له بتشكيل الوزارة، إن الفساد والرشوة والمحسوبية والمحاباة قد انتشرت فى كل مكان، وإنه ينوى السير فى طريق تخليص البلاد من كل هذه المساوئ.

فى بداية حُكمة أصدر مجلس الوزراء عدة قرارات بتأليف لجان قضائية تتولى التحقيق فى الجرائم والمخالفات الإدارية التى وقعت أو تقع فى الوزارات والمصالح والهيئات التى تشرف عليها الحكومة، وقد باشرت هذه اللجان تحقيقاتها وكانت هذه التحقيقات أساسًا لبعض حالات التطهير التى تمت فى عهد الثورة بعد ذلك.

ولكن يبدو أن الفساد كان قد خيّم بظلاله وأرسَى قواعده الراسخة فى كل مكان، الأمر الذى فشلت معه كل الجهود التى بذلها "الهلالى" على طريق التطهير، إذ بأوراق خطيرة تختفى من الملفات الحكومية، وإذ بالموظفين العالمين بالخبايا والأسرار يراوغون ويحاورون، وشكا رئيس الوزراء وشكا رؤساء لجان التطهير، وكان واضحًا أن الوزارة قد اختارت طريقًا مسدودًا!.  فضلًا على حل مجلس النواب وتأجيل الانتخابات لأجل غير مسمى.. وكان أن تقدم الهلالى باشا إلى الملك باستقالته ولم يُبدِ سببًا ظاهريّا لهذه الاستقالة، إلا أن ملابساتها دلت على أنه شعر برغبة الملك فى تغيير الوزارة؛ حيث كان الملك يُكثر من طلباته وتدخله فى شئون الحكومة ويضع العقبات أمامها، كما كان لحاشية الملك دخل فى خَلق العقبات، إذ كان فريق منهم يخشى أن تمسهم حركة التطهير إذا اتسعت دائرتها.

ومع ازدياد حالة التخبط السياسى فى تلك الفترة ما انعكس على تغيير الحكومات جاءت حكومة حسين سرى باشا فى يوليو، ولم يدم عمرها إلّا 20يومًا وتَقدم بالاستقالة بعد ما شهدته انتخابات نادى الضباط من تفوُّق لتنظيم الضباط الأحرار.

 وفى مساء اليوم نفسه تم تكليف أحمد نجيب الهلالى بتشكيل الحكومة مرّة ثانية، ولكنها بقيت 18 ساعة فقط، قبل أن تصبح مصر على حُكم جديد فى صبيحة 23يوليو، فسافر إلى الإسكندرية؛ حيث كان الملك يمضى الصيف، فألّف "الهلالى" الوزارة لتصبح أول حكومة بعد قيام ثورة يوليو 1952.

وتقرّر أن يتم صرف راتب "الوزير" لوزراء الهلالى باشا، وذلك عن "يوم" هو مدة عملهم فى مناصبهم، ولم يدخل إلى مكتب الوزير من الوزراء الجُدد الذين تولوا المنصب الوزارى لأول مرّة سوى الوزير حسن كامل الشيشينى، ولم يفعل شيئًا سوى الاطلاع على بيان بأسماء كبار الموظفين ثم استدعى إلى اجتماع الوزراء.

وكان القرار الوحيد الذى اتخذته هذه الوزارة هو القرار الخاص باستيراد القمح؛ حيث قام وزير التموين طه السباعى باشا بتوقيعه بعد انتهاء اجتماع الوزراء، وكان هذا هو آخر يوم حُدد لانتهاء العمل به.

ومنذ 1952 ابتعد "الهلالى" عن السياسة تمامًا واعتكف فى بيته بالمعادى، وفى عام 1958 توفيت زوجته فأصابته أزمة قلبية حزنًا عليها، أودت بحياته بعدها مباشرة وتحديدًا فى ديسمبر من العام نفسه.

لا يوجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق