الثلاثاء 4 أغسطس 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
وليد طوغان

سيد مرعى ياسيد بيه .. كيلو اللحمة بقى بجنيه

الفرص الضائعة فى يناير77؟!

 
 
 
 

  ماذا لو تمسَّك الرئيس الراحل أنور السادات بموقفه من القرارات الاقتصادية التى اتخذها فى يناير 1977؟ والتى تسببت فى مشكلات إجتماعية وسياسية في الشارع المصرى وحتى نستطيع الإجابة على السؤال لا بُدّ من معرفة الظروف والمتغيرات التى أدت إلى فشل خطة يناير 77.



خرجت مصر من فترة الحروب خلال حقبة الستينيات ثم حرب 73 وهى تعانى من عبء الإنفاق على المجهود الحربى، الذى بلغ نِسَبًا تتراوح من 20 إلى 35% من الناتج المحلى الإجمالى، إضافة لخسارة مَصدرين رئيسيْن للدخل بالعملات الصعبة، وهما قناة السويس وحقل سيناء النفطى.

أحوال معيشية

وحسب مذكرات الرئيس السادات؛ فإن ميزانية مصر كانت لا تتحمل رواتب الموظفين لمدة شهر قبل بداية حرب أكتوبر مباشرة، ما اضطره إلى فرض ضرائب جديدة وزيادة معدلات الضرائب القائمة لزيادة الإيرادات العامة الضرورية لمواجهة التزايد السريع فى الإنفاق العام اللازم خلال فترة الصراع "العربى الإسرائيلى".

ووقتها قامت السياسات النقدية على التمويل بالعجز من معدلات التضخم، ومن ثم اتبعت الدولة سياسة التسعير الجبرى للسلع الأساسية للحد من الأضرار، كما زاد الاعتماد على التمويل الخارجى من خلال القروض والمنح التى كانت تتلقاها مصر من الدول الداعمة.

فى عام 1974 صدر 124 قانونًا لتنشيط الاستثمارات الأجنبية فى مجالات الاقتصاد والصناعة والتعدين والبنوك وإعادة التأمين والاستيراد.

 وصاحَبَ ذلك تدهور سريع فى الأحوال المعيشية لغالبية المصريين، ففى الفترة من 1973 إلى 1976 ارتفعت تكلفة المعيشة بنسبة 42 %، وخلال عام 1976 وحده ارتفعت تكاليف المعيشة بنسبة 11،2 %، وتشير دراسة لهيئة العمل الدولية صدرت فى يناير 1977 إلى أن 44 % من المصريين كانوا يعيشون تحت خط الفقر.

وأهملت الحكومة مؤشرًا خطيرًا كان ينبئ بقدوم العاصفة يتعلق بالوضع الاقتصادى غير المتناسب مع تطلعات المصريين لمرحلة ما بعد أكتوبر؛ حيث تكشف دراسة عن أحداث 18 و19يناير كتبها يس طه بمجلة "الشرارة" أن التدهور فى الأحوال المعيشية أدى لصعود الاحتجاجات العمالية الكبيرة خلال عامَى 1975 و1976، ففى مطلع يناير 1975 خرج عمال المصانع الحربية فى حلوان فى مظاهرات واسعة، وفى مارس حدث إضراب فى المحلة الكبرى، وخلال العام نفسه نُظّم إضرابان بين عمال النسيج فى الإسكندرية وعمال شركة الكابلات فى شبرا الخيمة. 

وفى شهادته عن الأحداث يقول الكاتب صلاح منتصر "فى صباح يوم 17يناير 1977 كان العنوان الرئيسى فى الأهرام: علاوة إضافية لجميع العاملين من أول ينايرـ زيادة المعاشات بنسبة 10 فى المائةـ العلاوة تشمل جميع العاملين". 

كانت العناوين- كما هو واضح- تعكس شعور الأمل الذى انتظره الملايين بعد حرب أكتوبر التى قيل إنها أنهت أيام الشدة لتعقبها سنوات الرخاء والانفراج، إلّا أنه لم تمض ساعات قليلة حتى فوجئت الملايين بعناوين الصحف فى اليوم التالى مباشرة- 18يناير- تعلن قرارات الحكومة بزيادة أسعار قائمة كبيرة من السلع ضمت رغيف العيش الفينو والذرة والسكر والشاى والأرز والغزل والنسيج والشحوم الحيوانية والبوتاجاز والأسمدة؛ نتيجة إلغاء الدعم عن هذه السلع.

 الزيادات طالت أيضًا الرسوم الجمركية بين 25 و200٪ على السيارات والأجهزة الكهربائية والأقمشة المستوردة، وفرض رسوم إنتاج واستهلاك على أسعار البنزين والغسالات والسخانات والأفران والثلاجات والسجاد وأجهزة التسجيل والمراوح والأدوات الهندسية والأقمشة القطنية والصوفية والصناعية.

قرارات حاسمة

لم يكن جهاز التليفزيون متوفرًا عند قطاع عريض من المصريين، لذلك لم يشاهد الكثيرون بيان د. عبدالمنعم القيسونى- نائب رئيس الوزراء ورئيس المجموعة الاقتصادية فى حكومة ممدوح سالم- مساء يوم 17يناير 1977 أمام مجلس الشعب ليعلن عن قيام الحكومة باتخاذ مجموعة من القرارات الاقتصادية “الحاسمة والضرورية” التى تهدف إلى خفض العجز فى ميزان المدفوعات، وذلك تحت ضغط الصندوق والبنك الدوليين، ومن أجل توقيع اتفاق معهما.

 كانت المحصلة الرئيسية لهذه القرارات هى تحميل الفقراء من المصريين أعباء مالية تقترب من 500 مليون جنيه سنويّا، تدفع بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، على شكل زيادة فى أسعار جميع السلع الضرورية.

وعلم المواطنون بذلك البيان صباح يوم 18يناير، وبدأت المظاهرات بعدد من التجمعات العمالية الكبيرة فى منطقة حلوان بالقاهرة فى شركة مصر حلوان للغزل والنسيج والمصانع الحربية وفى مصانع الغزل والنسيج فى شبرا الخيمة وعمال شركة الترسانة البحرية فى منطقة المكس بالإسكندرية، وبدأ العمال يتجمعون ويعلنون رفضهم للقرارات الاقتصادية وخرجوا إلى الشوارع فى مظاهرات حاشدة تهتف ضد الجوع والفقر وبسقوط الحكومة رافعة شعارات، أشهرها: سيد مرعى (رئيس البرلمان) يا سيد بيه كيلو اللحمة بقى بجنيه.

كانت المظاهرات عفوية غاضبة ضمت موظفين حكوميين وطلبة وعمالًا.

وتحوّلت التجمعات إلى مظاهر عنف، منها حرق أقسام الشرطة وأبنية الخدمات العامة. ومن هنا أطلق السادات عليها "انتفاضة الحرامية".

وقد كان خارج القاهرة واضطر للعودة إلى العاصمة والتراجع عن قراراته، وهكذا أصبح الاقتراب من الدعم يمثل تهديدًا مباشرًا لمكانة كل رئيس أتى من بَعده وتضخمت المشكلة وسرنا فى طريق طويل للاقتراض بدأ فى عام 1977؛ حيث اقترضت مصر ما قيمته 8.1 مليار دولار، وفى سنة 1981 اقترضت 14.3 مليار دولار.

 الدعم الدولى

وفى رأى د. فخرى الفقى- الخبير السابق بصندوق النقد الدولى والأستاذ بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية- فالعام 1976 شهد اتصالات مصرية مكثفة بصندوق النقد للحصول على تمويل نقدى يتجاوز نسبة مصر المسموح لها من دون شروط، وهى نسبة 25% من حصتها بالصندوق، ولذلك لم تكن القوى الدولية الضاغطة ستسمح للصندوق بالتساهل مع السادات والاستجابة لطلبه، بالإضافة لمحدودية حجم الأموال المتاحة للصندوق فى ذلك الوقت.

ويضيف الفقى "كانت هناك الكثير من الظروف والأجواء الداخلية التى تعمل ضد سياسة السادات الاقتصادية، منها إن معظم خبراء معهد التخطيط القومى حينئذٍ كانوا من ذوى الفكر الاشتراكى، بالإضافة للمسيطرين على نقابات العمال، ولم يملك السادات جهازًا إعلاميّا محترفًا يقوم بإقناع المواطنين بأهمية برنامج الإصلاح، وبالتالى كانت حركة الجماهير أسرع من أى خطط إعلامية". مشيرًا إلى أن مصر توصلت لاتفاق وتفاهمات مع الصندوق عام 1987 ومنحنا الصندوق مهلة لاتخاذ الإجراءات الأولية، ولم يتخذ الرئيس حسنى مبارك حينئذٍ أى خطوات تنفيذية بهذا الشأن فأعلن الصندوق أن البرنامج غير قابل للتنفيذ.

من جانبها اعتبرت د. سلوى حُزين- مدير مركز واشنطن للدراسات الاقتصادية- أن مصر كانت ستصبح دولة عظمى الآن فى حالة استمرار السادات فى سياسته الاقتصادية بمساعدة الظروف المحيطة. موضحة أن هدف السادات من قرارات تخفيض الدعم كان أكبر كثيرًا مما تم تداوله حينئذٍ؛ حيث كان يهدف إلى تحويل مصر بالكامل إلى منطقة حُرة وكانت بورسعيد نموذجًا مبدئيّأ. وأضافت إن الظروف لم تسمح للسادات بجذب المستثمرين الأجانب وتشجيعهم على إقامة مصانع فى مصر لإعادة تصدير منتجاتهم للخارج، وبالتالى إيجاد فرص عمل ضخمة للمصريين، ولكن ما تم هو الإعلان عن تخفيض الدعم عن السلع الحيوية، وبالتالى ارتفاع أسعارها دون مقابل لها يتمثل فى زيادة الأجور.

وتابعت إن تخفيض الدعم له منظومة لا بُدّ من اتباعها عند التنفيذ وليس قرارًا يتم اتخاذه دون الوضع فى الاعتبار أى جوانب أخرى للمشكلة، وللأسف لم تجد مصر من يساندها إقليميّا بعد حرب 1973 سوى السعودية، أمّا على المستوى الدولى فلم نجد أى مساندة لإعادة بناء الدولة مرّة أخرى، وهو ما يمثل نقطة تأثير كبيرة فى التاريخ الاقتصادى الدولى إذا ما تمت مقارنته بما فعله البنك الدولى تجاه ألمانيا وشطبه لكل ديونها الدولية لمنعها الامتداد الشيوعى عن أوروبا، ولذلك لم تكن الظروف فى صالح الرئيس السادات.  

لا يوجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق