الثلاثاء 4 أغسطس 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
وليد طوغان

تجربة عالمية.. لم تنجح فى مصر

محاكمة خصخصة «عاطف عبيد»!

 

 



لم تكن موجة الخصخصة بدعة مصرية عندما حاولت حكومة عاطف عبيد تطبيقها فى بدايات الألفية الجديدة، كانت الخصخصة جزءًا من موجة عالمية اجتاحت دول العالم خلال النصف الثاني من العقد التاسع من القرن العشرين. 

وكانت إنجلترا من أوائل الدول التى سبقت إلى ذلك، ثم تبعتها دول متقدمة أخرى مثل فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وكندا وغيرها.

 

انتقلت موجة الخصخصة إلى العديد من الدول النامية مثل الأرجنتين والبرازيل وشيلي وبنجلادش، وباكستان وتركيا ونيجيريا وغيرها. لكن التجربة المصرية على يد عاطف عبيد ظلت مصحوبة بسمعة سيئة لأسباب مختلفة.. منها سوء التطبيق.. والتجاوزات. 

قبل التجربة المصرية بدايات الألفية الجديدة، كان هناك أكثر من سوابق خصخصة حول العالم، حتى فى الدول الاشتراكية ذاتها التى بدأ بعضها فى تبني برامج الخصخصة مثل دول الاتحاد السوفيتي وجمهوريتي التشيك والسلوفاك وبولندا والمجر وغيرها.

ورغم وجود هذا الاتجاه العالمى، فلم يكن هناك أسلوب واحد يتم تعميمه فى خصخصة القطاع العام فى كل الدول، فهناك العديد من الأساليب التى تم اتباعها فى العديد من الدول. 

وكان على كل دولة أن تأخذ ما يتناسب وظروفها وأهدافها، وأحيانا يتم الأخذ بأكثر من أسلوب فى نفس الوقت، وبصورة متدرجة، بحيث لا تكون هناك تداعيات سلبية على الاقتصاد، وبصورة تحقق الأهداف المرجوة من وراء تلك الخصخصة.

أما الهدف فكان رفع كفاءة الإدارة وتعظيم أصول تلك الشركات بصورة تدعم الاقتصاد الوطني، كان أهم عنصر فى المطلوب من الخصخصة، هو تغير أسلوب تشغيل وإدارة المشروعات العامة، لتتفق مع مبادئ القطاع الخاص، التى تتمثل فى اتخاذ الربح أو الإنتاجية كأساس لتقييم الأداء، والاعتماد على الأسعار الاقتصادية فى حساب المنافع والتكاليف، وتبنى نظام الحوافز فى تشغيل وإدارة الموارد.

تطبيق فعلى

رغم أن الخصخصة كفكرة كانت بداية طرحها فى السبعينات، فإنها ظلت شعارًا خجولًا، خاصة إذا ما تعلق الأمر بالبيع للأجانب، لذلك، وفى مصر، استغرق الأمر نحو عقدين من الزمن لتدخل مرحلة التطبيق الفعلى عام 1991، مع صدور القانون رقم 203 الذي حدد قائمة تضم 314 شركة تعمل بالقطاع العام لخصخصتها. 

السنوات الخمس من مطلع الألفية الثالثة، كانت الأكثر جرأة فى بيع مشروعات قطاع الأعمال العام، حيث كانت آخر شركات حكومية أدرجت فى البورصة عام 2005، حين طُرحت أسهم شركات المصرية للاتصالات وسيدي كرير للبتروكيماويات والإسكندرية للزيوت المعدنية "أموك". 

وحتى نهاية التسعينيات، كانت الحكومة تعلن أن الخصخصة سوف تتوقف عند حدود المشروعات الاستراتيجية دون تحديد لمسميات أو قطاعات هذه المشروعات. 

ففى الفترة بين 1996و1998، تم إصدار مجموعة من التشريعات التى تنظم خصخصة مرافق عامة، لم يكن المصريون يتصورون خصخصتها، مثل الموانئ والمطارات والطرق، ولكن هذا ما حدث بالفعل.

ثم كان القانون الخاص بالبنوك العامة، الذي سمح للقطاع الخاص بالمساهمة فى رءوس أموال البنوك العامة، وكذلك القانون المنظم لخصخصة الهيئة العامة للاتصالات وتحويلها إلى شركة مساهمة، وتم بالفعل طرح نسبة 20% من رأس مالها للخصخصة، كما تم خصخصة شركة التليفون المحمول، ثم توالت عمليات الخصخصة لبنك الإسكندرية، ثم إعلان خصخصة بنك القاهرة، وهو ما لم يتم، كما تمت خصخصة بعض الخدمات فى قطاع المواصلات مثل التصريح بعمل شركات النقل الجماعى. 

ورغم وجود اتجاه لبيع العديد من شركات القطاع العام خلال حكومتى عاطف صدقى وكمال الجنزورى اللتين سبقتا حكومة عاطف عبيد، فإن الأخيرة كانت صاحبة الرصيد الأكبر، والخطى الأسرع فى هذا النهج، حيث باعت حكومة عبيد أو صفت عددًا كبيرًا من شركات قطاع الأعمال العام، فتم فى عهدها بيع 161 مصنعًا وشركة بمبلغ 23 مليارًا بدلا من 1300 مليار جنيه، وهى قيمة التقديرات الحكومية الرسمية وقتها أى بنحو 1.8 % من قيمتها الحقيقية! 

أساليب متعددة

اتبع العديد من الدول التى نجحت فى تجربة الخصخصة عدة أساليب لتطبيق التجربة، ومنها أسلوب طرح الأسهم فى اكتتاب عام، ويقصد به قيام الحكومة بطرح كل أو جزء من أسهم رأسمال المنشأة للبيع للجمهور، من خلال سوق الأوراق المالية، ويعتبر هذا الأسلوب أفضل الأساليب من وجهة النظر الاقتصادية، لما يؤدى إليه من توسيع نطاق الملكية وقاعدة المنافسة. 

كما أمكن طرح الأسهم فى اكتتاب خاص، ويقصد بالطرح الخاص بيع أسهم المنشأة أو جزء منها لمستثمر واحد أو مجموعة مختارة مـن المستثمرين، ويمكـن التمييز بين أسلوبين شائعين للطـرح الخاص، هما العطاءات، والتفاوض المباشر، ويفضل أسلوب الطرح الخاص فى حالة الشركات ذات الأداء الضعيف، أو الشركات التى تحتاج إلى مالكين أقوياء تتوافر لديهم الخبرات الصناعية والمالية والتجارية اللازمة لنجاح الشركات، وكذلك الدعم المالى القوى. 

فى المقابل لجأ بعض الدول إلى بيع أصول الشركات المراد خصخصتها بالمزاد العلنى، وتتيح تلك الطريقة ضمان الحصول على أعلى عائد ممكن للشركة، وبصورة شفافة، وتتيح للعديد من الأطراف الدخول فى المنافسة، وإبعاد شبهة التربح. 

ولجأت دول أخرى إلى أسلوب أكثر تحفظًا من البيع الكامل للشركات والأصول، وذلك من خلال ضخ استثمارات خاصة جديدة فى الشركة، حيث يتم الاعتماد على إتاحة الفرصة للقطاع الخاص الدخول كشريك مباشر من خلال ضخ استثمارات إضافية تنعش اقتصاديات الشركات العامة، وتطور من أسلوب إدارتها من خلال فتح باب المساهمة فى رأس المال الشركة للقطاع الخاص.

وإذا كان الهدف الأهم للخصخصة هو رفع كفاءة الإدارة، فإن هناك نمطًا استخدم على نطاق واسع فى بعض الدول التى حاولت الحفاظ على مكتسبات القطاع العام، وإدخال تعديلات جذرية على أنماط الإدارة من خلال نمط عقود التأجير والإدارة، وتتضمن هذه الطريقة التعاقد مع خبراء من القطاع الخاص، لتسيير وإدارة الوحدات الاقتصادية المملوكة للدولة، فى مقابل أتعاب معينة، أو مقاسمة الربح الصافى مع الدولة.

 انتقادات لاذعة

رغم تعدد أشكال وأنماط الخصخصة، فإن حكومة عاطف عبيد اختارت نمطًا وحيدًا وهو نمط البيع الكامل للعديد من الشركات، وتم البيع بالأمر المباشر وبدون مراعاة السعر السوقى لتلك الشركات والمصانع، وهو ما تسبب فى وصم بعض قرارات الخصخصة بالفساد. 

ورغم أن الدكتور عاطف عبيد نفسه وفى حوار منشور بجريدة الأهرام بتاريخ 5 أكتوبر 1984، قال نصا "إن هوايته الأساسية هى إدارة الشركات الخاسرة، وتحويلها إلى رابحة خلال عام بالكثير"، فإنه عندما تولى رئاسة الحكومة اعتمد أسلوب البيع كنمط وحيد لإنقاذ شركات القطاع العام، وهو ما أدى إلى الكثير من التداعيات التى لم تكن دائمًا فى صالح منهج الخصخصة، رغم نجاحه فى العديد من بلدان العالم.

النتيجة أن خصخصة حكومة عبيد أحدثت هزات اجتماعية واقتصادية على حد سواء، كما ظهر على الأخص فى قطاع الغزل والنسيج، حيث فقدت الدولة العديد من الشركات التى كانت توصف بأنها قلاع صناعية، وسلّمت قطاعات بأكملها إلى شركات أجنبية مارست الاحتكار فى السوق، كما حدث فى قطاع الإسمنت، وفرض عليهم جهاز تنظيم المنافسة ومنع الاحتكار غرامة قدرها 200 مليون جنيه، وذلك فى أغسطس 2008، وهو مبلغ زهيد بحق شركات تحقق أرباحا طائلة تصل إلى نحو ثلاثة أضعاف تكلفة الإنتاج، فعندما كان طن الإسمنت يكلف نحو 200 جنيه، كان يباع فى مصر بنحو 600 جنيه. 

وكانت أكبر مساوئ خصخصة حكومة عاطف عبيد الآثار الاجتماعية التى ترتبت عليها، مثل تسريح العمالة، وعدم توفير فرص عمل بديلة وعدم التفكير فى استخدام حصيلة الخصخصة فى مشاريع إنتاجية تفتح مجالا لفرص عمل جديدة، وعدم استخدام حصيلة الخصخصة فى أعمال بنية أساسية تفتح المجال لإقامة مشروعات جديدة. 

بل إن أغلب حصيلة الخصخصة تم استخدامه فى ثلاثة مجالات، الأول برنامج المعاش المبكر للتخلص من العمالة الزائدة فى شركات القطاع العام، والجزء الثانى للتخلص من بعض مديونيات شركات القطاع العام، أما الجزء الثالث فكان يضخ فى الموازنة العامة للدولة التى أصبحت منذ بداية تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادى استهلاكية، ولا تحظى فيها الاستثمارات سوى بنحو 9.5% من حجم الإنفاق العام.

كان أن غابت عن سياسة الخصخصة فى مصر وقتها شرطان أساسيان: الأول أن تتم بموافقة صاحب هذه الأصول، وهو الشعب، أما الثانى، فهو أن تتم الخصخصة فى مناخ كامل من الشفافية، يضمن ألا يتسلل لها فساد، وهو ما لم يحدث فى تلك الفترة.

ما جعل الكثير من الاقتصاديين يعتبر تجربة الخصخصة فى ظل حكومة الدكتور عاطف عبيد ثانى أسوأ برنامج خصخصة على مستوى العالم، بعد تجربة الخصخصة التى شهدتها روسيا فى عهد الرئيس الأسبق بوريس يلتسين.

تعثر البنوك

لم تكن الخصخصة وحدها هى الثغرة الوحيدة فى ملف حكومة عاطف عبيد، التى نالت من شعبيتها، وإن بدت هى الأكثر شهرة، فهناك ملف التعثر فى البنوك ومشاكل بعض رجال الأعمال الذين حصلوا على قروض ولم يتمكنوا من السداد، حيث بلغ حجم الديون المتعثرة بالبنوك فى عهد حكومة عاطف عبيد نحو 280 مليار جنيه حسب تقرير البنك المركزى وقتها، منها: 25 مليار جنيه تخص 38 مدينًا من رجال الأعمال بينها 11 مليارًا لبنك القاهرة وحده، ولم تستطع حكومة عبيد حل أزمة رجال الأعمال الهاربين بسبب تعثرهم فى السداد، مما جعل البنوك المصرية تأتى فى ذيل قائمة البنوك الدولية نتيجة لتدخل الحكومة فى شئون البنوك وتركيزها على تمويل قطاعات معينة أو أشخاص محددين.

وهو الأمر الذى أفقد البنوك أكثر من 20 مليار جنيه نتيجة لتلك القرارات الخاطئة ونتيجة لتخليها عن الفائدة الخاصة بالقروض على رجال الأعمال المتعثرين، وكذلك توقف استثمارها لأكثر من 10 سنوات. 

كل ذلك أدى إلى انهيار العديد من البنوك، وظهور عملية الاندماجات بين بعضها مثلما حدث فى بنك النيل والمصرف المتحد، وبنك المهندس والعقارى المصرى.

رغم ما كان لعاطف عبيد من خلفية بيروقراطية، فإن هذا لم يمنح أى بوادر نجاح على تجربته فى الخصخصة.

 خلفية بيروقراطية

جاء الدكتور عاطف عبيد إلى أعلى قمة العمل التنفيذى فى الحكومة بعد رحلة كفاح متكررة لجيل كان شاهدا على العديد من التحولات الكبرى فى تاريخ مصر الحديث.

فهو من مواليد 14 إبريل 1932 بطنطا محافظة الغربية، وحصل على بكالوريوس تجارة من جامعة القاهرة عام 1952، ثم حصل على الماجستير 1956، والدكتوراه فى إدارة الأعمال بجامعة إلينوى الأمريكية عام 1962، وعمل أستاذا لإدارة الأعمال بجامعة القاهرة 1962 ـ 1984، ثم عمل مستشارًا لوزارات الكهرباء والصناعة والتعليم والإسكان، ورئيس مجلس إدارة المركز الدولى لإدارة الأعمال 1973-1984.

مفترض أن كانت تكسبه تلك الرحلة ما بين قاعات المحاضرات بالجامعة، ودهاليز العمل بالوزارات المختلفة خبرة بيروقراطية مهمة، تمكنه من تفهم حدود العمل الحكومى، والسمات المطلوبة للبقاء لأطول مدة ممكنة. 

لكن حتى بعد خروجه من الحكومة، لم تنته حالة الجدل التى لاحقت عبيد، ولم تهدأ الاتهامات حتى بعد رحيل الرجل فى 12 سبتمبر 2004، ليبقى الدكتور عاطف عبيد واحدًا من أكثر رؤساء الحكومة فى تاريخ مصر إثارة للجدل، حيًا وميتًا.

كان د. عاطف عبيد ـ الذي جاء من العمل الأكاديمى بالجامعة، واكتسب خبرات بيروقراطية واسعة فى دهاليز الحكومة، دون أن يكون لديه أى رصيد سياسى ـ مشغولا باتخاذ خطوات غير مسبوقة فى تطبيق سياسة الخصخصة. 

ورغم وجود العديد من القضايا والشواغل التى احتلت أولويات حكومة عبيد خلال السنوات الخمس التى قضتها فى سدة العمل التنفيذي (1999 ـ 2004)، فإن وصف "حكومة الخصخصة" يبقى هو السمة الرئيسية التى لا تزال باقية إلى اليوم فى أذهان المصريين. 

كانت وزارة عاطف عبيد هى الوزارة الثالثة عشرة بعد المائة فى تاريخ مصر، وتشكلت برئاسته عام 1999، واستمرت حتى قدمت استقالتها فى 2004. 

جاء الظهور الأول للدكتور عاطف عبيد فى عالم الحقائب الوزارية عام 1984، من باب توليه 3 مناصب هى وزير شئون مجلس الوزراء، وزير الدولة للتنمية الإدارية، والدولة للبيئة، ولم يغادر الحكومة إلا فى 14 يوليو 2004، بعدما وصل إلى قمة العمل الوظيفي كرئيس للوزراء، وطوال فترة توزيره ورئاسته للحكومة، تولى عبيد العديد من المناصب.

شارك من خلالها فى إعداد برنامج الإصلاح الاقتصادى المصرى وإعداد البرنامج القومى لتطوير الإدارة المصرية، وإعداد أول خطة قومية لحماية البيئة، وشغل عقب خروجه من الحكومة منصب رئيس المصرف العربى الدولي. 

لا يوجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق