الأربعاء 1 أبريل 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
وليد طوغان
سقوط مروّع لمقاول هارب!

سقوط مروّع لمقاول هارب!

ليس هو الذى فشل.. إنما كان كمن ضرب رأسه فى الحيط.. لا الحيط ممكن أن يقع.. ولا كان يمكن لرأسه أن يحتمل.



ممثل هارب.. أم مقاول فاشل.. لا أحد يعرف.. ولا يختلف الوضع إن عرف. لكن المؤكد أن وهم إسقاط الدولة المصرية لم يعد سهلًا.. ولا متصورًا، مهما دفع الإخوان، ومهما دعمت تركيا وساعدت.. وأنفقت وصرفت.

 

مهما كلفوا.. يا خسارة المليارات الضائعة على محمد على ومحمد ناصر.. و"محمدون" آخرون. هل اكتفوا بمحمد على؟

الإجابة: طبعا لأ.. فى الطريق كثيرون، وياما فى جراب المؤامرات يا حاوى.. لكن الدولة المصرية كيان مصفح.. لم يعد دمها مستباحًا كما قبل 2011.. أو ما بعد 2011 حتى حين.  

( 1 )

لم تعد سيرة الدولة "لبانة" سهلة المضغ لكل من هب ودب، وعلى كل ضامر يأتين من فج عميق فى تركيا، أو فندق فاخر مدهب الأسرة والعواميد فى إسبانيا.. فات وقت الفيديو اللى يوجع على مواقع التواصل، والبوست اللى يصنع القلق على مواقع التواصل.

على حسابه قال المقاول الهارب إنه أقلع عن السياسة! طبعا نكتة.. فكما لا أحد عرفه ممثلا.. لم يعرفه أحد سياسيًا.

حتى دوره الذى "قمصوه له" فشل فيه.. سقط سقوطًا ذريعًا كأفلام مقاولات السبعينيات.. أو بلغة السينما انهدم البلاتوه فوق رأسه وفوق رءوس الذين طلعوه.. ولمعوه.. ولبسوه.. ونظفوه.. ثم وضعوا على رأسه عدة خيال المآتة قبل أن يصدروه عبر الأثير الإليكترونى.. أراجوز كلام.

وصف اعتزاله السياسة ليس منصفًا ولا عادلًا.. ولا حقيقيًا.. فالذى حدث أن عزلته الدولة المصرية، وقطعت شرايينه كما قطعت شرايين أراجوزات من قبله.

عزل الشارع المصرى محمد على.. عزله مجتمع فهم ووعى وذاق الأمرين على يد أراجوزات قلبه.. وخيالات مآتة شبهه.

حصن الشارع المصرى نفسه ـ إلا قليلا ـ من محمد على مثلما حصّن نفسه من أتخن من محمد على.

كان البرادعى "أتخن" من محمد على.. لكنه انكشف ووقع على "بوز السلمة المكسورة".. كان صباحى واحدًا من السمان الذين كشفتهم يناير، فانكشف ووقعت قسمات وجهه أمام الشارع المصرى أيضًا.

سبق وسقط حمزاوى ودومة.. وأبو دومة وأبو رجل مسلوخة.. وإسراء وأسماء وسوكة سارق ملفات أمن الدولة.

ربما كان بعضهم ألحن من محمد على. وائل غنيم كان أكثر "قطقطة" "وسهوكة".. لكن لا صمدت قطقطة غنيم، ولا فلحت سفالة محمد على.

لا صمد هو ولا صمد قبله الأكثر لعبًا بالشعارات عن الحريات والأمنيات والحاجات والمحتاجات.

كلهم كشفتهم يناير.. التى حصنت الشارع.. ضد محمد على.. وائل غنيم وحيوانات أخرى.

( 2 )

بعد 9 سنوات لنا فى يناير عبرة ودروس. إن جيت للحق.. فكما هدمت يناير.. وكما أحرقت.. وكما قلبت الموازين، ورفعت التحتانى فوقانى.. من القمة للقاع استرزاقًا كما ألعاب ضرب الودع.. فإن يناير كانت سببًا فى أنها كشفت، ورفعت الحجب، وخلعت الأستار عن وجوه هى النهارده بائسة.

كشفت لنا يناير عن زبانية، وأشباح.. وانخفضت بأساطير وأساطين متوهمة إلى الدرك الأسفل.. رمت بهم على الأسفلت.. فلا عاد ينفع محمد على.. ولا مليون محمد على.

ورغم ما فى يناير من "مآسى"، فإن فضلها فى كشف ما لم يكن سهلا كشفه إلا بها . كشفت يناير وجوهًا.. وطرقًا وألاعيب .. ومؤامرات لم يكن سهلا أن ترتفع عنها الحجب.. ولا أن تنخلع عنها الأستار بسهولة.. مهما قلنا.. ومهما قال آخرون!

فكما أسقطت يناير جماعة الإرهاب.. والمتأسلمون.. وكما رمت لابسى الجلاليب البيضاء.. وأصحاب الذقون.. ومقصرى السراويل.. وحاففى الذقون.. فإنها أسقطت أيضًا المتربحين من تراب الوطن.. والصائدين فى المياه العكرة.. وصناع السياسة على المقاس.. ومحترفى الغواية والاحتيال.. من ثدييات النضال.. أو من واضعى بيض الخيانة من على مقاهى وسط البلد.

فى ما مضى سماهم بعضنا ثوارًا.. قبل أن يتبينوا أنها إذ لم تكن ذقونًا مزيفة.. فهو ضحك على الذقون.

أسقطت يناير ـ غير الإخوان ـ أرزقية الثورات والأوطان.. ومدمنى حقوق الإنسان تحت اللسان كالأفيون.. فالمخدرات تسطل وتدوخ وتضرب دماغ الغافلين بالسكتات القلبية والعقلية.

تعرف لماذا سقط المقاول الهارب؟ تعرف لماذا كان سقوطه مدويا من حالق.. ومن عالى.. من فوق؟

تعرف لماذا لم تؤثر محاولات إنعاشه بصدمات الكهرباء.. ولا أثّر كتر الإنفاقات.. وحجم المليارات.. وعدد المداولات.. وكم المشهلات.. والمسهلات؟

الإجابة ببساطة: لأن حجج الثورة.. والتغيير.. وحقوق الشعب وكلامًا فارغًا آخر لم يعد ينطلى على أحد.

دواؤنا فى الاستقرار والبناء.. وفى هيبة الدولة.. لا الهدم، وتثوير الشارع وتهديد المؤسسات.

سقط محمد على لأنه ـ وببساطة ـ مرة أخرى لم يعد فى الشارع إلا قليلون لم يعرفوا أن السم فى العسل وأن مؤامرات الهدم مستمرة.. وأن على أبوابنا ما زالت طائفة تنتظر من الألعوبانات والحواة وجزارين الشعوب باسم الحريات.. وددبانات المؤامرات باسم حقوق الجماهير.

ما زال هؤلاء وراء الأبواب.. وعلى الفضائيات الممولة، وفى البيوت المؤجرة يسنون سكاكينهم.. ويحضرون سواطيرهم.. وينفثون نارًا كالتنانين تحينا لفرصة.. أو استغلالا لظرف. بات الشارع أكثر وعيًا.. رغم أنه للإنصاف.. لا يمكن أن نخلى بعض الشارع من مسئولية ما حدث فى يناير.

سقط البهلوان المقاول، بعدما بعثت هوجة يناير بتداعياتها وآثارها وملابساتها، بعثت بيقين أن الدولة هى أعز ما يملك المواطن. وأن أفكار "العيال" لا تقيم أنظمة.. وأن شعارات "المورفين" المسكنة فى الميادين لا عمرها تحمى وطنًا.. ولا عمرها تؤدى إلى حريات وديمقراطيات.. والذى منه.

( 3 )

رب ضارة يناير نافعة.. فقد رسخت تجاربها وبلاويها فى ذهنية الشارع المصرى أن الشعوب فى العصر الحديث لا تنهض إلا بدولة.. وأن الشعارات التى انخدع بها بعضنا.. كانت هى التى أسقطت حولنا دولا.. وحرقت مدنًا. وساوت شعوبًا بالأرض.. بعد أن سقطت تلك الجماهير صريعة كلام "ثوار" مرشوش بالبرفان.. والورق السوليفان المفضض المخصص للهدايا!

رغم منافعها فى كشف المستور عن تجار الدين.. ومرتزقة شعارات الحريات.. فإن وجه الخطورة فى يناير أنها أيضًا أسقطت قيما ومبادئ ومفاهيم.. أضرت بسقوطها.. وتكاد أن تضربنا اجتماعيا فى مقتل.

صحيح أن يناير أسقطت الزجاج الفيميه عن البهلوانات والمرتزقة.. وحصنت الشارع من فيروسات النضال والذقون والضحك على الذقون.. ومنحت المصريين أمصالا ضد أفخاخ الأراجوزات.. محمد على أو محمد البرادعى.. إلا أنها فى الوقت نفسه هى التى أدخلت المجتمع المصرى دوامة لخبطة المعايير عند البعض.. واضطراب مفهوم القيمة عند آخرين. ما زلنا نعانى بعد يناير من اضطراب هوية اجتماعية.. اضطراب هوية ضرب مفهوم الانتماء عند البعض.. وضرب سمات خلقية كانت فى وقت ما هى المميز الأساسى للشارع المصرى. كما لو دشنت يناير مفهوم "اخطف واجرى" فى الشارع.. ورسخت من "انا ومن بعدى الطوفان" لدى آخرين.. فارتفعت الأيدى فى الشارع بعضها على بعض.. وتعالت أصوات مراهقين فى المترو.. رفضا لاحترام كبير.. طلع التوك توك للشوارع الرئيسية.. وانقلب الرأى على مواقع التواصل إلى "قلة أدب".. كله باسم حرية الرأى.. والمساحات الشخصية المفروضة.

لا أحد يعرف ما الذى أدى بمفهوم "المساحة الشخصية" أن يتحول لدى كثيرين مرادفا للتضاد مع القوانين.. وضد المصالح العامة.. وضد اللياقة والأدب.. وضد أحيانًا كثيرة مصالح المجتمع.. ومصالح الآخر.

كما لو رسخت يناير لدى بعضنا أنه "لا آخر.. ولا يجب أن يكون".. أو أن الآخرين كلهم ومهما كانوا ثوابت.. وأنا المتحرك الوحيد.. والذى له حقوق.. والذى له مطالب.. ومن حقه امتيازات.. ومطالبات.. وحوارات!

غريبة.. كما لو أن بعضًا منا قد أدمن ذبح نفسه من الوريد للوريد.. بيده.. وعمدًا إما على مذابح "شعارات الثورة المزيفة".. "وشعارات الهدم مع سبق الإصرار".. فإن لم يكن فإنه يعيد محاولات ذبح نفسه على محراب "الأنامالية الاجتماعية".. والأنانية الجمعية.

فكرة اخطف واجرى.. هى نفسها فكرة "انا ومن بعدى الطوفان".

ضمن ما أسقطت يناير "مفهوم الكبير". اهتزاز "فكرة الكبير" ربما هى أخطر تداعيات مرحلة يناير وبلاويها. للآن مهتز مفهوم الكبير فى فئات مختلفة.. وفى أجيال بلغت من العمر الآن تسع سنوات بعد الهوجة.

لم يفقد بعضنا المفهوم وحده.. إنما سقط اللفظ فى الأذهان.. معنى ومكانة.. وهو ما يعتبره اجتماعيون سببا فى قلة الانتماء لدى بعضهم (خصوصا شباب) بالوطن.. ومفهوم الوطن.. ومعناه المجرد.

الوطن هو الكبير.. كما الأب.. وكما رئيس الدولة.. ورب الأسرة.. وكما عمدة القرية.. وكما كبير العائلة.. وهكذا.

( 4 )

نحن فى الأساس مجتمعات نمت وارتقت وتقدمت وارتفعت بقداسة مفهوم "الكبير".. كبير الأسرة.. وكبير الحتة.. وكبير البيت. وفى الأمثال: (اللى مالوش كبير..). فى مجتمعاتنا الكبير رافد من روافد فكرة "المقدس الاجتماعى".. وصيانة فكرة الكبير هى أهم مصادر تخليق معايير القيمة والأخلاق لدى المصريين. قداسة الكبير فى مجتمعات الحضارات الشرقية على العموم هى أهم ضابط اجتماعى وقيمى.. أو هى الأهم على الإطلاق.

من مفهوم قداسة الكبير.. تتفرع مشاعر الانتماء للوطن.. وللأرض. تتفرع مشاعر الاحترام للعام.. وللمصلحة الجمعية.. وتنتج مشاعر الاستقتال على الحفاظ على العرض.. وعلى الجار.. وعلى الحى.. وعلى الحتة.. وعلى أبناء الحتة.. يعنى على الآخر على وجه العموم. تهاوت "مفاهيم الكبير" فى يناير.. وبها.. وبعدها.. ونتيجتها.

اهتزت فكرة "الكبير" لدى كثيرين باسم الثورة والحريات.. وحرية الرأى.. وحرية التعبير.. ومساحات التعبير عن الهوية الشخصية.. والنتيجة أن اهتزت وكادت أن تسقط كثيرًا من القيم.

ليس هذا الكلام فلسفة فارغة أو محاولة استعراض فى غير محلها. فالذى حدث فى يناير وما بعدها.. أنه كما لو كان مجتمعا شديد الإيمان.. فجأة سقطت من شرفاته مفاهيم المقدس.. فخرج فى الشوارع يكسر.. ويسرق.. ويشتم ويسب الدين ويحرق فى ملابس الرهبان!

مؤكد تداعيات سقوط "الكبير" بدأت تمهيدًا فى سنوات ما قبل يناير.. صحيح المجتمع كان مؤهلًا.. وصحيح أن عوامل أخرى ساعدت وساهمت.. لكن لا ينكر أحدًا أنه بعد يناير كان الانفجار.. وأن هوجة يناير هى التى أدت بكل ما فيها من "لخبطة" إلى اتساع الانفجار.

من طرائف اللخبطة.. أن ما سمى وقتها بشباب الثورة الطاهر.. الذين خرجوا للميادين طلبا للديمقراطية مطالبين بدولة جديدة.. وبالعدل والبناء والتنمية.. كانوا هم الذين حرقوا.. وهم الذين أتلفوا.. وهم الذين هددوا مؤسسات الدولة.. وعادوها.. وهم الذين هددوا الدولة.. قبل أن تكفهم يد الدولة عن الهدم.

كان الشباب الطاهر الذين طالبوا بحرية الرأى.. ورفضوا المحسوبية.. هم الذين مارسوا على الشارع "ديكتاتورية الأقلية".. ومارسوا المحسوبية.. وفرضوا الرأى.. وزرعوا ـ ومازالوا على مواقع التواصل ـ يزرعون فى وجه أى وجهات نظر أخرى سياجًا مكهربة.. فلا قبلوا بالاختلاف فى الرأى.. ولا سمحوا بالحريات.. ولا حتى اعتبروا آراء الشارع.. ولا آراء الآخرين.

أسقطت "يناير" مفهوم الكبير.. فسقط كثير من القيم، بينما صنعت آراء الثورة.. وأصحابها لأنفسهم قيمًا محسوبة.. ومعايير خاصة.. ومصالح خاصة.. وأتاحوا لأنفسهم ميزات مدفوعة.. وخلقوا طبقة نفوذ جديد.. ورسموا فوق رءوسهم هالة كهالات القديسين فى أفلام تصوير الأنبياء صناعة الشركات الأمريكية.

كله انكشف وبان.. واختار الشارع المصرى الدولة. لذلك لفظ الذين رفعوا فوق رءوسهم هالات مزيفة.. ومزورة.. وكشف الشارع الذين تاجروا به، وأرادوا طبع كتب مقدسة فى أوراق فاضية.. وفطن الشارع إلى من أرادوا دخول محاريب المصلين على نجاسة.. وبلا غسل. كلهم سقطوا.. كما سقط المقاول الهارب.

فقد اختار المصريون الدولة.. وآمنوا أنه لا حل للبناء والتنمية إلا الدولة.. سقط محمد على.. كما سقط آخرون لأن فى الشارع المصرى يقينًا بأنه لا بديل.. للتنمية والبناء الحقيقى.. إلا بالدولة.

من قال إنه ممكن المفاضلة بين مفهوم دولة تبنى.. وتستعيد للشعب هيبته.. وبين بذاءات وشعارات وقلة أدب.. وأراجوزات؟!

 

 

لا يوجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق