الأربعاء 1 أبريل 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
وليد طوغان

مصر خالية من فيروس الكبد

مبادرة حققت المستحيل

قبل الفجر بساعة صَحى "حسين"  اتوضى وصلى، وركب عربية من بلدهم اللى بتبعد عن طنطا بعشرة كيلو.. فى طنطا صلى الفجر.. وركب  القطار المتوجه للقاهرة. قبل الساعة 8 كان واقف فى طابور طويل أمام وزارة الصحة علشان يستلم نتيجة  الكشف الأخير وياخد شهادة بأنه سليم يقدر بعدها يسافر الكويت. "حسين- 36 سنة" طول ماهو واقف فى الطابور بيحلم بالشغلانة اللى ربنا رزقه بيها فى الكويت، شايف نفسه راكب طيارة لأول مرَّة.. وهو راجع مع شُنط كتير وهدايا للولاد والبنات.



"حسين" بيصحى من الحلم على صوت بينادى اسمه وبيقوله فى حزن، "عندك فيروس سى يا حسين.. كبدك تعبان لازم تتعالج".. الدنيا كلها بتدور بحسين، حلمه كله بيطير فى لحظة، دمعة بتنزل من عينيه بيحاول يداريها وبيمشى تايه فى الشوارع. بيسأل على العلاج بيعرف أن حقنة "الإنترفيون" الواحدة سعرها بيعدى الـ 700 جنيه، وأنه محتاج كورس علاج يستمر 3 أشهُر. الحقيقة؛ "حسين" ليس حالة فردية، المصريين بيعانوا من مرض الكبد، وعندنا أعلى نسبة إصابة بفيروس سى. بدأ فيروس سى بالانتشار فى مصر قبل 50 عامًا بالريف والقرى، وبحلول عام 2008، كان واحد من بين كل 10 مصريين مصابًا بفيروس سى، وفى 2015، تسبب المرض فى وفاة 40 ألف مصرى، أى نحو 7.6 بالمئة من إجمالى الوفيات. "حسين" بالتأكيد كان حظه أفضل من مصريين كتير ماتوا بالفيروس أو عاشوا بوجع الكبد واتعذبوا سنين طويلة. "حسين" عرف أن فيه علاج جديد أمريكى اسمه "سوفالدى"، والحكومة حصلت عليه بكميات كبيرة، وسَهّلت عملية الحصول عليه للمواطنين. بداية الأمل قبل ما يبدأ "حسين" العلاج، كانت قد بدأت مبادرة الرئيس عبدالفتاح السيسى  فى حملة هى أكبر مسح طبى شامل على مستوى العالم. الحملة انطلقت أول أكتوبر 2018، ضمن جهود بدأتها الدولة منذ عام 2014 لمكافحة انتشار مرض التهاب الكبد الوبائى «سى» والقضاء عليه.  الحملة فحصت 50 مليون مواطن منذ بدايتها حتى  إبريل الماضى، طبقًا لتقديرات وزارة الصحة، التى أعلنت عن استمرار العمل بالحملة حتى نهاية العام لمَن فاته الفحص خلال الشهور الماضية. نجحت  مصر فى محاربة المرض وأصبحت "نموذجًا لدول أخرى منخفضة ومتوسطة الدخل". استفادت الوصفة المصرية من التقدم العلمى الذى توصَّل إلى دواء فعّال للمرض، والجهود الدولية المختلفة للضغط على الشركات ﻹتاحة هذه اﻷدوية للدول اﻷفقر. وسمحت اﻹرادة السياسية باستغلال ما سبق، وأتاحت البنية التحتية للوزارات والجامعات لحصر المرضى وعلاجهم. تشير دراسات علمية مختلفة إلى أن انتشار اﻹصابة بفيروس سى فى مصر بدأت خلال الفترة بين ستينيات وثمانينيات القرن الماضى. خلال هذا الوقت، كان المصريون يعانون من وباء آخر هو مرض البلهارسيا، حين نظمت الدولة حملات قومية للتطعيم ضد أو علاج البلهارسيا اعتمدت على الحقن.. وتقدر الدراسات أن نحو 6 ملايين مواطن مصرى حُقنوا ضمن هذه الحملات، التى كان معظمها مصنوعًا من الزجاج يتم إعادة استخدامها بعد إعادة تعقيمها. يتضح هذا، بحسب ما يلاحظ تقرير أعده البنك الدولى فى 2017، عند النظر إلى نسبة اﻹصابة بفيروس سى بين الشرائح العُمرية المختلفة.  ووصلت نسبة اﻹصابة فى الشريحة العمرية 50-59 "التى تعرّضت للحقن خلال حملة البلهارسيا" إلى 20 % مقابل أقل من 1 % فقط بين اﻷطفال والمراهقين. تشير مدونة خُصصت للتوعية بالمرض وطرُق تجنبه وعلاجه إلى أن اﻹشارة اﻷولى لانتشار اﻹصابة بفيروس سى بشكل وبائى فى مصر جاءت عام 1992 بعدما أجرى فريق بحثى دراسة شملت 2000 متبرع بالدم أسفرت عن اكتشاف اﻹصابة بنسبة 10 % بينهم. هذا الرقم كان صادمًا، حيث إن التقارير اﻷولية القادمة من معظم دول العالم كانت تُشير إلى أن معدل اﻹصابة بتلك الدول يتراوح بين 2-3 %، ما يُشير إلى أننا كنا أمام تفشى وبائى لفيروس سى فى مصر. بعدها بعامين، أجرى الفريق البحثى دراسة أخرى فى إحدى قرى الدلتا واكتشف نسبة الإصابة تبلغ 18 %. وفى عام 1996 قدرت وزارة الصحة أن نسبة اﻹصابة بالعدوى تتراوح بين 15-20 % من المصريين. وتشير إحصاءات حكومية نقلها البنك الدولى فى تقرير له إلى أنه فى عام 2016 بلغ عدد المصابين بالعدوى 4.5-5 ملايين مواطن، من بينهم 150 ألف إصابة جديدة خلال العام نفسه  فقط. درس للأمريكان فى عام 2013، حصلت شركة جلياد اﻷمريكية على ترخيص بتداول عقار جديد لمعالجة الفيروس اسمه «سوفالدي» محققًا نسب شفاء تصل إلى 97 %. اﻷزمة اﻷساسية كانت سعر الدواء الجديد، حيث وصل إلى 84 ألف دولار أمريكى لفترة علاج تستغرق 12 أسبوعًا. "وهو سعر باهظ بدرجة تفوق الخيال". محاولات توفير الدواء بأسعار منخفضة للدول اﻷفقر، التى لا تستطيع تحمُّل تكلفة مماثلة، اعتمدت بشكل أساسى على المفاوضات مع الشركات الدولية المنتجة للأدوية. لكن هذه المقاربة لم تحقق نجاحًا يُذكر. كانت الشركة اﻷمريكية المُصنعة لدواء فيروس سى الجديد قد مرّت بتجربة سابقة فى الهند مع علاج فيروس اﻹيدز غيّرت من سياستها... استغلت الهند اتفاقية التجارة العالمية، وأصدرت تشريعًا فى 2005 يعيد تعريف «الابتكار» المستحق لبراءة اختراع وحماية لحقوق المِلكية الفكرية... وسمح التشريع الهندى للشركات المحلية بإنتاج دواء اﻹيدز بسعر منخفض بنحو 80 % عن السعر العالمى. تعلمت الشركات الدرس من تجربة أدوية اﻹيدز.. وفى فبراير 2014، وافقت ثلاث من كبرى الشركات المنتجة لأدوية فيروس سى من بينها شركة جلياد على سياسة جديدة سَمُّوها سياسة «إتاحة الدواء»، وتعتمد السياسة الجديدة للشركات على تقسيم دول العالم إلى ثلاث شرائح طبقًا لنصيب الفرد فيها من الدخل يعتمد على تقسيم يجريه البنك الدولى. وطبقًا للسياسة الجديدة، عرضت شركة جلياد دواء الـ«سوفالدى» للدول الفقيرة بخصم يصل إلى 99 % من سعره فى الولايات المتحدة. واستفادت مصر مبكرًا من هذا التوجه. وفى مارس 2014، أعلنت الشركة الأمريكية عن اتفاقها مع الحكومة المصرية على بيع «سوفالدى» لها بسعر 900 دولار أمريكى لكورس علاج كامل لمدة 12 أسبوعًا. وبدأت الدولة حملة طموحة جديدة للتخلص من المرض. الاتفاق مع الشركة اﻷمريكية يقضى بتوريد ما يكفى لعلاج 50 ألف مريض، لكن الكمية كانت ضئيلة للغاية بالمقارنة بعدد المرضى الذى تقدم للحصول على العلاج بعد بدء الحملة، والذى بلغ مليونًا و200 ألف مريض. خلال مفاوضات الاتفاق، طلبت شركة جلياد منحها حقوق الملكية الفكرية لحماية منتجها من قيام الشركات المحلية بإنتاج بدائله. لكن بحسب رئيس اللجنة القومية لمكافحة الفيروسات الكبدية الدكتور وحيد دوس، رفضت الحكومة المصرية هذا الطلب فى 2014. فتح هذا الرفض الباب أمام الخطوة الكبيرة فى هذه الحملة، بعدما تسابقت الشركات المحلية فى إنتاج نسخة محلية من الدواء، وهو ما بدأ منذ عام 2016. كانت هذه هى «الطفرة الكبرى»، وﻷن تقديرات الشركات لحجم السوق كانت أكثر من الواقع؛ ﻷنها اعتمدت على التقدير النظرى لعدد المرضى اﻹجمالى وليس العدد الحقيقى للمرضى الذى يعرفون بمرضهم، بدأت الشركات فى سباق لخفض الأسعار، وهو أمر «غير مسبوق فى تاريخ صناعة الدواء فى مصر». وانخفض سعر البديل المصرى للسوفالدى من 2670 جنيهًا فى بداية ظهوره إلى 500 جنيه مصرى، لتصل التكلفة اﻹجمالية لعلاج المريض الواحد 1500 جنيه. التحدى الأكبر وقتها كان حصر المرضى الذين لا يعرفون بمرضهم، ومعرفة توزيعهم، وتقليص معدلات انتشار العدوى إلى مرضى جُدُد.  لهذا بدأت الحكومة خطوة جديدة، وتهدف باﻷساس إلى حصر المرضى الذين لم يتمّ تشخيصهم. الخطوة الجديدة بدأت فى اﻷول من أكتوبر 2018، حيث أطلقت الحكومة حملة «100 مليون صحة»، التى امتدت عبر ثلاث مراحل حتى نهاية إبريل 2019، واستهدفت الوصول إلى نحو 50 مليون مواطن. مهمة الفحص والتحليل نفذتها الوحدات والمراكز الصحية ومكاتب الصحة المنتشرة فى أرجاء الجمهورية. وتُحوّل الحملة مَن يُكتشف مرضهم إلى المستشفى التخصصى التابع لها لإجراء تحليل إضافى، أو إلى طبيب ﻷمراض الكبد لمباشرة العلاج على الفور إذا استدعت الحالة ذلك. راعت الحملة كل التفاصيل، حيث تلقى اﻷطباء وأطقم التمريض تدريبًا مكثفًا على منع انتشار درجة العدوى أثناء الفحوصات والعلاج، كما تستخدم أدوات تتكسر ذاتيًا بعد الاستخدام. عبقرية مصرى اعتمد جزء أساسى من تخطيط الحملة على تجميع البيانات واﻹحصاءات وتحليلها. وهو ما وضعه مهندس مصرى عبقرى اسمه "أيسم صلاح".  الدكتور أيسم صلاح، مستشار وزيرة الصحة لشئون تكنولوجيا المعلومات، ومعه فريق مصرى خالص وضع نموذجًا أشادت به منظمة الصحة العالمية وطلبت تعميمه فى العالم.  الفريق المصرى العبقرى حدد اللوجستيات اللازمة لوضع النظام الإلكترونى للعلاج، ومن خلال هذا النظام استطاعت الوزارة متابعة المبادرة من الإسكندرية حتى أسوان فى نفس الوقت، وبالمناسبة الفريق نفسه هو الذى يضع الآن خطة علاج مليون إفريقى فى 14 دولة، تنفيذًا لتوجيهات الرئيس عبدالفتاح السيسى. المنظومة الإلكترونية كانت تحديًا حقيقيًا وبحسب "أيسم صلاح" نفسه كان التحدى الأول أنه لا يوجد أى نموذج سابق لمسح طبى لـ 50 مليون مواطن فى العالم، وبالتالى لم تكن هناك تجربة نتعلم منها أو نستفيد من نجاحاتها، وما قمنا به كان مبادرة؛ لأنه لم يكن لها أى مثيل. وكان الهدف أن تكون أسهل ما يمكن، وهذا ما تحقق؛ لأن أغلب العاملين كمُدخلى بيانات لا يعملون على أجهزة كمبيوتر قبل ذلك، وبالتالى الوعى التكنولوجى عندهم ضعيف، وهذا كان تحديًا آخر. كانت الإرادة أن أنفذ منظومة يستطيع أى شخص استخدامها، حتى لو لم يستخدم الكمبيوتر قبل ذلك، ويكفى أن يكون تعامَل مع جهاز موبايل حديث للعمل على المنظومة بسهولة. وفى الوقت نفسه، حسب ايسم صلاح: نعظم البيانات المجمعة من هذه المنظومة ونقدر نعرضها، وبالتالى صممت أيضًا لوحة لعرض البيانات تُحدث كل 5 دقائق، و"بتجيب كل مواطن تم تسجيله فى أبعد نجع فى مصر وكل دا يظهر لحظيًا". السؤال المهم هنا والمنطقى جدا.. ماذا كانت الفائدة من هذه المنظومة الإلكترونية؟.. الاجابة : إن المنظومة ساعدتنا  على معرفة نسب الأمراض ومعدلات فحص المواطنين، ووصلنا فى بعض الأحيان لفحص 750 ألف مواطن فى اليوم. والمنظومة يعمل عليها 20 ألف شخص كمُدخل بيانات، يسجلون بيانات المواطنين لحظيًا، ولم تسجل أى شكاوَى من تعطل المنظومة أو توقفها فى أى وحدة من الوحدات وتعمل بشكل سريع وسهل.  الآن أصبح لدينا حصر شامل بكل مواطن فى مصر والأمراض عند المواطنين بما يشمل فيروس سى وضغط وسكر وسمنة، برقم بطاقته وبرقم هاتفه وعنوانه وكل تفاصيله الطبية، وبالتالى لدينا خريطة واضحة للإصابة بهذه الأمراض فى مصر نستطيع من خلالها وضع استراتيجية وزارة الصحة لمكافحة هذه الأمراض فى الفترة المقبلة. وبهذا أصبحت مصر مثالًا لكيفية القضاء على المرض بعد أن كانت بؤرة للمرض، ونجحت الحملة المصرية فى علاج ملايين المرضى خلال اﻷعوام القليلة الماضية بنسبة نجاح تصل إلى 95 %، وهو تقدُّم كبير.. تسبب فى جذب الانتباه الدولى إلى مصر، حيث أصبحت التجربة المصرية نموذجًا لدول أخرى منخفضة ومتوسطة الدخل تواجه أزمة فيروس سى كبيرة مماثلة.  وبمناسبة اليوم العالمى لالتهاب الكبد، الذى أقيم مؤخرًا تحت شعار "استثمر للقضاء على التهاب الكبد"، أكدت منظمة الصحة العالمية أن مصر استطاعت أن تتقدم فى مواجهة واحدة من أكبر المشكلات التى تهدد الصحة العامة، وهى التهاب الكبد الفيروسى "سى". وأعلنت أنه تم علاج نحو أكثر من 3 ملايين مصاب منذ 2014 من أصل 4.5 مليون مصاب متعايش مع فيروس "سى" تم اكتشافهم حتى الآن.     

لا يوجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق