الأربعاء 1 أبريل 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
وليد طوغان

الكشف المبكر لسرطان الثدى

هدية لسيدات مصر

 تعرف النساء المصريات القاتل الأكثر شراسة، غير الصامت. تعرفنه جيدًا لكنهن ينكرنه، خوفًا من تكاليف العلاج، ومن مواجهة احتمالات الخسارة فى معركة شرسة للنجاة من الموت الذى يعتقدن أنه محتم، ويفضلن أن يوفرن الأموال ليعيش بها الأبناء حتى لو خسروا أمهم دون حتى محاولة الفرار، يفضلن الاستسلام لما يتصورن خطأ أنه قَدَرٌ لا فكاك منه، فيخسرن المعركة مقدمًا أمام قاتل لم يعد بالشراسة نفسها بعد أن انكشفت كثير من أسلحته وأصبحت هناك القدرة على تدميرها مبكرًا.



هكذا تتعامل المصريات مع الاشتباه فى الإصابة بمرض سرطان الثدى، صاحب النسبة الأكبر من أسباب وفيات النساء المصريات، دون الانتباه أن رحلة علاجه أصبحت تحمل آمالًا كبيرة وواقعًا حقيقيًا بالشفاء الكامل، وبأقل الأضرار فى أحيان كثيرة، فقط.. لو تم التعامل مع أسبابه ومساره فى التقدم بطريقة سليمة. 23 ألف حالة إصابة جديدة (تقريبًا) سنويًا بسرطان الثدى بين النساء المصريات، هذا ما كانت تكشفه الإحصائيات الواردة قبل بدء "حملة الكشف المبكر عن سرطان الثدى"، التابعة لمبادرة "100 مليون صحة" الرئاسية. وهو رقم ليس بقليل، فهو يعنى 23 ألف حالة جديدة معرّضة لآلام المرض الخبيث ومعرّضة للوفاة سنويًا، وهو رقم يمثل تقريبًا 38 % من إجمالى الأورام التى تصيب النساء المصريات. صحيح أن النسبة لاتزال أقل من مثيلاتها فى الولايات المتحدة الأمريكية وكذلك فى دول أوروبا، لكنها لاتزال نسبة كبيرة إذا نظرنا لها من منظور احتمالات الوقاية من حدوثها أصلًا، كما أن هذه النسبة مسجلة قبل بدء عمل الحملة التى اكتشفت حالات إصابة لم تكن صاحباتها يعرفن بها، وأخرى مؤهلة للإصابة، فعلى سبيل المثال فى اليوم الأول للحملة تمت إحالة ألفَى سيدة للكشف المتقدم، من ضمن 8325 امرأة تم فحصهن؛ حيث إن كثيرًا من النساء يكن مصابات بمراحل أوّليّة من المرض، أو سابقة عليه لكنهن لا يعرفن بذلك، وبذا فلا يتم الإبلاغ عن إصابتهن، فهن لا يتوجهن للعلاج قبل الاكتشاف فى المراحل المتأخرة، لذا فإن النسب المسجلة للإصابة قبل بدء الحملة لم تكن تُعَبر عن الواقع بشكل كامل، ومن فوائد الحملة أنها ستعطى النسب الدقيقة عن حجم تواجد المرض. اكتشاف مبكر مراحل الإصابة بسرطان الثدى متعددة، وكلما تم اكتشافه مبكرًا؛ أصبحت احتمالات الشفاء الكامل واردة، والنماذج على ذلك كثيرة، فنسبة الشفاء لدى الاكتشاف المبكر تصل إلى 95 % بإذن الله. كما أن العلم تمكن الآن من التنبؤ بحدوثه قبلها بمدة تصل إلى العام، من خلال اكتشاف ما يُعرَف بتكلسات قابلة للتحوُّل، كذلك فإن منه أنواعًا متعددة بعضها أسهل فى علاجه من البعض الآخر، كل ذلك يجعل من الوعى فى التنبه له من أهم أدوات كبح جماحه، سواء بتقليل نسب الإصابة بمنعها من الأساس، أو من خلال التعامل العاجل والواعى مع الحالات. وهذا العام 2019، وفى احتفالية يوم المرأة المصرية، التى أقيمت فى الثلاثين من مارس الماضى، أعلن الرئيس عبدالفتاح السيسى عن البدء فى دراسة عمل فحص شامل لكل سيدات مصر، بهدف الكشف المبكر عن سرطان الثدى، وكانت هديةً حقيقية للمرأة المصرية، رفعت عبء الخوف من المرض عن كاهلها، فلا حاجة لتحمُّل تكلفة الكشف والاطمئنان، أو العلاج فى حالة الإصابة، بعد أن أصبحت المسألة مهمة قومية. وبالفعل بدأت وزارة الصحة على الفور فى اتخاذ الاستعدادات اللازمة للأمر، ضمن مبادرة "100 مليون صحة" تحت رعاية رئيس الجمهورية، وهو الأمر الذى أتى بثماره على الفور. حيث بدأت الحملات الإعلامية للتوعية المجتمعية، لكل ما يتعلق بالتوعية بأهمية الوقاية، وأن تفادى مسببات أورام الثدى يقلل بالفعل حالات الإصابة، وبدأ الحديث المكثف عن أهمية الامتناع عن التدخين، وعدم الامتناع عن الرضاعة الطبيعية وتحاشى الاستعمال العشوائى والخاطئ للأدوية الهورمونية، وأهمية الحفاظ على الوزن، وضرورة ممارسة الرياضة مَهما كانت بسيطة. وتم الإعلان عن تطبيق مبادرة الرئيس على 3 مراحل، فى كل أنحاء الجمهورية؛ حيث تستمر كل مرحلة لمدة  شهرين، وتستهدف المبادرة نحو ما يقرب من ثلاثين مليون سيدة مصرية من عمر الثامنة عشر، وذلك بالفحص، والكشف الإكلينيكى عن المرض، وأيضًا توفير العلاج بالمجان. المرحلة الأولى للحملة بدأت فى الأول من يوليو 2019 واستمرت حتى 30 أغسطس، واستهدفت 9 محافظات: الإسكندرية، وبورسعيد، والبحيرة، والقليوبية، ودمياط، ومرسَى مطروح، وجنوب سيناء، والفيوم، وأسيوط.. وجرى العمل من خلال 1030 وحدة صحية، وقامت به لجان طبية، ويتكون كل فريق من اثنين من الأطباء وممرضتين، وكلها فِرَق مدربة على أعلى مستوى، ومتخصصة فى مجال الكشف عن سرطان الثدى، وتم الكشف وفقًا لمعايير البروتوكولات الصحية المتبعة.  أمَّا المرحلة الثانية، فبدأت فى الأول من 1 سبتمبر، واستمرت حتى 30 أكتوبر، وشملت إحدى عشرة محافظة، وهى محافظات: شمال سيناء، والبحر الأحمر، والقاهرة، والإسماعيلية، والسويس، وكفر الشيخ، والمنوفية، وبنى سويف، وسوهاج، والأقصر، وأسوان. وبدأت المرحلة الثالثة والأخيرة، فى الأول من  نوفمبر 2019 وتستمر حتى 30 ديسمبر، وشملت المحافظات السبع المتبقية: الوادى الجديد، والجيزة، والغربية، والدقهلية والشرقية، والمنيا، وقنـــا.  الصحة الإنجابية كل النساء اللاتى شملتهن خدمات المبادرة، حصلن على الخدمات الطبية نفسها؛ حيث استهدفت هذه الخدمات الكشف المبكر عن أمراض السكرى، والضغط، والسمنة، بالإضافة إلى سرطان الثدى، وتم تقديم العلاج لمن تثبت إصابتها بأى من تلك الأمراض بالمجان، إلى جانب الاستمرار فى تقديم خدمات دعم الصحة الإنجابية، وكذلك تنظيم الأسرة. أمَّا بالنسبة للنساء اللائى تم الشك فى إصابتهن بسرطان الثدى خلال عملية المسح المبدئى، فقد تم إرسالهن إلى مراكز الإحالة، وذلك لإجراء الفحوصات التأكيدية والحصول على  العلاج، وهى مراكز موجودة  فى معاهد ومستشفيات الأورام، وعيادات ومراكز صحة المرأة.   ومن جانب آخر، فقد تم تيسير الحصول على المعلومات المتعلقة بأماكن المسح أو الكشف، فقد أعلنت الوزارة فى وقت مبكر من بدء الحملة، إلى أنه يمكن معرفة أقرب مركز مسح لمكان الإقامة ومراكز العلاج، من خلال إدخال اسم المحافظة على الموقع الإلكترونى الخاص بالمبادرة والذى تضمن كذلك كل المعلومات اللازمة عن الحملة نفسها، إضافة إلى سُبل التوعية بالمرض، وأيضًا كيفية وطرُق إجراء الفحص الذاتى، ليس هذا فحسب؛ بل أنه تم إطلاق الخط الساخن 15335 للتواصل مع الجمهور، مع إمكانية تسجيل الشكاوَى والمقترحات، من خلال ملء استمارة مخصصة لذلك على الموقع الإلكترونى للمبادرة الرئاسية "100 مليون صحة".  ولسهولة التواصل مع السيدات المستهدفات بكل هذه الجهود، عملت وزارة الصحة والسكان، لإطلاق تطبيق على أجهزة الهاتف المحمول (أبليكيشن على الموبايل)، سيكون الأول من نوعه؛ حيث سيوجه للنساء، ويستهدف التوعية الصحية بالأساس، ويعتمد على قاعدة بيانات النساء المسجلة وفقًا لمبادرة "100 مليون صحة"؛ حيث تتم متابعة حالة كل سيدة وفقًا لسجلها الطبى، هذا بالإضافة كل الإرشادات اللازمة للتوعية بمرض سرطان الثدى، بدءًا من كيفية الفحص الذاتى، ووصولًا لخرائط مراكز الفحص والطوارئ، مع الأخذ فى الاعتبار عنوان السكن والمناطق الجغرافية؛ خصوصًا أن متابعة دورية سوف تجرى متابعة للسيدات المصابات، للتأكد من الشفاء التام وعدم عودة المرض.  كل ذلك الجهد حدث فى أقل من عام؛ لتوافر الإرادة السياسية، وتعاون الجهات المعنية، مع الدعم الكامل والتفهم المجتمعى لأهمية الحملة، التابعة للمبادرة الصحية الأهم فى السنوات الماضية، التى حظيت بإنفاق ضخم، وجهد كبير، وحشد لكل إمكانيات الدولة، لكنها فى الوقت نفسه حققت نتائج سريعة وإيجابية على مستوى المواطن المصرى، ومن المؤكد أنها ستترك أثرها الاجتماعى والاقتصادى فى كلٍ من المستقبل القريب وكذا البعيد. ومن يعرف، عسى أن يكتب لنا الله أن نعلن مصر بلدًا خاليًا من الإصابة بسرطان الثدى للنساء.. كما فعلناها قبلًا مع "فيروس سى".

لا يوجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق