السبت 8 أغسطس 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
وليد طوغان

خداع اعتمد على الرغبة فى التغيير

عندما سقطت الجماهير فى الفخ!

الحقيقة المؤلمة أن حلم الثورات حديثًا عادة ما يتحول إلى كابوس، فما أقسى نتائج ما عرف بـ«الربيع العربى».. الذى لم يكن أكثر من خريف مؤلم. تساقطت فى هذا الخريف العربى أوراق الكثير من الدول الوطنية العربية، وتهاوت أشجار أوطان كنا نظنها راسخة فى أرض الاستقرار، وتداعت ديدان الفوضى وذئاب الظلام إلى الخروج من جحورها لتحيل حياة الملايين إلى جحيم حقيقى.



ولم يذق العرب من ذلك “الربيع الزائف” سوى هباته الخماسينية، وأتربته الخانقة، ولم يروا فى أرضهم أثرًا لثمار الثورة الموعودة، ولم يتحقق من شعاراتها شىء؛ لأن لصوص الأوطان وعصابات السطو على أحلام الشعوب استغلوا تلك الرغبات المشروعة للملايين وأحلامهم الصادقة؛ ليصنعوا حلمهم الخاص فقط، وهو الوصول إلى السُّلطة بأى ثمَن، حتى ولو كان ذلك الثمَن ضحايا بالآلاف، أو ذبح أوطان بأكملها، أو تخريب دول كانت آمنة يأتيها رزقها. والحقيقة؛ أن ما شهده وطننا العربى من موجات زلزالية من أجل التغيير على مدى السنوات التسع الماضية يطرح الكثير من الأسئلة المُلحّة، التى أجاب الواقع على بعضها، ولم تحسم الإجابة على البعض الآخر إلى اليوم. لكن الزمن كفيل بتقديم إجابات شافية يوما ما، لكن المؤكد أن أحداث السنوات التسع الماضية قد وفرت فرصة نادرة لفهم العقلية العربية وأساليب تفاعلها مع الكثير من المتغيرات، كما دفعت المجتمعات العربية لكى تكشف عن جوانب ما كان لها أن تظهر لولا ما كان.  إذن، فالأمر ليس كله شر، والفهم بالتأكيد كله خير؛ لأنه على الأقل يمنحنا حصانة وتطعيمًا ضد الإصابة بنفس الفيروسات القاتلة مجددًا، حتى إن لم يمنحنا ضمانًا نهائيّا بعدم تكرار المرض، فالتاريخ ملىء بلحظات صعبة يعيد فيها نفسه، لكن الدرس الثانى دائمًا ما يكون أكثر فداحة. المتاجرة بالبسطاء لعل أحد أهم الأسئلة التى تطرحها سنوات العقد الأخير فى عالمنا العربى، هو: لماذا تنخدع الشعوب بشعارات الثورة؟ وكيف سقطت فى فخ الانسياق وراء بائعى الأوهام وسماسرة الدين ولصوص الأوطان؟. وبالتأكيد، فإن الإجابة على تلك التساؤلات يتطلب فَهمًا للواقع الذى أدى إلى اندلاع ما يسمى بـ”ثورات الربيع العربى”، فالسياق العام الذى جرت فيه تلك الأحداث هو السبيل الأفضل للفهم والتحليل، وقد استفادت تلك “الثورات” من ذلك الواقع فى إشعال غضب الشارع، والمتاجرة بأحلام البسطاء فى حياة أفضل، وصورت أن تلك الثورات تبتغى الإصلاح؛ خصوصًا أنه لعقود طويلة، وربما لقرون، ظل الإصلاح فى منطقتنا العربية أشبه بالحمل الكاذب، نشعر بكل آلامه، وتداهمنا جميع أوجاعه، ونتحمل فى سبيل اكتماله كل صعب وقاس. لكن عندما تأتى لحظة الوضع وتصل الآلام منتهاها، وتلهث الألسنة بالدعاء فى انتظار اللحظة المرتقبة، لا يحدث شىء، لا نحصل سوى على تجربة مجهضة.. وأحلام مرجأة... وإحباط كبير. ورُغم كل تجارب الإصلاح أو الحمل الكاذب التى عاشتها المنطقة العربية، فإنه مع بوادر حمل جديد، يتناسى الناس إحباطهم، ويمنون النفس بمولود قادم، يمسح آلام الخيبات السابقة، ويحمل معه فجر الغد المأمول، لكن الحقيقة الفاجعة أن تجار الشعارات سرعان ما يحولون تلك الشعارات البراقة إلى مكاسب شخصية، ورصيد لهم وحدهم، بينما يقبض الملايين على جمر الخيبة، وإحساس الخديعة. ولعل هذا ما حدث فيما يسمى بالربيع العربى.. فقد صدَّق الناس شعارات العيش والحرية والعدالة الاجتماعية، ولم يكن حلمهم يومًا انتصارًا أيديولوجيّا لفصيل أو تيار بعينه، لكن ما حصل بالفعل كان سرقة جديد لحلم التغيير وإرادة الإصلاح. رغبة التغيير لم تكن عملية الخداع التى مورست بحق الشعوب العربية خلال تلك الفترة التى أعقبت ٢٠١١ مسألة سهلة، بل اعتمدت على دراسة وإدراك حقيقى لحجم الرغبة فى التغيير التى تموج بها المجتمعات العربية المختلفة، وربما منذ سنوات ما بعد الاستقلال عن الاستعمار الأجنبى. فالصحيح فشلت كثير من الأنظمة العربية فى تلبية متطلبات شعوبها فى توفير ثنائية الخبز والحرية، وتعرّض المواطن لمساومة فادحة وفاضحة كى يمتلك واحدة على حساب الأخرى.. ومن ثم فقد استغل مروجو شعارات الثورة تلك الوضعية من أجل مغازلة أحلام البسطاء ورفع سقف طموحاتهم.  وعبر أدوات إعلامية تقدّم مضمونًا مكثفًا تم إغراء الملايين بأن تلك هى اللحظة لنسف الأنظمة القديمة، والحصول على المليارات الكثيرة التى صنعتها ترسانة الفساد التى امتلكتها الأنظمة القديمة، إلا أن الجميع أفاق على كذبة أخرى كبيرة. فرغم وجود العديد من أوجه الفساد فى داخل بنية تلك الأنظمة، فإن أمطار الدولارات التى تحدث عنها بائعو الأوهام الإعلامية لم تنهمر على الشعوب العربية، بل للأسف ساءت أحوالهم المعيشية أكثر، وازداد الفقراء فقرًا، بل وانزلقت الكثير من شرائح الطبقة المتوسطة التى عاشت تمنى نفسها بالستر إلى حافة الخطر، بعدما تضررت الاقتصادات الوطنية العربية نتيجة هروب الاستثمارات الأجنبية وإغلاق المنشآت الصناعية، وإصابة العائدات من السياحة وغيرها بحالة جدب مخيفة نتيجة غياب الاستقرار السياسى والأمنى، فضلا عن فشل فى معالجة الموقف وتقديم أى بديل حقيقى يمكنه تحسين الموقف، أو حتى على الأقل إنقاذه. بل ربما لا نبالغ فى القول أن شعبية بعض الأنظمة القديمة فى العديد من الدول العربية التى منيت بالإصابة بحمى “الربيع” زادت بعد رحيلها من السُّلطة، وأدرك الكثير من أبناء تلك الشعوب أن ما كان يقال لهم عن حجم فساد تلك الأنظمة كان مبالغًا فيه، وأن تلك الأنظمة ورُغم أخطائها وعيوبها كانت تمتلك من الأدوات والقدرة على توفير الحد الأدنى من معيشة واستقرار بات لدى كثير من الشعوب حاليًا حلمًا صعب المنال. يرتبط بالطرح السابق، مسألة تبدو مهمة فى عملية الخداع والتضليل الكبير التى تمت خلال سنوات “الانتفاضات” الأولى، وهى أسلوب المبالغة فى قدرات البديل القادر على ملء الفراغ السياسى والاقتصادى والاستراتيجى لرحيل الأنظمة القديمة، وهو أسلوب أتقنته قوى التأسلم السياسى، التى اعتمدت دعايتها من أجل إذكاء غضب الشارع العربى على المبالغة فى القدرات السياسية والتنظيمية لتلك الأنظمة، وقدرتها على قيادة البلاد فى المرحلة الجديدة. وكثيرًا ما كنا نسمع أفكارًا عن إعطاء الفرصة للبديل الإسلامى الذى لم تجربه الشعوب العربية، بعدما جربت الأفكار الاشتراكية والرأسمالية، وأن تلك الجماعات تمتلك من الكوادر المؤهلة والجاهزة ما يجعلها قادرة على تحقيق المستحيل فى لمح البصر، وبمرور الأيام اكتشفت الشعوب العربية قبل غيرها أن كل تلك القدرات التنظيمية والعلمية لم تكن سوى خواء وبالون أجوف سرعان ما انفجر كفقاعة أمام التجربة الحقيقية. «قناع زائف» أيقنت الشعوب العربية أن الصورة الزائفة عن مشاريع تلك الجماعات سواء فى مصر أو تونس أو غيرهما لم تكن سوى قناع زائف سرعان ما سقط أمام مرآة الحقيقة. ومن الأدوات أيضًا التى استخدمت لخداع الشعوب العربية ودفعها لابتلاع “سم الاستيلاء على الحُكم” فى “عسل الثورة”، تلك المبالغة الفجة فى دور الشباب الذين تصدروا المشهد فى الميادين العربية، وتم تصويرهم على أنهم فرسان الزمن القادم، وأنهم المبشرون بالتغيير الجديد، فقد تم وبتورط وسائل إعلامية عديدة، بعضها بقصد، والبعض الآخر دون وعى. المبالغة فى ملائكية ونقاء «شباب الثورة» وأنهم كتيبة التغيير القادمين من الواقع الافتراضى الذى أفرزته ثورات التكنولوجيا الحديثة، بعدما انسدت فى وجههم أدوات التغيير عبر الواقع الحقيقى، وشهدنا وشاهدنا حملات نفاق ممجوجة لهؤلاء الشباب وعبقريتهم وسلميتهم وبراءتهم، وخدعتنا دموعهم التى أهرقوها على الشاشات، وشعاراتهم الحماسية التى أهدروها فى الساحات، لكن مضى الأيام كشف أن هؤلاء الشباب لم يكونوا بتلك السلمية التى زعموها، ولا بهذه البراءة التى أبدوها، وأن كثيرين منهم لم يكونوا سوى دمى مربوطة بخيوط، تحركها أصابع لا تبدو أمام العيون، وإنما تتحرك فى الخفاء، وأن كثيرًا من تلك المشاهد الخادعة لم تكن سوى وسيلة لممارسة حملة تضليل منظمة. ورُغم الاعتراف بصدق نية وسلامة طوية بعض شباب آخرين، لكنهم كانوا قد وقعوا ضحية خداع، وأنهم أيضًا استخدموا ـ وربما بعضهم لايزال كذلك ـ فى لعبة أكبر من حدود أفكارهم الرومانسية عن الثورة، وشعاراتهم الحماسية عن التغيير القادم، والفجر الذى سيطل يومًا بعد طول إظلام!. فكرة القطيع يمكن فى هذا الصدد الإشارة إلى لعبة نفسية وإعلامية قديمة جرى استخدامها على نطاق واسع فيما عُرف بـ”الربيع العربى”، وهى اللعب على فكرة القطيع، وأن الإنسان لا يود البقاء منعزلًا، لأنه كائن اجتماعى فى الأساس. ومن ثم تم التركيز على فكرة أن الجموع الشعبية تدعم الثورة وتؤمن بشعاراتها، وتم ترويج ذلك بكثافة عبر وسائل الإعلام بشقيها التليفزيونى والإلكترونى، وهذا الأخير كان له دور بالغ الخطورة فى تمرير تلك الفكرة، حتى لو باستخدام تقنيات الإلحاح حينا والتزييف أحيانًا أخرى. لكن الحقيقة التى لا يمكن لأحد أن يجادل فيها أن فكرة التأييد واسع النطاق لشعارات انتفاضات 2011 لم تكن بذلك الزخم المزعوم، فكتلة المتظاهرين لم تكن تمثل أكثر من نسبة محدودة من التعداد العام للسكان، وخير دليل على ذلك دولة بحجم مصر، فكتلة المشاركين فى تظاهرات يناير لم تكن تتجاوز فى عموم المحافظات المصرية نسبة ٥٪ من التعداد العام للسكان، بينما النسبة الكاسحة من جموع المصريين تراوحت بين الرفض أو الترقب. وربما أحد أسباب العداء الواضح والمستحكم من قبل العديد من قوى ما يسمى “الربيع العربى” لثورة ٣٠ يونيو يكمن فى فضح تلك الثورة لحالة الزيف التى صنعتها تلك القوى وأرادت أن تبقى الشعوب العربية فى أسرها لأطول فترة، فقد أدركت الشعوب وفى القلب منها الشعب المصرى أن البناء والتعمير لا يكون بالشعارات، وإنما بعمل مضنٍ وتخطيط محكم وتماسُك حقيقى لكل مؤسّسات الدولة، وهو ما أسقط كل الأقنعة عن أدعياء الثورة، وتجار الشعارات، فكل إنجاز يتحقق على الأرض يعنى لبنة جديدة فى صرح الحقيقة وحصن الوعى، الذى يمثل حائط الصد الأهم فى مواجهة دجالى الثورة والمبشرين بالخراب. فالثورة الحقيقة هى التى تغير واقع الناس إلى الأفضل، لا ما تدفعهم إلى الوراء وتجعلهم يتحسرون على الماضى.

لا يوجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق